الدمار الشامل.. والعراق!

زكريا شاهين

أخيرا، وبعد أربع سنوات ونصف، وتعاقب ثلاثة مندوبين أمريكيين في الأمم المتحدة، وتنحى أمينها العام السابق وتولى آخر لهذا المنصب، أصدرت الأمم المتحدة قرارا بحلّ "لجنة مفتشي أسلحة الدمار الشامل" يقول: يبدو أن العراقيين كانوا على حق.

ومنذ أن كانت أسلحة الدمار الشامل ذريعة لغزو العراق، تغير الكثير، لكن الثابت الذي ظل متواصلا دون تغيير، هو استمرار تدمير العراق، تاريخا وجغرافيا واقتصادا... وكل شيء.

و1160 صفحة، هي حصيلة التقرير الذي لم يجد القائمون على كتابته أية مادة لزيادة عدد صفحاته، فلجأوا إلى التفصيل المملّ والمكرّر عمّا أسموه تاريخ برامج الأسلحة المحظورة في العراق، ومساعي الأمم المتحدة لتفكيكها.

ومع كل ذلك، انتهى القائمون على كتابة التقرير إلى القول: "إن الأحداث "أثبتت أن عمليّات التفتيش على الأرض أفضل من تقييم الاستخبارات في بلدان تتحرك بمفردها"، في إشارة خجولة لتمسّك الولايات المتحدة وبريطانيا بكذبة امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، التي تم التركيز عليها لغزو العراق، ثم ثبت فيما بعد، وبشكل مبكّر ومتكرّر في آن، بطلان هذه الكذبة.

وفى آذار العام 2003، انطلقت جحافل الجيوش الأمريكية والبريطانية لغزو العراق، حتى دون غطاء شرعي دولي - ووسط معارضة دول أعضاء في مجلس الأمن - بحجة وجود أسلحة الدمار الشامل، رغم أن التفتيش عن هذه الأسلحة كان قائما عبر لجنة متخصصة من الأمم المتحدة لم تثبت في ذلك الحين وجود أية أسلحة دمار شامل، وهي لم تثبت ذلك أيضا بعد كل هذه السنوات الأربع والنصف، بينما وللمقارنة، فإن الجيوش التي ذهبت لغزو العراق، لم تتوان عن استخدام أسلحة الدمار الشامل بحسب العديد من التقارير التي تتابعت منذ ذلك الحين، والمتعلقة بجرائم الحرب التي ارتكبت في العراق من قبل الغزاة الأمريكيين والبريطانيين.

ويعترف التقرير، الذي وقّعه رئيس اللجنة التنفيذية بالإنابة (ديمتريوس بيريكوس)، بأنه يبدو "الآن" أن معظم ما قاله العراق بخصوص أسلحته في السنوات الأخيرة كان صحيحاً، ملمحا إلى أن التلهف الأميركي والبريطاني على غزو العراق قد عرقل عمل اللجنة بالقول "لو لم تكن لجنة المراقبة والتحقّق والتفتيش التابعة للأمم المتحدة خاضعة لمثل هذا القيد الزمني الضيق، لكان ممكناً لعمليات التفتيش أن تكون أكثر تفصيلا وشمولا، ولكان من الممكن متابعة كثير من القضايا للوصول إلى نتيجة توفر ثقة أكبر لعملية التفتيش"!!.

وإذا كان تقرير اللجنة، لم يستخدم الكلام القاطع بالتأكيد، فإن رئيس اللجنة السابق السويدي (هانز بليكس) كان أكثر صراحة، حين قال في العام 2005 "اختارت الولايات المتحدة وبريطانيا التجاهل لتقاريرنا والتصرّف بناء على معلوماتهم... لم نكن نريد غزواً، كنا نريد التفتيش".

مجلس الأمن الدولي حل اللجنة المكلفة بالعثور على أسلحة الدمار الشامل في العراق، بعد إنفاق ملايين الدولارات من أموال الشعب العراقي، كرواتب للمفتّشين، ومصاريف مهمّات لم تكن اللجنة أصلا بحاجة لها بعد انكشاف الكذبة الأمريكية البريطانية منذ وقت طويل.

وبموجب القرار الدولي (1284) في العام 1999، تم إنشاء اللجنة المذكورة، حيث مارس المفتّشون عملهم في العراق بين تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 2002 وحتى سحبهم منه قبيل الغزو في 18 آذار/ مارس 2003، ومنذ ذلك التوقف، لم يسمح لهم بالعودة، ومع ذلك، ظلت الأموال تضخ لهم، حتى بعد أن تحوّل عملهم إلى دراسة صور تلتقطها الأقمار الصناعية.

وليس للتقرير أهمية تذكر من حيث أنه سبق وأن كشف الخداع وسقطت كل المبرّرات، لكن القيمة التي كان يمكن أن تكون لهذا التقرير، فيما لو تجرأ الأمين العام للأمم المتحدة، وأضاف إلى التقرير ما يفترض أن يقال، والمتعلق برحيل الاحتلال "فضيحة ما يسمى الشرعية الدولية".