أمريكا اللاتينية في حراكها الجديد

زكريا شاهين

يبدو أن الحراك الاجتماعي والسياسي في القارة الأمريكية اللاتينية، يحتاج إلى وقت طويل حتى تستقر ملامحه النهائية، بالرغم من المخاض الجديد الذي تعيشه دول هذه القارة التي تحاول أن تصنع استقلاليتها بعيدا عن التأثيرات الخارجية. وذلك بعد قرون من الاستنزاف لمواردها، وتهجير شعوبها التي عانت الكثير بسبب الجشع الذي كان يشد الدول القوية إلى الهيمنة عليها، بدءا من الدول الاستعمارية القديمة، وصولا إلى الدولة الأكثر جشعا في التاريخ المعاصر، وهى الولايات المتحدة الأمريكية.

ومن ظواهر الحراك السياسي والاجتماعي حتى في تلك الدول التي تريد الخروج من عباءة الاستعمار القديم والجديد - بعد التغيرات التي أوصلت إلى السلطة زعماء وطنيين لهم أفكار وآراء مختلفة عن آراء من سبقوهم، والذين كانوا يُوصفون بـ"التبعيين" - من الظواهر تلك أن هنالك ممانعة ما زالت تحيط بالاتجاهات الجديدة لأساليب ونماذج الرؤساء الجدد في أمريكا اللاتينية. وقد يعود جزء كبير من أسباب هذه الممانعة، إلى أنه ليس من السهل أن يتم التغيير بين ليلة وضحاها في مجتمعات جل سكانها من الفقراء الذين كانوا يقادون من الأغنياء دون ثقافة أو علم أو حقوق، يتملكهم الخوف من المستقبل، ويكافحون من أجل القوت اليومي، فيما هناك سبب آخر، هو أن الدول التي كانت مستفيدة من وجودها في أمريكا اللاتينية، سواء من خلال الشركات الاحتكارية التي كانت تنهب الموارد، أو من خلال التواجد المباشر على هيئة منظمات ومؤسسات دولية وأحيانا على هيئة قواعد عسكرية، ليس من السهل عليها التخلي عن مهمتها.

وهي التي استفادت من نهب الموارد الخاصة بتلك الدول، علما أن أكثر من ثماني دول في أمريكا اللاتينية، هي دول نفطية ذات مخزون احتياطي عالمي لا يستهان به، ومن السذاجة الظن بأن التغييرات التي تطال هذه الدول كالتأميم أو السيطرة الوطنية على الثروات، يمكن أن تمر دون معارضة، خاصة وأن الموروث الاستعماري بشقيه القديم والجديد، ترك له عملاء على مستوى عال من السيطرة، باعتبارهم يملكون الكثير في تلك الدول، حيث ترعرعوا على هبات المستعمر، الذي وإن ألقى إليهم بالفتات، فإن هذا الفتات، هو ثروة كبيرة بالنسبة إلى باقي ما يملكه الشعب بشكل عام.

في أمريكا اللاتينية، ومنذ عام 2000، تمت الإطاحة بعشر حكومات على الأقل، سواء عبر انقلابات أو انتفاضات جماهيرية، ومنذ ذلك الحين، والقارة اللاتينية تشهد أكبر حالة مناهضة لما ألحقته "العولمة" التي هي الشكل الجديد للاستعمار، من سلبيات اقتصادية واجتماعية، حيث يعمل الذين وصلوا إلى السلطة، على الحد من التأثير الأمريكي في السياسة الداخلية، كما يعملون على صياغة برامج تؤمن لهذه الدول، استقلالها الاقتصادي الذي لطالما كان مسيطرا عليه من الآخرين.

الحديقة الخلفية للولايات المتحدة سابقا، أصبحت الآن بنظر الأمريكيين، المنطقة الأكثر "مشاغبة" على المخططات والبرامج الأمريكية، خاصة وأن ظاهرة التمرد على النموذج الأمريكي، أصبحت تشكل عدوى لدول أخرى، فيما أن الدول اللاتينية، تسعى هي أيضا لتحالفات دولية لا تستثنى الجغرافيا العالمية، ومثال على ذلك، ما طرح مؤخرا بالنسبة للتحالف اللاتيني الإفريقي.

القارة اللاتينية، أصبحت محكومة بسياسات مجموعة من الدول التي تستهدف إحداث تغيرات اجتماعية وتتبنى رؤية سياسية خاصة تتسم بالتصدي للولايات المتحدة ووقف استغلالها لمواردها.

أمريكا اللاتينية تضم 21 دولة، بالإضافة إلى عدة مناطق تابعة، وعدد سكانها يقارب الـ"548" مليون ونصف المليون نسمة، لذلك، فهي تشكل سوقا اقتصادية استهلاكية للدول الغنية يدعو هذه الدول للتنافس عليها، وبالتالي، فسيمضى وقت طويل، قبل أن يُقال إن تجربة الدول الجديدة في القارة اللاتينية قد نجحت.