اقتتال غزة "انتحار جماعي"
بقلم: يوسف أحمد / كاتب من فلسطين المحتلة يقيم في لبنان
مرحلة جديدة تدخلها الحالة السياسية الفلسطينية من بوابة السلاح والاقتتال الدامي الذي طالما كنا نحذر من خطورته على الوضع الفلسطيني وعلى المشروع الوطني الفلسطيني، لكنه وقع هذه المرة بشكل لم يسبق له مثيل في استباحة الدم الفلسطيني دون أية ضوابط أو معايير إنسانية وأخلاقية، حيث استخدمت في الاشتباكات بين حركتي "فتح وحماس" كل أنواع الأسلحة من بنادق وصواريخ ومتفجرات، لتحصد خلال أيام أكثر من 125 قتيلا والمئات من الجرحى "والعشرات من الأسرى"، عجبا نقول عن هذه الحالة التي أوصلونا إليها بفعل سياساتهم الخاطئة والمدمرة، والتي إن ارتكزت على شيء فإنها ترتكز على النظرة الفئوية وروح إلغاء الآخرين وسياسة التفرد والهرولة وراء امتيازات السلطة ومناصبها الهشة.
كثيرون لم يتفاجأوا بما حصل في غزة لأنه كان متوقعا وإن ليس بهذا الحجم، لكنه بكل تأكيد كان نتيجة لتراكم سياسات خاطئة مارسها الفصيلان على مدار الفترة الماضية، وهي ليست المرة الأولى التي يتم فيها اللجوء إلى لغة السلاح لحل الخلافات السياسية بينهما، حيت حصد اقتتال الفصيلين منذ التوقيع على وثيقة الوفاق الوطني وحتى اليوم أكثر من 600 قتيل ومئات الجرحى، ولعل الطرق التي تم إتباعها في معالجة هذه الأزمات هي التي أوصلت الأمور إلى ما وصلت إليه اليوم، فلم يتم معاقبة المتورطين في أعمال القتل والتدمير وإحالتهم إلى القضاء والعدالة ومحاسبتهم ورفع الغطاء عنهم، بل نهج التسويات والصفقات الثنائية هو ما اعتمد في إدارة كل تلك الأزمات.
ولعل "اتفاق مكة" الأخير والذي شكل خطوة ساهمت بشكل كبير في تهدئة حدة الاحتقان ووقف الاقتتال بين الطرفين وإقامة هدنة سياسية بينهما من خلال تشكيل "حكومة الوحدة الوطنية" بمشاركة غالبية الفصائل الفلسطينية، لكن هذه الحكومة لم تقم على أسس وركائز متينة تجعلها قادرة على قيادة الوضع الفلسطيني في الضفة وغزة ومعالجة كافة الملفات الأمنية والاقتصادية، لأنها قامت على أساس المحاصصة وتقاسم الحصص بين الطرفين سواء على صعيد الوزارات أو المناصب الرسمية العليا في الوزارات والإدارات العامة واستحداث مناصب جديدة في الوزارات مثل مساعد وكيل وزارة وترقية دفعة كبيرة من كبار الموظفين تقاسمتها "فتح وحماس"، أما الوضع الأمني وتحريم اللجوء إلى السلاح فكل هذا تبخر، وبقي الوضع الأمني هشا وبقيت حالة الفلتان وفوضى السلاح قائمة ولم يستطع وزير الداخلية في حكومة الوحدة أن يعالج الوضع الأمني وهو ما دفعه إلى تقديم استقالته، لتبقى حالة الصراع بين الطرفين قائمة على المؤسسات والأجهزة الأمنية التي يحاول كل طرف السيطرة عليها من أجل تقوية نفوذه وفرض سياسته، وهو ما أضر بوظيفة هذه الأجهزة التي ينبغي أن تكون بعيدة عن الحسابات الحزبية والتنظيمية الضيقة لهذا الفصيل أو ذاك، كما تم الاتفاق عليه في البيان الوزاري لحكومة الوحدة لجهة نزع الصفة الحزبية عنها باعتبارها أجهزة لكل الشعب ولحماية امن الشعب.
وبالرغم من النتيجة التي وصلت إليها الأمور بفعل الاقتتال المدمر بين حركتي "فتح وحماس"، لا بد من القول أنه ليس هناك من رابح والفصيلين خاسرين، والخاسر الأكبر هو شعبنا الفلسطيني الذي لم يعد يحتمل هذه السياسات والممارسات المجنونة والمدمرة، والتي لا يوجد لها أي تبرير، لأنه مهما كانت حدة الخلافات بينهما كبيرة وواسعة، لا يمكن القبول باستباحة الدم الفلسطيني بهذه الطريقة المؤسفة، وتداعياتها الخطيرة على وضع شعبنا الفلسطيني داخل الأراضي المحتلة وأيضا في مناطق الشتات، لأنها تهدد وحدته وكيانه وهويته ونسيجه الاجتماعي ونضاله وتضحياته الكبيرة التي يقدمها منذ 59 عاما، وبالتالي فأن شعبنا لن يغفر لمن يساهمون في تدمير المشروع الوطني لشعبنا الفلسطيني، ولعل التظاهرات التي نزلت في شوارع غزة هي أكبر تعبير عن حالة السخط والغضب تجاه ما يحدث من قتل ودمار، وسقوط العشرات من الشهداء المدنيين ضحية هذا الاقتتال وهم يحاولون الفصل بين الطرفين، لأنهم يدركون خطورة ما يحدث ونتائجه الكارثية على مستقبلهم وحياتهم، وعلى روحهم المعنوية التي لم تستطع كل آلة الحرب والعدوان "الاسرائيلي" أن تهزمها، لكن اليأس والإحباط يسيطر اليوم على نفوسهم وهم يشاهدون هذا الاقتتال المدمر بين الطرفين الذين عليهم أن يدركوا أن قتالهم الدموي والعبثي من شأنه أن يضعف فعلا الحالة المعنوية والإرادة الصلبة لدى أبناء شعبنا، الذي سئم واكتوى بنار الحروب والاقتتال التي لم تجلب له سوى الويلات والمصائب.
