نعم أمريكا إمبراطورية آفلة... لكن هناك من لا يصدق
د. ثائر دوري - سوريا
شارع المرابط هو الشريان الأبهر لمدينة حماة، ولأنه شارع ضيق فهو مخصص للسير باتجاه واحد منذ أكثر من ثلاثين عاماً: من ساحة العاصي باتجاه شارع صلاح الدين، أي من الشرق إلى الغرب. لكن منذ عدة أشهر وضمن خطة أوسع لتنظيم حركة المرور في المدينة تم عكس اتجاه حركة السير في الشارع فصار اتجاه الحركة، من شارع صلاح الدين نحو ساحة العاصي، أي من الغرب إلى الشرق.
قبل عدة أيام صدمت سيارة سيدة وهي تحاول أن تعبر هذا الشارع. قلت لجاري إن السبب يعود للسرعة الزائدة، لكنه لم يوافق على ذلك إنما أتى بتفسير مبتكر، قال إن سبب الحادث يعود إلى أن الناس قد اعتادوا قبل عبور الشارع النظر إلى اتجاه السير القديم، فهم ينظرون باتجاه الشرق نحو ساحة العاصي ليتأكدوا من إمكانية العبور لأن السيارات كانت تأتي من هذا الاتجاه، في حين أنهم يجب أن يفعلوا عكس ذلك. أي أنهم ينظرون إلى يمينهم بدل أن ينظروا إلى شمالهم وبالعكس. يفعلون ذلك بشكل غريزي لأنهم تعودوا على نظام معين طيلة ثلاثين عاماً، وفجأة تغير كل شيء بل انقلب، لكن ما ترسخ في وعيهم وصار جزءاً من الغريزة لم يتغير بعد وربما لا يتغير أبداً عند كبار السن، تستحكم العادة بالبشر وتجعلهم يعانون مع كل تغيير يطرأ على حياتهم وربما لا يستطيعون استيعاب الجديد فيبقون مشدودين إلى الماضي، فقد يزول العالم القديم تماماً لكن يبقى بعض الأشخاص عالقين فيه.
ذات مرة كنت مسافراً لمسافة طويلة بين مدينتين في سورية، فجلس بجانبي رجل سبعيني وقور، أنيق، يرتدي طقماً رسمياً ويضع ربطة عنق، بدأنا نتجاذب أطراف الحديث فاكتشفت أنه مهتم بالسياسة والوضع العام ويبدو انه كان ناشطاً سياسياً في مرحلة من المراحل فهو يملك كماً جيداً من المعلومات ومعرفة بأشخاص كانوا موجودين على الساحة السياسية في سورية والمشرق العربي في أواخر الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، بدأ حديث الرجل معقولاً والانسجام بيننا جيداً حتى ارتكبت خطأ لا يغتفر بنظره فقد ذكرت في سياق حديثي أن الولايات المتحدة الأمريكية تسيطر على العالم، فإذ به ينظر نحوي باستهزاء ويخطئني على الفور، لقد اكتشفني صبياً غراً لا يعرف أن بريطانيا هي التي تدير العالم وتسيطر على كل شيء فيه!
بدأ يحدثني عن بريطانيا صاحبة الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، بريطانيا التي تتحكم بكل أمور العالم إما بشكل مباشر أو غير مباشر، ولم يزده اعتراضي بأن بريطانيا كانت كذلك وأنها اليوم لم تعد سوى قوة ملحقة بأمريكا، لم يزده ذلك إلا قناعة بأني غر لا يملك خبرة سياسية وصار أقرب للاستهزاء مني فصمت ولم أنبس طيلة الطريق ببنت شفة، فقد اكتشفت بدوري أن الرجل رغم كل أناقته وهندامه الجيد ومعلوماته وخبرته يعيش في عالم آخر، عالم ما قبل الحرب العالمية الثانية حيث كانت بريطانيا تصول وتجول وتفعل ما يحلو لها، لكن هذا العالم لم يعد له وجود إلا في عقل رفيق سفري.
أن المشهد السياسي في عالم اليوم مليء بأمثال رفيق سفري، فالقوة الأمريكية بالنسبة لعدد كبير من السياسيين والعاملين بالحقل العام هي قوة مطلقة تتحكم بالعالم وهي غير قابلة للهزيمة، وقد ترسخت هذه القناعة عند الجيل الذي مارس السياسة منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم لأنهم اعتادوا على صورة أمريكا القوة العظمى التي كسبت كل حروبها، أمريكا التي فككت الاتحاد السوفييتي دون أية طلقة، أمريكا التي هزمت حركة التحرر العربي: ناصرية وبعثية، وقادت ثورات مضادة على المناطق المتمردة عليها فحسمت أغلب المعارك لصالحها، لقد اعتادوا على صورة أمريكا مصنع العالم، التي تنتج والعالم يستهلك، من السينما إلى السيارات إلى السلاح إلى أدوات الإنتاج، وتشكل هذا الوعي خلال خمسين عاماً وهو وعي صادق اختبرته أحداث عديدة من حرب 67 إلى تدمير العراق عام 1991، وما بينهما من هزائم ونكسات، وصولاً إلى تدمير الإتحاد السوفييتي، إضافة إلى مئات الأحداث السياسية الأخرى، لذلك فأن أسئلة من نوع: هل الولايات المتحدة ما زالت مسيطرة على العالم؟ وهل هي في حالة صعود أم هبوط؟ تبدو سخيفة بالنسبة لعدد كبير من العاملين في الشأن العام، لاسيما أولئك الذين تشكل وعيهم في الفترة الزمنية السابقة، كما ذكرنا، أو الذين اكتووا بنار الهزيمة بعد أن حسبوا أنهم سيهزمون الولايات المتحدة، فبالنسبة لهؤلاء أن قوة الولايات المتحدة وسيطرتها على العالم أمر بديهي لا يخضع لأي نقاش خاصة بعد كل التجارب التي مروا بها، وبعضهم يحمل آثارها على جسده، طيبين كانوا أم أشراراً وطنيين أم غير ذلك.
