المشهد الفلسطيني.. حين يمارس الجميع تغييب الحقائق!
زكريا شاهين
لم يعد المشهد الفلسطيني يطل برأسه من خلال تداعيات الانقسام الذي حدث في الساحة الفلسطينية من خلال اقتتال داخلي أظهر هشاشة ما كان قائما قبل ذلك مما قيل إنه مؤسسات مشتركة وطريقة حكم ديمقراطي، وإنما وبعد أسابيع قليلة على انهيار كل ذلك، استفحل الانقسام في الساحة الفلسطينية التي لا زال أطرافها يتغنون بالحوار طريقا للخروج مما حدث، لتشتعل الحرب التشريعية بعد فشل انعقاد المجلس التشريعي الفلسطيني كامتداد لفشل المشاركة السياسية في السلطة، والتي أدت إلى حالة يبدو أنها لن تتمكن من حسم الخيارات السياسية لأطرافها في المدى المنظور، باعتبار أنها خلفت وراءها ما يمكن أن يكون تأثيرات على الامتدادات الاجتماعية والقبلية والعشائرية وفقا للتركيبة الاجتماعية في فلسطين المحتلة، خاصة في قطاع غزة، والتي حسمت أمورها باتجاه الانتماء الذي زاد أصلا من إعداد الأسباب لما حدث، فيما لا تلوح في الأفق أية بوادر إلا المتشائمة منها، باعتبار أن الواقع الذي يحكم الحراك السياسي في فلسطين المحتلة، لا يمكن له لأن يتجاوز الجوار بما في ذلك الحراك السياسي "الإسرائيلي"، وهذا ما لا يمكن التحكم به.
في الأسباب والنتائج
من المفارقة التي ارتبطت بتوقيت الحدث نفسه، أن الفلسطينيين الذين ينظرون عادة إلى مناسبة اغتصاب فلسطين على أنها مناسبة للتأمل وإعادة لملمة الصفوف وتعويض ما فات من حراك سياسي أو حراك عسكري مقاوم، استفاقوا في الذكرى التاسعة والخمسين للنكبة، على شكل ما يشبه الانتحار للإنجازات والتراكمات التي حدثت منذ ذلك الوقت وللصالح الفلسطيني، بحيث شكل الحدث في حد ذاته، نكبة مزدوجة، كان ثمنها في الحالتين، الدم الفلسطيني الذي هدر في النكبة الأولى على يد الصهاينة، وفى النكبة الثانية كان هدره واستباحته على يد الفلسطينيين أنفسهم.
وبغض النظر عما يسوقه أطراف الصراع الداخلي الفلسطيني، فأن الحالة الفلسطينية، كانت قد وضعت أصلا في خانة الاستهداف منذ أن أُعلن أمريكيا عن انتهاء حرب العراق من على إحدى السفن الأمريكية بعد الغزو عام 2003، أما الآلية التي كان مطلوباً من الفلسطينيين إتباعها منذ ذلك التاريخ، فقد تمثلت بأنه يجب عليهم تقديم التنازلات تلو التنازلات، بالرغم من أنهم يعرفون أن المقابل مجرد وهم ووعود، وهم يعززه التشرذم العربي الذي تماهى مع المخططات الأمريكية، ووعود لم تخرج عن صيغ غامضة زادت من قتامة المشهد باستمرار.
منذ ذلك الحين، أي منذ الإعلان عن انتهاء الحرب فى العراق، شكل التحرك الأمريكي باتجاه الصراع العربي-الصهيوني، أولوية جديدة، ليس الهدف منها الإيفاء بوعود قطعت من قبل الإدارة الأمريكية ورئيسها بوش، وإنما لأن استمرار هذا الصراع، يشكل عقبة كبرى أمام إعادة تشكيل خارطة المنطقة على الطريقة الأمريكية، ولعله ليس صدفة أن يحمل مشروع إنهاء الصراع، صفة الخارطة – خارطة الطريق – إذ أن هذه التسمية تنطبق على الخرائط الأخرى التي سيجرى لاحقًا، إعادة رسم خطوطها وتقاطعاتها، وحدود بقائها من عدمه، هذه الخطوط، التي يمكن أيضًا إزالتها وإلغاؤها لصالح التوجه الأمريكي، حين يتم تحويل كل تقاطعاتها باتجاه واحد، وزجها في آلية السوق، عبر مسميات عدة، مناطق تجارة حرة – سوق شرق أوسطية – دول أكثر تفضيلاً في منظمة التجارة العالمية ، ليصبح "الشرق الأوسط" كله، في مرمى نظم النموذج الأمريكي، وفى مرمى الاستهلاك، وذلك بعد وضع كل ثرواته، خاصة النفطية منها، وتحت بند الاستثمار، تحت تصرف وإشراف الثنائي الأمريكي – الصهيوني، الذي أعد العدة لذلك، أو تم إعداده تمامًا للعب هذا الدور، خاصة وأن هذه المنطقة تشكل وضعًا استثنائيًا يحتاج إلى تطويع، وذلك بحكم هويتها وانتماءاتها وثقافاتها، وقد بدأ التطويع بالفعل.
