إرادة الباطل عند وجوه الفتنة!!
عبد الجبار سعد - اليمن
مشروع
"الشرق الأوسط الكبير".. و"الفوضى الخلاقة" الذي بشرتنا به السيدة كوندوليزا رايس،
يقتضي أن تذوق الشعوب العربية والإسلامية الواقعة في منطقة الشرق الإسلامي وبشكل
مدروس كل ويلات الفقر والجوع والمخافة والأزمات من خلال خلق حروب من كل نوع
وخلافات من كل نوع ، طائفية وعنصرية ومناطقية ودينية وسياسية وطبقية.
المهم أن تتفجر الأمور في هذه المجتمعات حتى يصل الناس إلى يقين أنه لن يخلصهم مما هم فيه إلا أعظم دجالي العصر سيد البيت الأبيض وربيبته في المنطقة العصابة الصهيونية المحتلة لأراضي العرب.
ولذا فقد بدأت المأساة بالعراق وحصاره وتجويعه، وقصفه، وإثارة الطائفية فيه وتسليط الإعلام المعادي ونشر الأكاذيب والدعاوى المختلقة حول قيادته حتى وصل الأمر إلى الغزو ومارا فقه وما لحقه من انتهاكات واستباحات وسفالات يندى لها الجبين الإنساني، وتشرد الملايين من أبناء شعب العراق العظيم داخل وخارج العراق وقتل مئات الآلاف، ودمر العراق وكل بنائه الاقتصادي والثقافي والتاريخي والاجتماعي والسياسي والعلمي، ولا تزال دورة الموت والفناء والدمار تطغى على كل شيء فيه، ولا يبدو أن هناك من يأبه لما يدور غير ذلك الشعب الذي يعاني بشموخ وكبرياء ومقاومة لا نظير لها في التاريخ الإنساني المقاوم.
***
أمريكا و"إسرائيل" وثالثتهما الإمبراطورية الصفوية في المنطقة، سائرون في مخططهم التدميري والاستحواذي الكبير، فالوضع في السودان يتفجر وفي الصومال تفجر وفي فلسطين تفجر وفي لبنان يتفجر وفي اليمن يتفجر وفي السعودية ينذر بالتفجير وهكذا في سوريا، وحدث ولا حرج، والسيد الأمريكي، مشغول بصياغة القرارات الدولية المفجرة للأوضاع أكثر، مثل "المحكمة الدولية" لقتلة الحريري و"المحكمة الدولية لدارفور" و"القوة الدولية لإنقاذ شعب إقليم دارفور"، وكأن ما يدور في العراق وأفغانستان وفلسطين ليس شيئاً.
***
وسائل أمريكا في تأجيج الصراعات هي مجموعة المنظمات التي تمولها وترعاها أمريكا ودول الغرب والتي تسميها "منظمات المجتمع المدني" والأحزاب السياسية التي لا تعتز إلا بتبعيتها للغرب وللخارج بشكل عام، ومجموعة صحف الإثارة التي يتم الاهتمام بالقائمين عليها لتأجيج الفتنة السياسية بين أبناء هذه الشعوب ومواقع الانترنت التي تقدم لها الاستضافات والتمويل والخبرات الفنية جماعات متخصصة بالرعاية والإنفاق، وكذلك مجموعة أنشطة يسمونها عادة "أنشطة في مجال الحريات وحقوق الإنسان" و"ورشات عمل" في هذا السبيل، بالإضافة إلى الفضائيات المتخصصة في إثارة الفتنة، ورموز الفتنة يتداعون من كل حدب وصوب عند كل دعوة استنفار!!.
كل هذه وأشباهها هي وسائل مشروع "الفوضى الخلاقة والشرق الأوسط الكبير"!!.
***
الفتنة اليمنية واحدة منها، وقد فاجأتنا الأيام الماضية دعوة اتخذت شكل الرحمة والعطف والإشفاق على الدماء التي تسيل في صعدة، ورفعت شعار "معا ضد الحرب.."
وهي كما يتضح من هويات رموزها وتوجهاتهم دعوة حق يراد بها باطل وتدفع إليها أصابع الغزو والفتنة لتخدع المغفلين، وتعتمد على المفتونين، والطامحين إلى الحكم حتى من خلال "الشيطان الأكبر" كما في أفغانستان والعراق.
أجل دعوة حق يراد بها باطل، دعوة لا تدري من المقصود فيها هل الدولة مع أن بعض القائمين على الدعوة قريبون من الحكم ومن الرئيس وبعضهم كانوا ولا يزالون وسطاء في التفاوض مع المتمردين، ويستطيعون أن يهمسوا في أذن الرئيس ببساطة ويقولون له بأن المطلوب هو كذا وكذا، ونحن نضمن امتثال فريق التمرد لتوجيهات السلطة المركزية واحترام الدولة.
أم المقصود بها فريق التمرد..؟ ولا يبدو أنهم يرغبون في إيقافهم عند حد ماداموا في وضع قتالي متقدم ومتفوق، وإلا فبعضهم له سطوة عليهم ويستطيع أن يقول لهم أوقفوا تحديكم للدولة وعلينا الوفاء بكل الالتزامات التي قطعتها الدولة على نفسها!!
