قنابل الديمقراطية العنقودية في "العراق الجديد"
نيك تورس *
هل استخدم الجيش الأمريكي قنابل عنقودية في العراق في 2006، ثم كذب فيما بعد بشأن ذلك؟ وهل يحتفظ الجيش الأمريكي بأعداد القذائف وطلقات المدافع التي أطبقت من الطائرات والمروحيات كسِرّ لأن المزيد من المدنيين العراقيين قد قتلوا بسبب استخدامها أكثر من أي نوع آخر من الأسلحة؟
هذان سؤالان لا غير من أسئلة كثيرة دون جواب، تتصل إلى حد كبير بالحرب الجوية المكشوفة التي ما انفك يخوضها الجيش الأمريكي ضد المدنيين في العراق.
والذي نعرفه هو الآتي: منذ انتهاء المرحلة القتالية الكبرى من الحرب في أبريل- نيسان 2003، ألقى الجيش الأمريكي ما لا يقل عن (59.787) رطلا من القنابل العنقودية من الجو في العراق – وهو نوع السلاح ذاته الذي يصفه مارك جارلاسكو المحلل العسكري البارز في منظمة "هيومن رايتس واتش"، بأنه "الخطر الأكبر الوحيد الذي يواجهه المدنيون بالنسبة لأي سلاح آخر يجرى استخدامه حاليا"، ونحن نعلم أيضا أنه طبقا لرأى ذوى الخبرة، فإن القذائف ونيران المدفعية من الطائرات الحربية الأمريكية، يمكن أن تنسب إليها جل حالات القتل بين المدنيين العراقيين على يد الأمريكيين وحلفائهم، وأن البنتاغون قد أعاد تخزين ما قيمته مئات الملايين من الدولارات من هذه الأسلحة خلال السنوات الأخيرة.
وللأسف، وبفعل الغياب الكامل لتغطية وسائل الإعلام الكبرى ، فإن الذي لا نعرفه عن الحرب الجوية في العراق حتى الآن، يزيد على ما نعرفه، ولكن الصورة الأصغر لطبيعة الدمار من الجو في ذلك البلد لا يمكن رسمها، وبدلا من ذلك، دعنا نفكر في حكاية القوة الجوية الأمريكية في العراق كسلسلة من الزخات الضئيلة من لون قاتم على كنفة رسم بيضاء واسعة.
القنابل العنقودية
حتى ضمن الجوانب الأقل تغطية من الحرب الجوية في العراق، فإن مسألة استخدام القنبلة العنقودية تظل تخيم عليها ظلال قاتمة بوجه خاص، وهذا ليس مدعاة للاستغراب، وعلى أي حال وفى وقت تتحرك فيه بلدان كثيرة باتجاه حظر استخدام الذخائر العنقودية – ففي مؤتمر عقد بأوسلو النرويج في شهر فبراير- شباط 2007، ساندت (46) حكومة من جملة (48)، ممثلة في المؤتمر، ساندت صدور إعلان من أجل عقد معاهدة دولية جديدة، وحظر للأسلحة العنقودية بداية من 2008، والولايات المتحدة إلى جانب الصين و"إسرائيل" وباكستان وروسيا عارضت أي حدود أو قيود جديدة من أي نوع.
والأمر لا يبعث إلا على القليل من الدهشة والعجب، فالجيش الأمريكي يتوفر على ترسانة مذهلة من هذه الأسلحة، وحسب تقرير نشر مؤخرا لمنظمة "هيومن رايتس واتش"، فإن جيش البر يمتلك 88% من مخزونات البنتاغون من القنابل العنقودية – أي ما لا يقل عن (638.3) مليون من القنيبلات العنقودية المركبة ضمن كل ذخيرة عنقودية أكبر، أما القوة الجوية والبحرية، وحسب أرقام وزارة الدفاع، فلديهما (22.2) مليون و(14.7) مليون من القنيبلات على التوالي، وحتى هذه الأرقام، تظل في رأى الخبراء أقل من الأرقام الحقيقية.
والقنبلة العنقودية تنفجر فوق الأرض وتطلق المئات من القنيبلات القاتلة التي تزيد من دائرة القتل للسلاح، محدثة كما ذكر جارلاسكو "آثارا عشوائية دون تمييز"؛ ويلاحظ أن هذا سلاح لا يستطيع التمييز بين مدني وعسكري عند استخدامه، وذلك بسبب اتساع المجال الذي يغطيه، فإذا رميت بسلاحك وأصبت هدفك، فأنت تصيب أيضا كل شيء في نطاق ملعب بمساحة ملعب لكرة القدم، ومن ثم، فإن استخدامه بالقرب من المدنيين يشكل انتهاكا لقوانين النزاعات المسلحة".
