الديمقراطية نكتة القرن الجديد التي يتندر بها الأمريكيون
سياسة البيت الأبيض.. رؤية جديدة أم تحوّل في الاستراتيجية؟
زكريا شاهين
أمام الكلية الحربية البحرية بولاية رود آيلاند أواخر الشهر الماضي، وقف الرئيس الأمريكي ليردد 27 مرة اسم "القاعدة" في خطاب أعاد فيه محاولات تبرير البقاء في العراق بالرغم من شبه الإجماع الأمريكي الداخلي على أن الخروج من هذه الورطة التي زجت بها الإدارة الأمريكية البلاد برمتها لا يستوي إلا بالانسحاب.
وإذ اعتبر الرئيس الأمريكي أن القاعدة هي العدو الرئيسي للولايات المتحدة في العراق فإنه وضع نفسه مجددا في مواجهة المسؤولين العسكريين الأمريكيين، خاصة العاملين في مجال الاستخبارات وعلى الأرض مباشرة، والذين يرون أن في هذا الأمر مبالغة، إذ أن ما يسمونه بـ"التمرد" في العراق، ليس من صنع "القاعدة" التي لا تشكل في أكبر الأحوال إلا ما نسبته 10 بالمئة من المقاومة العراقية.
التركيز مجددا على القاعدة وبحسب المحللين الأمريكيين أنفسهم تخطى حدود صناعة الخوف التي يمارسها الرئيس الأمريكي لتبرير وجود القوات الأمريكية في العراق، ليصل إلى استباق توجهات جديدة فرضتها الأحداث على الإدارة الأمريكية، ولن تجد مفرا من التعامل معها إلا بالخروج من قواتها من المستنقع العراقي، وبالتالي، فإن "الاستراتيجية الأمريكية تستند الآن إلى ما يُعدّه الجنرالات الكبار من مخططات تقضى بتكثيف العمليات العسكرية ضد ما يقولون إنه تنظيم "القاعدة" في العراق، في إطار التمهيد لانسحاب القوات، استجابة للضغوط التي يمارسها الرأي العام والكونغرس".
تحريف الحقائق
لم يمر الخطاب الذي ألقاه بوش أمام الكلية الحربية دون أن يجد من يكشف زيفه، خاصة من العسكريين الأمريكيين، فالجنرال الأمريكي المتقاعد جون باتيست اتهم الرئيس بوش بتحريف الحقائق حول من يقتل الجنود الأمريكيين في العراق، في محاولة "لاستخدام الاسم لحشد الدعم مجددا لسياسته بتذكير الرأي العام بمسؤولية القاعدة عن هجمات الحادي عشر من أيلول 2001".
اتهامات الجنرال الذى كان من ابرز الذين خططوا لغزو العراق، جاءت فى شهادة له أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي، حين أكد على أننا "لا نستطيع نسب كافة أعمال العنف في العراق إلى القاعدة، وينبغي أن نكون حريصين للغاية بهذا الشأن مضيفا:إن على القوات الأمريكية أن تُفهم البلاد كي تتمكن من ربح الحرب في العراق".
وفي السياق نفسه، جاءت تأكيدات المسؤول السابق في مكافحة الإرهاب راند بيرز الذي يترأس حاليا" شبكة الأمن القومي"، والذي أشار إلى أن الرئيس بوش "يقوم بلعبة خطرة مع القوات الأمريكية وأنه بتشويه الحقائق فإنه "يحقّر" المعلومات الاستخبارية لكبار القادة العسكريين الذين يتحدث إليهم ويبعث برسالة خاطئة إلى قادتنا الميدانيين في العراق حول التهديدات التي يواجهونها".
في الحديث عن البدائل
بالمقابل، فإن جوقة الرئيس الأمريكي تزعم أن هجمات القاعدة ضد أهداف مدنية ودينية شيعية هو الذي يستفز المليشيات الشيعية للرد عليها وهى التي تعطيهم المبررات لمواصلة الاقتتال المذهبي، بحسب ما اعتاد الجنرال باتريوس قوله، والذي يعتبر من أبرز العسكريين المساعدين لبوش، إضافة إلى موقف وزير الدفاع الأمريكي "غيتس"، الذي وبحسب ما نقلته صحيفة أمريكية، يخطط إلى التفاوض مع المؤسسات التشريعية الأمريكية نفسها، على اتفاق سياسي للحصول على تمديد الوجود الأمريكي في العراق مقابل خفض عدد القوات المتواجدة هناك ولفترة طويلة، وتكليف القوات الأمريكية فقط محاربة القاعدة لمنع حرب أهلية، هي قائمة أصلا!، معيدا التذكير بما صدر من تقارير أمريكية تتحدث عن انه بالرغم من إنفاق ما يزيد عن 19 مليار دولار على تكوين قوات عسكرية وأمنية عراقية يمكن أن تكون تابعة للحكومة العراقية، وفاعلة في آن واحد، فإن تلك القوات لا تزال ضعيفة وغير قادرة على العمل دون دعم القوات الأمريكية.