في الانقسام الفلسطيني
وفيما بدت الأطراف الفلسطينية وليس ما يشاع من أن هنالك طرفين متصارعين وحسب، وكأنما تستجيب لآلية تسويق الهدف الأمريكي، تحصر اجتهادات في رؤية التطورات لم ترق إلى قداسة القضية وطريقة التعامل معها، كان لا بد أن يتعمق شرخ سياسي كبير بين الفلسطينيين، كان قد تأسس منذ زمن الخروج المتكرر للمقاومة من الساحات العربية، وصولا إلى نتائج "اتفاقيات أوسلو" التي ثبت لاحقا أنها كانت ضمن الخطط التي تستثمر الوقت لصالح الطرف الذي يريد إنهاء الصراع وتصفية القضية الفلسطينية برمتها ومهما تعددت الوسائل.
كان عامل الوقت، يحكم قبضته على مجمل التحركات في المنطقة، باعتباره ضرورة ملحة تؤثر في مسار المصالح والتوجهات، التي تتقاطع وتتناقض في آن معًا، ليبدو المشهد معها، ملفّحاً بالغموض، ذلك الذي يستنزف عقول وأقلام الكثيرين، الذين يسعون جاهدين للبحث بين الكلمات والمعاني، بغية الوصول إلى ما يمكن من استجلاء هذا الغموض بأبعاده المشمولة بالحاضر والمستقبل، بعد إلحاح على شطب الماضي بكل تفاصيله، رغم أساسياته في لغة المشاريع والخرائط، وضرورة استدعائه كتاريخ لا يمكن إلغاؤه، خاصة إذا ما تعلق هذا الإلغاء بتأثيراته على المستقبل المراد تشكيله، وسط ازدحام خارجي لقوى فاعلة خارج إطار المنطق أحيانًا، وأحيانًا لا تعد ولا تحصى، خارج إطار الحق والعدل.
وفي الوقت المراهن عليه، كان هنالك وقت أمريكي، وآخر "إسرائيلي"، فيما الوقت الفلسطيني يكاد يترنح تحت قبضات هذا الوقت المزدوج، أما الوقت العربي، فقد أصبح كما يبدو خارج إطار التاريخ، لكأنما استوعب قبل غيره، ما أراد "فوكوياما" قوله فى نهاية التاريخ، حيث "زعم الديمقراطية السياسية، والليبرالية الاقتصادية"، الخيار المفروض في المدى المنظور، خاصة مع المشاريع الأمريكية التي تم طرحها لإعادة التركيب الهيكلي لاقتصاديات "الشرق الأوسط"، مع ما يعنيه ذلك من تغليب الأفكار الصهيونية السابقة واللاحقة على غيرها التي لم تفلح بالبحث عن بدائل، وإنما وبفعل النفسية العربية المهزومة، التي رأت في تبرير استسلامها وسقوطها، كأنما هو انتصار للوجه العاقل فيها أو هي بررت ذلك، بحيث أصبحت تسقط فشلها لإفشال الآخرين، حتى ولو كان ذلك على حساب أمة، وعلى حساب أجيال ستأتي، وليدة الانهيار والفشل.
الاحتراق داخل السلطة
كان السؤال الذي يتصادف أنه يجد إجاباته الغامضة دوما يقول، هل كان على الذين رفعوا شعار المقاومة لتحرير فلسطين، مضطرين لدخول العملية السلطوية رغم معرفتهم أن لا سلطة في ظل الاحتلال؟، وهل يمكن القول إن النظرية القائلة إنه لا يمكن تطبيق برامج هذا الطرف أو ذاك إلا عن طريق تطويع السلطة لصالح تلك البرامج التي سيطرت على المفهوم المرحلي للصراع نفسه كما جاء في أدبيات الذين شاركوا بتلك السلطة؟، أم أن الخيارات نفسها توقفت بحسب الرؤى السياسية لهذا الطرف أو ذاك عند حدود التلقي؟
ثمة من تعامل مع هذه المسألة كقدر محتوم، وثمة من قرر التصدي، فوقع في الحصار، وبالتالي أصبح بحكم موقعه هذا هدفا مشروعا لآلية المخططات التي يجب تمهيد كل الطرق التي تؤدى إلى تحقيقها، بعد إغفال ضرورة إخضاع الحراك السياسي والاجتماعي والتنظيمي إلى قوانين التحرير، وليس خضوع مجمل كل ذلك إلى القوانين المضادة لهذا الهدف، وبالتالي تحول المشهد الفلسطيني إلى حالة كارثية دونما ضوابط، بعد أن تم إحراق الوقت الفلسطيني نفسه أيضا، بحيث أصبح ضائعًا بين خيارات لا خيار فيها، أقلها إيلامًا، ما حدث من تنازل عن آخر ورقة فاعلة وتحظى بالإجماع الشعبي، بالغة التأثير، ألا وهى الانتفاضة، والتي تحملت من أهل البيت ما لا يمكن تحمله، الذين أرادوها أن تكون رشيقة كعارضة أزياء، أو ودودة كبائعة ورد، تستقبل الاحتلال بالأهازيج وحبات الأرز، وليس بالرصاص ولا حتى الحجارة، تدير خدها للصفعات، وتنحني للركلات، باعتبار أن ذلك من شيم "النظام العالمي الجديد".