والأسوأ من ذلك، هو أن الذخائر العنقودية الأمريكية ذات نسبة عالية من العطب، فعدد ضخم نسبيا من "القنيبلات" تسقط على الأرض وتصبح عبارة عن ألغام أرضية هي الأخرى، كما يشير إلى ذلك جارلاسكو، "وقع حظرها فعلا من جانب غالبية الدول على سطح المعمورة". ويضيف جارلاسكو: "أنا لا أفهم كيف يمكن استخدام الترسانة الحالية من القنابل العنقودية الأمريكية ضد أهداف مدنية أن يكون محل دفاع بأي شكل من أشكال أو الصور الشرعية".
وفي رسالة إلكترونية أوائل هذا العام، ذكر ناطق باسم القيادة الوسطى للقوات الجوية الأمريكية لهذا المراسل أنه لم تكن هناك حالات لاستخدام القنابل العنقودية في العراق خلال 2006، ولكن الوثائق العسكرية تشير بل وتذهب إلى أن الحقيقة ليست هي ما صرح به الناطق الرسمي المذكور.
وفي العام الماضي، قام تيتوس بيتشى من "لجنة مينونايت المركزية"، وهى منظمة درست استخدام الذخائر العنقودية لأكثر من ثلاثين عاما – قام بإعداد مشروع قانون باسم قانون حرية المعلومات يتعلق باستخدام الجيش الأمريكي للقنابل العنقودية في العراق منذ انتهاء "العمليات القتالية الكبرى" رسميا في ذلك البلد – وفى ردها على مشروع بيتشي، أكدت القوات الجوية أن (63) قنبلة عنقودية من طراز (87) قد ألقيت في العراق بين أول مايو- أيار 2003، وأول أغسطس-آب 2006، وعند الاتصال بناطق رسمي للقيادة المركزية للقوات الجوية المركزية لتأكيد أنه لم تلق أي من هذه القنابل بعد أول يناير- كانون الثاني 2006، لم يقدم أي جواب، هذا وعمد رئيسه المقدم جون كينيدي نائب مدير الشؤون العامة في القيادة الجوية إلى تجاهل التماسات هذا المراسل من أجل تقديم إيضاحات.
وهذه القنيبلات (بلو-97) وكل (قنبلة عنقودية-87)، تحتوى على (202) قنيبلة (بلو-97)، "أو قنابل ذات مفاعيل مجتمعة"، وتشمل ما هو ضد الأفراد وضد الدبابات وما يحتوى على قدرات لإشعال الحرائق أو "آليات للقتل" – والتي ألقيت منذ مايو- أيار 2003، هي حسب الإحصائيات التي وفرتها "هيومن رايتس واتش" بالإضافة إلى ما يناهز مليونين من الذخائر العنقودية الفرعية استعملتها "قوات التحالف" في العراق خلال شهري مارس- آذار وأبريل- نيسان 2003.
وبسؤال على الفضيلي وهو صحافي عراقي مستقل عن استخدام القنابل العنقودية من قبل القوات الجوية في العراق خلال 2006، ذكر أن استخدام القنابل العنقودية شيء مؤكد، ولكن كان من الصعب جدا إثباته لأنه لم يكن هناك خبراء دوليون لمعاينته وتوثيقه، وفي الماضي وعلى أي حال، فإن الخبراء الدوليين قد كانت لهم فعلا فرصة معاينة بعض المواقع التي تناثرت فيها شظايا القنيبلات التي استخدمتها "قوات التحالف".