بدوره يوضح الجنرال باتيست أمام الكونغرس تعقيبا على قدرات القوات العراقية التي تقول الحكومة الأمريكية بأنها تعمل على إنشائها وتقويتها لتكون بديلا للقوات الأمريكية في حال الانسحاب، "إن خبرتنا على مدى السنوات الأربع الماضية هي أن معظم التشكيلات العراقية لن تظهر للقتال ولن تصمد بمواجهة ما يصفه بـ"التمرد" لآلاف الأسباب".
لكن المعارضين لكلام بوش، والمتوافقين مع هذا الكلام، يرون أن العمليات العسكرية التي تقوم بها القوات الأمريكية في العراق كعملية "السهم الثاقب" في ديالى مثلا، تأتى ضمن استراتيجية جديدة تم إقرارها مؤخرا بين العسكريين، حيث تشتبك القوات الأمريكية في عمليات عنيفة مع المقاومين العراقيين مع التركيز الإعلامي الكبير على أنهم ينتمون إلى "القاعدة"، والإعلان في نفس الوقت عن إنجازات تتعلق بملاحقة وقتل قيادات هذا التنظيم الذي يشكل العدو الأول في العراق بحسب التوجه الإعلامي الجديد، الأمر الذي يمكن ربطه بالمخاوف التي تضخها الإدارة الأمريكية باتجاه الرأي العام الأمريكي، بحيث يصبح مقتنعا أن ما يجرى في العراق، مسألة ضرورية بالرغم من الخسائر الكبيرة التي يتكبدها جيشه في الأفراد والعتاد على حد سواء، وإلا فإن "القاعدة" ستكون هنا! بحسب اعتماد هذه الكذبة من قبل الإدارة الأمريكية.
حديث الديمقراطية الغائب
الغرق مجددا في العمليات العسكرية، يوقف الحديث عن التوجهات الديمقراطية التي تقاتل الجيوش الأمريكية لفرضها على المنطقة ولو من بوابة العراق، بعد أن أصبح الحديث عن الديمقراطية الأمريكية هو أشبه بـ" نكتة" القرن الجديد التي يتندر بها الأمريكيون أنفسهم، بعد انفضاح محتواها، وبالتالي، فإنه من الملاحظ أن العديد من مراكز الدراسات الأمريكية نفسها، لم تعد تعطى الحديث عن هذا الجانب تلك الأهمية التي ترافقت في وقت سابق مع الأطروحات التي كانت تتناول مسألة الديمقراطية والشرق الأوسط الكبير والجديد إلى آخر تلك المسميات، باعتبار أن التجربة الأمريكية التي اعتمدت على محاولة تمرير مخططاتها في "منطقة الشرق الأوسط" من خلال اللعب على المسألة الديمقراطية الغائبة، تلك التي تقع مهمة حضورها على الراعي الأمريكي الأوحد، تلك التجربة ثبت فشلها على مدى الأربع سنوات الماضية، وبالتالي، فإن كل المؤشرات لجديد السياسة الأمريكية،- وتزامنا مع الإجراءات العسكرية الجديدة في العراق، والتوجهات لدى مستشاري صناع القرار في البيت الأبيض - تنصح بالعودة إلى قنوات التعامل مع المؤسسات المدنية في المجتمعات المستهدفة، حتى لو اضطر الأمر إلى إنشاء أو دعم مؤسسات ذا طابع إيديولوجي محدد، لكنه يخدم التوجه الأمريكي من حيث الطرح، تماما كتجربة الولايات المتحدة مع القاعدة نفسها في أفغانستان إبان الوجود السوفياتي هناك.
هنا وفى هذا السياق، وكما يتم تزييف الحقائق بالنسبة للعمل العسكري وتوجهاته في العراق، فإن التوجهات الجديدة للتعامل مع نشر النموذج الأمريكي للديمقراطية، سبق وأن فشلت هي الأخرى، والمثال على ذلك، الفشل الكبير الذي انتهى بما سُمّيَ بالثورات البرتقالية في مناطق متعددة كأوكرانيا وجورجيا، ومحاولة إحداث ذلك في لبنان وغيرها من المناطق، حيث أن نتائج هذه الثورات، ذات الصناعة الأمريكية، أعادت نتائجها بمردود سلبي لم يفعل سوى إعطاء الإدارة الأمريكية معطيات للقول إنها تنتصر في حراكها السياسي الديمقراطي في أكثر من مكان، وأنها ستمضى في هذا الجانب إلى النهاية لتحقيق ما تريد، علما أن المشاكل التي تفاقمت بعد تلك الثورات، لم تكن بأقل خطورة منها قبل ذلك.