لقد فرضت قوانين السلطة اعتراف الأمر الواقع بالعدو الصهيوني، حتى من قبل الذين رفضوا الإعلان عن ذلك، فبالرغم من رفضهم للأمر "وهذا موقف غير قابل للمناقشة"، إلا أنهم بحكم وجودهم بالسلطة، أصبحوا مرغمين على التعامل مع الصهاينة حتى لو كان ذلك من خلال ردود الفعل، حين تحكمت الأحداث اليومية بكل الحراك السياسي، بحيث فرضت على من في السلطة، التعامل مع مصطلحات يطلقها ويؤسس لها الصهاينة كمصطلحات التهدئة والهدنة وغيرها من المصطلحات التي فرضت نفسها على القائمين بأمر المؤسسات، بل شكلت هي الأخرى إحدى عوامل الصراع بين الفلسطينيين باعتبار الاختلاف السياسي القائم، إلى درجة أنها ألغت كل ما عداها من أحاديث التحرير والعدالة وغيرها، لتصبح هي الأخرى نقطة خلاف أسست للوصول إلى ما وصلت إليه القضية الفلسطينية.
في لعبة البقاء والانسحاب
كل هذا إضافة إلى الحديث المباشر المتعلق بالوضع المعيشي الذي كان من المفترض أصلا، أن يحمل الاحتلال تبعاته وفقا لكل القوانين الدولية، لكن ما حدث، أن التلهف على العروش، الذي قاد إجباريا إلى القول بإنشاء المؤسسات بغض النظر عن إمكانياتها وقدراتها واستهدافها الدائم من قبل الآلة العسكرية الصهيونية ومنها على التحديد المؤسسات الأمنية، أعطى حجة للاحتلال بالتنصل مما يجب أن يترتب عليه نتيجة لاحتلاله، وقد كان يعي اللعبة تماما عندما انسحب من مستوطنات غزة، ثم قاد حملة إعلامية عالمية قال فيها إنه أنهى الاحتلال هناك، فيما كان الجميع يعرف أن الانسحاب ذاك، أعطى فرصة اكبر للمحتل لتشديد احتلاله، من خلال الحصار الذي طال كل شيء، السيطرة على الأرض عن بعد، وعلى السماء بشكل يومي، وعلى الحياة اليومية من خلال المعابر وهكذا، علما أن الاحتلال نفسه، كان قد قام قبل كل ذلك وبشكل ممنهج، بتدمير المرافق التي يمكن لها أن تسهل الحياة للفلسطينيين، ومنها المطار والميناء ومحطات الكهرباء والماء التي أصبح يتحكم بها، مستخدما إياها كسلاح آخر في الحصار الذي توج في نهاية الأمر، وهذا ما حدث قبل أيام، بمصادقة "الكنيست الإسرائيلي" بالقراءة التمهيدية، على مشروع قانون بادر إليه النائب "ايفي إيتام" من الاتحاد الوطني، ويقضى باعتبار قطاع غزة "كياناً أجنبياً"، حيث أشارت الإذاعة الإسرائيلية، انه "بموجب مشروع هذا القانون لن تتحمل إسرائيل المسؤولية عن دفع تعويضات لسكان القطاع الذين أصيبوا خلال نشاط الجيش الإسرائيلي، فيما نقلت عن صاحب المشروع قوله، إن المصادقة على مشروع القانون تعد علامة في الطريق الذي يؤدى في نهاية المطاف إلى إعفاء "إسرائيل" من المسؤولية عن سكان ما أسماها دولة "حماسستان" في غزة.
ثم ماذا بعد؟
في نقيض الحقائق الفلسطينية، ثمة من لا يفتش عن الأسباب لمعالجة ما حدث، يتعامل مع الحدث حتى بالطريقة القبلية العشائرية نفسها التي كانت أحد أسباب صناعته، يدعو للحوار دون الارتكاز إلى برامج حقيقية إلا ما سبق من مقررات وتوصيات وآليات ثبت فشلها جميعا، بالمقابل، لا تقف أوراق اللعبة عند النصوص السياسية، أو المشاريع التي تكاد تكون وهمية، فهنالك نصوص أخرى تتعلق بأجندة الوقت، إنه الوقت الاقتصادي الذي يؤسس للعبة السياسية، لذلك فليس غريباً أن تتطابق شرم الشيخ بتكرار لقاءاتها مع العقبة، مع مؤتمرات حدثت وأخرى قيد الدرس، حيث تتداخل المقررات بتداخل المعطيات، ليكون الناتج واحدًا فئ كل الحالات، فقد أصبحت كل ورقة اللعبة خارجة عن الإطار الفلسطيني، وعلى الجميع معرفة ذلك، والعمل على إعادة التحكم بالمسار السياسي والمسارات الأخرى التي أساسها المسار المقاوم، باعتبار أن الخاسر الأكبر من كل ما حدث هو فلسطين.