وفي رحلة بحث سنة 2004 على سبيل المثال، زار تيتوس بيتشي عديد المواقع التي عانت من مثل هذه الضربات، وفي مزرعة بشمال العراق، لم يطلع فقط على الحفر التي أحدثتها القنيبلات المتفجرة في مزرعة أحد الفلاحين، ولكن أيضا على أخرى لم تنفجر، وذلك بمساعدة فريق من "مجموعة الألغام الاستشارية"، وهى منظمة إنسانية تكرس نفسها لإزالة الألغام الأرضية والقنابل، وعندما عبر كاسحو الألغام عن خيبتهم من أن الفلاح قد زرع حقله قبل أن يجرى "تنظيفه من القنابل، فإن بيتشي شرح لهم بأن هذا كان عملاً شائعاً على خطورته، في مثل أوضاع كهذه"، والولايات المتحدة استخدمت قذائف مدفعية مشابهة في لاوس خلال حرب فيتنام ومضى يقول ملاحظا: "لقد انتظر القرويون في لاوس أكثر من عشرين عاما إزالة القنابل من مزارعهم وقراهم قبل استئناف أعمالهم الزراعية، وطوال ذلك الوقت، لم يكن لديهم من خيار سوى حرث الأرض التي كانت مليئة بالمتفجرات، وما كان بوسعهم أن يحصلوا على القوت لو لم يفعلوا، وفي العراق، فإن الزيارات الكثيرة التي قمنا بها أكدت لنا هذه الدينامية ذاتها، والناس ليس بمقدورهم الانتظار حتى مجيء فرق إزالة القنابل العنقودية وجعل مزارعهم آمنة للفلاحة، وكان عليهم المجازفة وركوب مخاطر كبرى من أجل البقاء على قيد الحياة"، والدليل على هذه المخاطر يمكن العثور عليه في الوثائق العسكرية الأمريكية، وهذه حالة من الحالات: ففي مذكرة داخلية بتاريخ شهر يونيو- حزيران 2005، من (فرقة المشاة الأمريكية الثانية والأربعين) تصف كيف أن فتى عراقيا في الخامسة عشرة يعمل راعيا، كان يقود الغنم في شمال تكريت، قرب مخزن للذخائر، عندما التقط قذيفة غير متفجرة من قنبلة عنقودية، انفجرت وقتل في الحال، وبمطالبة الجيش بالتعويض عن حياة الفتى بمبلغ 3000 دولار، أقر الجيش بأن موته كان خسارة لوالدته المطالبة بالتعويض، ولكنه "أي الجيش" خلص إلى الزعم بأنه لم يتوفر دليل كاف يشير إلى أن القوات الأمريكية هي التي تسببت في موت الفتى".
والوثائق العراقية تسجل أيضا آثار الذخائر العنقودية التي تلقى من الجو، ففي تقرير مؤرخ في سبتمبر- أيلول 2006، أعده "مركز حماية البيئة والموارد" - وهو منظمة عراقية غير حكومية - تنظر في الانتهاكات المزعومة لقوانين الحرب من جانب القوات الأمريكية إبان حصار الفلوجة في أبريل- نيسان 2004، هذا التقرير هو واحد من تقارير أخرى كثيرة تتناول المسألة، وحسب قائمتها الجزئية للقتلى المدنين، فإن (53) شخصا على الأقل لقوا مصرعهم جراء إلقاء قنابل عنقودية على المدينة في ذلك الشهر، وبتحليل البيانات المجمعة من قبل منظمة عراقية غير حكومية أخرى، هي منظمة الصحة والرعاية الاجتماعية، نجد أنه بين أشهر مارس-آذار ويونيو- حزيران 2006، وما بين (193) إصابة حرب جرى تحليلها، فإن 148 "77%"، كانت نتيجة ذخائر عنقودية غير محددة النوع.
الحرب الجوية في العراق
وفى حين تبقى مسألة القنابل العنقودية محل تنازع وخلاف، فإن المسؤولين في القوات الجوية الأمريكية يعترفون بأن الجيش الأمريكي وطيران حلفائه، ألقى نحو 111 ألف رطلا من قنابل ذات أنواع أخرى على أهداف في العراق خلال 2006، وهذا الرقم – (177) قنبلة في المجموع – لا يشمل الصواريخ الموجهة أو القذائف التي تطلق دون توجيه أو طلقات المدافع، ولا تضع في الحسبان حسب ناطق رسمي باسم القيادة المركزية الجوية، الذخائر المستخدمة من قبل بعض فيالق المارينز وطائرات التحالف ذات الأجنحة الثابتة أو أي فيلق من جيش البر أو البحر يستعمل مدافع المروحيات، كما أنه لا يشمل الذخائر التي تستخدمها المروحيات المسلحة لعدد كبير من مقاولي الأمن الخاصين، الذين يطيرون لتنفيذ مهامهم في أجواء العراق.