الأنظمة الحليفة والمعارضة المطلوبة للتدجين
تصطدم التوجهات الأمريكية عادة بسياسات الأنظمة الحليفة لها في المنطقة حين تود فتح قنوات مع المعارضين لتلك الأنظمة، لكنها لا تعدم وسائل الضغط على تلك الأنظمة بالتلويح أمامها بقطع المساعدات الأمريكية عنها، أو بإدراجها ضمن تقارير الدول التي تنتهك حقوق الإنسان، أو باتهامها مباشرة بأنها تمارس قمع المعارضة التي من حقها المطالبة بالحرية والتعددية واحترام حقوق الإنسان، ويقال في هذا الصدد، إن الولايات المتحدة الأمريكية تعمل على إنشاء شبكة اتصالات مع أحزاب وقوى معارضة، خاصة في المنطقة التي تسميها "الشرق الأوسط الكبير"، والتي تضم مساحة أكبر عادة من الشرق الأوسط المتعارف عليه ضمن التسمية الاستعمارية البريطانية القديمة، حيث أفلحت باتصالاتها حتى مع بعض الحركات الإسلامية المعارضة، في تحقيق نجاحات مهمة.
وبحسب دراسة للكاتب محمد روسان حول الديمقراطية الأمريكية واحتضارها في المنطقة، فإن واشنطن، قد نجحت فعلا بـ "إجراء حوارات معمقه ومجدية لها مع فروع لجماعة الأخوان المسلمين" التنظيم الدولي" في عدد من الدول العربية والإسلامية في "الشرق الأوسط"، إلى جانب نجاحها في إشراك حركات إسلامية وغيرها "معارضه" في كل من اندونيسيا وآسيا لتحريكها في اللحظة المناسبة ضد الحكومات والانقلاب عليها، أضف إلى ذلك الحوار القائم مع جماعة العدل والإحسان في المغرب، كذلك التواصل المباشر مع الجماعة الاسلامية في الكويت والبحرين، وصولا إلى جماعة الأخوان المسلمين "الأم" حيث تشكل الجماعات الإسلامية الأنف ذكرها امتدادا طبيعيا للجماعة "الأم".
جديد التسميات
ومع كل ما يجرى على الأرض من متغيرات، وما يتوقع، فإن ذلك لا يوقف الجدل الأمريكي الداخلي سواء ما يتعلق منه بالجانب العسكري أو السياسي على حد سواء، وبالتالي، فهنالك جدل ساخن حول مستويات الجيش الأمريكي في العراق، وحول التبريرات التي ما انفك الرئيس الأمريكي يسوقها، كما أن هنالك جدلا سياسيا لا يتوقف، يتعلق بمجمل المواقف الأمريكية في المنطقة برمتها، وليس بالموقف الذي يتناول أداء الإدارة في العراق، وإنما في التعامل مع الملف النووي الإيراني، ومع الحالة اللبنانية وأيضا ما يجرى في فلسطين المحتلة بشقيه، "الإسرائيلي" والسلطوي.
في السياق ذاته الذي يدفع الرئيس الأمريكي إلى تكرار نفسه وتكرار كلامه، يلتف الطاقم العامل وفق جوقة البيت الأبيض على المسميات، بطرح جديد أو بديل يقال إنه سيكون ضمن الاستراتيجية المتوقعة للحراك الأمريكي الذي بدأ فعلا.
المنتقدون لأداء العسكريين في العراق يصرون على أن مستويات هذا الأداء ضعيفة وغير ملائمة لحجم المأزق الذي صنعته الإدارة الأمريكية بسياستها غير الواعية، فمثلا، يرى عسكريون أمريكيون، أن القوات الأمريكية العاملة في العراق غير قادرة على تأمين خطوط الاتصالات والخطوط اللوجستية، كما أنها غير قادرة على قطع خطوط ما يسمونه "العدو" التي تمر عبر الحدود المفتوحة، أما على الصعيد السياسي، فإن التسميات الجديدة التي تطلقها الإدارة الأمريكية كـ" التأمين، والبقاء، والبناء"، تحتاج إلى مستويات عسكرية مناسبة لتطبيقها، وهى غير موجودة، ولا يمكن تأمينها من خلال زيادة عدد القوات على المدى القصير.
يشكك المعارضون بجدوى سياسة العمليات العسكرية التي يقوم بها الجيش الأمريكي الآن في بعض مناطق العراق، باعتبار أن الولايات المتحدة ليس لديها هيكل قوى في الجيش والبحرية للاستمرار في هذه العمليات، بدليل زيادة اعتمادها على المرتزقة الذين أصبحوا يشكلون أكثر من ثلث الجيوش الموجودة ضمن ما تسميه الإدارة الأمريكية "قوات التحالف".
على كل حال، فإن الولايات المتحدة الأمريكية وبالرغم من كل هذا الفشل السياسي والعسكري في المنطقة، فإنها ما زالت ترى أنه بالإمكان المضي قدما في مخططاتها، ولو كان ذلك يمر بإخضاع المنطقة نفسها إلى العديد من التجارب التي يمكن أن تخدم الهدف الأمريكي النهائي، وعلى رأس هذه التجارب، الولوج إلى داخل المجتمع المدني ومؤسساته، والعودة إلى الترويج لمحاسن الثورات البرتقالية، وفى نفس الوقت، العمل على استمرار التخريب وإحداث الفوضى القائمة الآن في بعض الساحات، لدفع الأنظمة باستمرار التعاون مع الولايات المتحدة باعتبارها يمكن أن تشكل عاملا للاستقرار.