ولكنها دعوة حق يراد بها باطل، دعوة تتباكى على دماء أبناء صعدة ومتمرديها، وتهول الأكاذيب ولا تطالب لهم بشيء، ولا تطالب منهم أن يلقوا أسلحتهم غير أنها تلزم الدولة بسحب نفوذها من أرض الوطن لتحكمه عصابة، والقائمون على الدعوة يهدفون إلى إيصال صوتهم الكاذب الدعوى إلى محافل دولية ليبرروا التدخل في الشأن اليمني من قوى الشر العالمي، وليقول لهم عجْلُ أمريكا "لبّيكم يا عبادي!!"
***
ويمكن العودة إلى التقرير التي انفردت به "الوسط" حول أنشطة أحد رموز التمرد في الخارج، يحي الحوثي لملاحظة السعي الحثيث لتدويل القضية أو أمركتها بتعبير أدق.
وقد بدأت ملامح هذه التوجهات تتبدى، من خلال مقالة للكاتب المصري المقرب من أوساط بعض المعارضة اليمنية في الخارج فهمي هويدي الذي يطالب الجامعة العربية بالتدخل، وهو يعلم أن الجامعة العربية قد فقدت دورها في أعظم القضايا خطورة وحساسية مثل فلسطين والعراق، والصومال ولبنان وغيرهم، ولكنها خطوة نحو التدويل فهذا الطلب يوصلهم لما بعده، وحتى سمعنا من خلال جريدة "الوسط" نقلا عن "مفوضين دوليين لحقوق الإنسان في منطقة الشرق الأوسط" تصريحات تؤكد الحاجة إلى تدخل مجلس الأمن فيما يدور باليمن، وهكذا.
***
هؤلاء الغيورون على دماء أبناء الوطن لم نسمع لهم في تاريخهم كله أدنى غيرة على شلالات دمٍ سالت ولا تزال تسيل في العراق وفلسطين ولبنان والصومال وأفغانستان وهم يعلمون أي دماء تلك التي تسيل وأي مآسي تلك التي تقع هناك، وما رفَّ لهم جفن في يوم من الأيام ولا قالوا كلمة!!
إنها دعوة حقّ يُراد بها باطل، فهؤلاء ليس لديهم أي مشروع بديل لحل المشكلة والتي تهدد السلام الاجتماعي، وتتحدى هيبة الدولة، وتفتح المجال لكل حركات العصيان المدعومة من قوى الشر العالمي، وكلما قيل لهم يا أيها الناس، أليس من الخير أن تضعوا مشروعا يحقق السلام مثل تبني المطالب المشروعة لعصابة التمرد ونقلها للدولة فإن قبلت بها فبها ونعمت وعلى المتمردين إلقاء السلاح المتوسط كما تطالبهم الدولة والحصول على حقوقهم تحت إشراف الوسطاء النزيهين، وإن لم تقبل الدولة فيكون ذلك مبررا لدعاة الصلح والسلم الاجتماعي، لإعلام وحشد الرأي العام وتكوين قوة ضغط تُلزِمُ القائمين على أمر البلاد القبول بالحق..؟
***
لكن وجوه الفتنة، ورؤوس الغزو والمبشرين به لا يلوون على شيء فمشروعهم معدٌّ سلفاً ممن له الأمر والنهي، ونتائجه تتبدى من خلال السير وسيد البيت الأبيض ينتظر نعيقهم المنكر كي يقول "لبيكم يا عبادي..!!"
كما أن حوزات وآيات عظام، وميليشيات ومرجعيات تنتظر دورها لتقدم الخبرة المناسبة، لدورة العنف الدموي التي يراد لها أن تعصف بالبلاد والعباد إن مرت الفتنة كما يريدون.
أما لماذا برزت هذه الدعوة لإيقاف الحرب في الأسابيع الأخيرة فقط، فالجواب سمعناه من الأستاذ سعيد ثابت من نقابة الصحفيين اليمنيين عبر قناة "الجزيرة" وهو "أن الفترة الأخيرة من الحرب شهدت تقدما كبيرا للقوات الحكومية على حساب المتمردين".
ومن البديهي القول أنه لو حدث العكس فلن نسمع مثل هذه الدعوة لإيقاف الحرب مطلقا.
***
فهل يمر المفتونون بمشروعهم "الشرق الأوسطي الكبير"، بعد هذه الشواهد المأساوية في المنطقة..؟
لقد أراد الله لهذه الفتنة أن تشهد بشائر صلح بين أطرافها بعقول وجهود صادقة وحريصة من غير المفتونين من إخواننا العرب، ولكن المفتونين لن يقروا أبدا فمنذ أول إعلان عن المصالحة بدأت أقلامهم وبياناتهم وصحفهم ومواقعهم تشكك بالصلح وتتوقع عدم المصداقية من قبل الدولة وهكذا، ولقد رأينا تحقيقا لهذه النبوءات لأن المشروع الكبير وصاحبه لا يريد إلا الفتنة واستمرار الحرب.
فمتى تصمت أبواق الفتنة وتترك للمصلحين أن يعالجوا مشاكل مجتمعاتنا، وهل يشهد الصلح الأخير النور ويذهب الفتنة أم لا؟
الجواب يمتلكه أصحاب هذه الدعوة، "معا ضد الحرب" أما الدولة والمتمردون والمصلحون فقد فعلوا ما يحقق الصلح واستئصال الفتنة ولم يلزمهم أحد بشيء من ذلك إلا تقديراتهم لمستقبل الأمة مع وبدون الفتنة، فهل يصمت هؤلاء على الأقل ويدعون الأخيار ليستكملوا مسار الصلح والسلام..؟