وفى الإحصائيات المتوفرة لدينا، ذكرت القيادة المركزية الجوية الأمريكية رقما إجماليا هو (10519) "مهمة إسناد جوى مباشر" في العراق في 2006، أسقطت خلالها الطائرات تلك القنابل الـ (177)، وأطلقت (52) صاروخا من نوع (هلفاير) و(مافريك)، والوحدة (12) للقنبلة الموجهة بالليزر، والتي يزن رأسها متعدد الأغراض (500) رطل – (95) منها ألقيت حسبما ذكر في 2006 – كانت هي القنبلة الأكثر استعمالا في العراق في السنة الماضية، وفقا للقيادة المركزية الجوية الأمريكية، هذا بالإضافة إلى إلقاء (67) قنبلة موجهة – (38) ذات (500) رطل، و(152) ألف رطلا من ذخائر القنبلة الموجهة – (31/32)، على أهداف عراقية أيضا في 2006، حسب الأرقام الرسمية الأمريكية، فلا وجود بأي حال لطريقة أو وسيلة مستقلة لتأكيد صحة هذا الحساب الرسمي.
القذائف الصاروخية
والقذائف الصاروخية على غرار (2.75) - بوصة (هيدرا – 70)، وهى عبارة عن قذيفة يمكن تركيبها على رؤوس صاروخية حربية مختلفة وإطلاقها سواء من طائرة ذات جناح ثابت أو من معظم المروحيات العسكرية، تظل غائبة بشكل واضح عن المجاميع المذكورة - وذلك حتى لا ترسم في سجل الحساب وتقدم صورة غير دقيقة عن الحملة الجوية"، حسب قول ناطق باسم القيادة المركزية الجوية بأسلوب موارب، وفى حالة نشرها، فإن هذه الأرقام ربما تبدو مثيرة حقا، وحسب بيان صحافي صدر في 2005، عن السيناتور باتريك ليهي - ديمقراطى من فيرمونت -، والذي ساعد في تأمين إبرام عقد بخمس سنوات وبمبلغ (900) مليون دولار من الجيش لشركة "جنرال ديناميكس"، فإن قذيفة (هيدرا-70) المستخدمة على نطاق واسع، شهدت استعمالا مكثفا في أفغانستان والعراق، وأصبحت هي أكثر منظومة سلاح تطلقها المروحيات في مساحة شاسعة، وفي شهر أبريل – نيسان الماضي، تم تقديم طلبيات بمبلغ (502) مليون دولار للحصول على قذائف (هيدرا-70) من قبل جيش البر منذ إبرام العقد.
طلقات المدافع
ويجرى أيضا الاحتفاظ بسرية عدد طلقات المدافع، وخاصة من العيار الثقيل، والتي أطلقها سلاح الجو، والسبب الرسمي الذي يساق لتبرير هذه السرية هو أن "قوات خاصة كثيرا ما تستخدم طائرات ذات مدافع من نوع (AC – 130)، والتي تطلق خراطيش مدفعية، "ومهماتها وعملياتها تندرج ضمن الأسرار المحفوظة، ومن ثم، فإن هذه الأرقام لا تنشر".
بيد أنه يمكن استخلاص فكرة عن طلقات المدافع التي يستخدمها طيران القيادة الجوية المركزية، وذلك من وصف عملية واحدة جرت يوم 28 يناير-كانون الثاني 2007، عندما ألقت طائرات (ف-16) أمريكية و(أ-10 ثندربولت)، أكثر من (3.5) طن من الذخائر الدقيقة التصويب"، ولكنها أطلقت أيضا (1200) طلقة مدفعية عيار (20) مم و(1100) طلقة عيار (30) مم في مساحة خمسة أميال مربعة جنوب مدينة النجف. هذا ويمكن أيضا تلمس مستويات استخدام القنابل وجمعها من خلال النظر في العقود الممنوحة في السنوات الأخيرة، ودعنا نأخذ الذخائر الدقيقة التصويب – (28) المستخدمة من المروحيات مثل (كوبرا أ هـ- 1) وطائرة ذات جناح ثابت من نوع (ف 16).
ففي 2001، لاحظت وزارة الدفاع أنها كانت تحتفظ بما يناهز (8) ملايين من الذخائر الدقيقة – (28/ ب) كطلقات في مخازنها، وفي مايو- أيار 2003، اتخذ جيش البر خطوات للزيادة في تلك الترسانة، وذلك بتعديل عقد مبرم مع "جنرال ديناميكس" ليضيف (980.064) طلقة مدفع من عيار (20) مم إلى (1.3) مليون طلقة كانت سلمت فعلا منذ ديسمبر-كانون الأول 2001.
* عن (العرب) التي تصدر في لندن