إن استمرار الوضع الراهن كما هو عليه ينذر بعواقب وخيمة على أبناء شعبنا في غزة والضفة، ولعل قرار حكومة العدو "الاسرائيلي" بتشديد الحصار على القطاع وإعلان الشركات "الاسرائيلية" بوقف تزويد القطاع بمواد الطاقة وغيرها هي أولى النتائج التي أفرزتها حالة الاقتتال بين الطرفين، ومن هنا فأن المطلوب للخروج من هذه الأزمة يتطلب أولا إنهاء كل مظاهر السلاح ووقف التحريض بين الطرفين ومنع اللجوء إلى السلاح في أية حال من الأحوال، وارتقاء الجميع إلى مستوى المسؤولية الوطنية في هذا الظرف العصيب وتغليب المصلحة الوطنية على أية مصالح فئوية ضيقة، والعمل على تهيئة الأوضاع للعودة إلى الحوار الوطني لمعالجة حالة الانقسام والتشرذم وتوحيد الجهود لمواجهة تداعيات هذا الوضع الخطير من أجل استعادة الوحدة الوطنية، لأن استمرار حالة التقاتل بين الطرفين هو انتحار وجنون جماعي لن تتوقف نتائجه عند حدود الفصيلين بل ستطال كل الحالة الفلسطينية في الوطن والشتات.
ولا بد لنا من أن نتوقف عند توقيت انفجار الوضع بين الحركتين في غزة، حيث أتى بعد أن أعلنت القاهرة عن عزمها دعوة كافة الأطراف الفلسطينية إلى حوار شامل نهاية الشهر الجاري أو مطلع الشهر القادم، وكأن من أشعلوا النار أرادوا استباق الحوار ومحاولة فرض وقائع ميدانية تلزم الحوار بنتائجها بما يصب في خدمة مصالحهم الفئوية الضيقة، لكن الأمور جاءت عكسية إذ أطاح الاقتتال بالحوار وأجله إلى إشعار آخر، كما دفع هذا الاقتتال بالوفد الأمني المصري إلى الانسحاب من القطاع بعد أن فشل في عقد لقاء بين الطرفين المتقاتلين ولم تفلح كل الجهود المصرية التي بذلت بالتعاون مع الفصائل الفلسطينية وخاصة (الجبهتين الديمقراطية والشعبية وحركة الجهاد) في وقف الاشتباكات فور وقوعها بالرغم من الدور الذي لعبته هذه الأطراف في الضغط على الحركتين، إلا أنه من الواضح أنه كان هناك إصرار على استمرار المعركة حتى تحقيق المكاسب التي تمكنهم من فرض مواقفهم ورؤيتهم للقضايا المطروحة على جدول أعمال الحوار الوطني، ومحاولة سحب اتفاق المحاصصة الذي أثبت فشله في اتفاق مكة على مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، واستبدال الشراكة الوطنية الشاملة بمحاصصة ثنائية غير مبدئية لا تقوم على أساس التفاهم بل على التزاحم والتنافس وإقصاء الآخر وهي سياسة أثبتت فشلها وكانت السبب الرئيسي في تجدد الاقتتال في إطار التنافس اللامبدئي.
مرحلة جديدة قد بدأت خاصة بعد إعلان الرئيس محمود عباس لحالة الطوارىء في الضفة والقطاع وإقالة رئيس الحكومة، وبالرغم من التغطية القانونية والصلاحية الدستورية والقانونية التي يمنحها القانون الأساسي لرئيس السلطة وحقه في إقالة رئيس الحكومة وتشكيل حكومة طوارىء، لكنه ينبغي التدقيق في جدوى هذه الخطوة على الصعيد السياسي ومدى استجابتها للحاجة إلى تأمين الاستقرار وفرض سيادة القانون وإنهاء حالة الشلل التي تعاني منها أجهزة ومؤسسات السلطة في الضفة وغزة.
من هنا ينبغي القول أن المعالجة الحقيقية والجذرية لهذه الأزمة ينبغي أن نعود بها إلى الشعب الذي هو مصدر الشرعية كي يعبر عن إرادته الحرة من خلال انتخابات ديمقراطية جديدة وعلى أساس التمثيل النسبي الكامل باعتبار ذلك وحده الذي يشكل حلا جذريا سلميا وديمقراطيا للازمة الراهنة، دون ذلك فان كل الحلول سوف تبقي الباب مشرعا أمام استئناف التصادم بين الطرفين، وعليه ينبغي على كل القوى الفلسطينية ومؤسسات المجتمع المدني والشخصيات الوطنية أن تلعب دورا محوريا وفاعلا في هذا الإطار وتضع حدا لحالة الصراع والانقسام وتعود بالأمور إلى لغة الحوار للوصول إلى حلول سياسية وطنية بالاستناد إلى برنامج الإجماع الوطني الذي جسدته وثيقة الوفاق الوطني وقرارات "إعلان القاهرة"، لإعادة بناء الوحدة الوطنية على أسس ائتلافية في مؤسسات السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية في مواجهة العدوان "الاسرائيلي" والضغوط الخارجية وصون المشروع الوطني الفلسطيني وتعزيز صمود شعبنا وتمكينه من مواصلة نضاله من اجل استعادة حقوقه الوطنية المشروعة في العودة والحرية والاستقلال.