لكن لبول كنيدي المؤرخ والسياسي الأمريكي الشهير رأي آخر فقبل عدة أيام كتب مقالاً سماه هل دخلت أمريكا مرحلة الأفول؟ فحسب كينيدي أن مغامرة العراق الفاشلة، والانتشار العسكري الكثيف في العالم، والعجز المتصاعد في الميزانية، وصعود قوى عظمى جديدة تعمل على تأكيد نفسها مثل الهند وروسيا والصين، والانهيار الأخلاقي لأمريكا (أيضاً بسبب العراق) يجعل الوزن النسبي لأمريكا في حالة تراجع. ويفصل بول كنيدي، فيقول: العنصر الأول والأكثر أهمية في هذا السياق، هو أن ميزان القوى العالمية لا يستقر أبداً على حال، حيث تتطور بعض المناطق أو الدول اقتصادياً على نحو أسرع من غيرها من المناطق والدول، وهو ما تكرر حدوثه عبر فترات عديدة من التاريخ، وعندما يحدث ذلك، فأن الوزن النسبي لتلك القوى ونفوذها يزدادان، لأن القوى الاقتصادية - بحكم تعريفها - مادية فيزيقية يمكن أن تترجم تلقائياً إلى قوة سياسية وعسكرية، وسياسات القوة لا علاقة لها بلعبة العالم المسطح إذ هناك دوماً رابحون وخاسرون، وهي حقيقة واضحة يعرفها معظم اللاعبين الدوليين، فعلى مدار المئة أو المئة وخمسين عاماً الماضية، كان القانون الذي أطلق عليه لينين قانون معدل النمو غير المتساوي يعمل لمصلحة أمريكا، فبمجرد أن تم جلب الماكينة البخارية والكهرباء إلى القارة الأمريكية كان من الطبيعي أن تسبق أمريكا القوى الأصغر حجماً، مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا واليابان، وبحلول الحرب العالمية الأولى، كانت أمريكا تتحكم في نصف الإنتاج الصناعي في العالم، وفي عام 1945 وهو العام الذي انتهت فيه الحرب العالمية الثانية، أصبحت تمتلك 50 في المئة من وسائل الإنتاج العالمي، على الرغم من أن سكانها لا يزيدون عن 4 في المئة من سكان العالم، هذا الوضع تغير وكان محتما له أن يتغير، فأوروبا شفيت من الجراح التي ألحقتها بنفسها، وأصبحت لاعبا رئيسياً على الساحة الاقتصادية الدولية مثلها مثل أمريكا، والدول الآسيوية الكبرى مثل الصين والهند من ناحية أخرى، تسير على طريق النمو الاقتصادي، وتغير موازين الإنتاج العالمي بخطى حثيثة لم يكن أحد يتنبأ بها من قبل، الأمر المتوقع، هو أن يقل نفوذ الولايات المتحدة (وربما أوروبا أيضاً) ونفوذهما الدولي عما هو عليه الآن، فهناك خبراء يتنبأون أن الناتج المحلي الإجمالي للصين سيتجاوز مثيله في الولايات المتحدة خلال جيل أو نحوه. وبعد أن يفرد بول كينيدي كل هذه المعطيات يعود ليتساءل هل يعني هذا أن أمريكا على وشك الأفول؟. فيقول: ولكن هل يعني هذا أن القوة الأمريكية ستتعثر وتسقط من أعلى التل للهاوية بسرعة شديدة؟ حتى عندما يتغير مجرى التاريخ فأن هناك بعض القوى العظمى التي أظهرت قدرة هائلة على التكيف والمرونة، بل إن السقوط الفجائي لفرنسا النابوليونية وألمانيا الهتلرية والاتحاد السوفييتي المتهالك كان أمراً نادراً نوعاً ما، فإسبانيا الإمبراطورية استمرت لقرون، وعندما أفلت شمسها، تركت عالماً يفوق فيه المتحدثون بالإسبانية المتحدثين بالانكليزية عدداً، فضلاً عن ذلك تميز كل من آل هابسبيرغ، والعثمانيون والبريطانيون بالبراعة في تدبير أمر الأفول النسبي على الرغم من أن أياً منهم أو كلهم مجتمعون في الحقيقة لم يكن لديه من الموارد ما يتشابه من قريب أو من بعيد بما لدى الولايات المتحدة اليوم، لذا فأن السؤال اليوم ليس هو ما إذا كانت الولايات المتحدة، تمر حالياً بمرحلة من الأفول النسبي بسبب تحول موازين القوى المنتجة العالمية أم لا؟.. لأن الحقيقة هي أنها تمر بتلك المرحلة بالفعل، وإنما السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تنفيذ سياسات يمكن لها تخفيف أثر هذه الاتجاهات.
ويقترح لذلك ما يسميه الأفول النسبي الذكي أي أن يدار الأفول الذي صار حقيقة واقعة بذكاء كي يتم بهدوء وعلى مدى زمني متطاول كالحالة الإسبانية بدل أن تسقط سقوطاً مريعاً كالحالة السوفييتية.
نعم أمريكا بحالة أفول لكن كثراً من الناس لا يصدقون لأنهم تعودوا عليها قوة عظمى وحيدة كما لم يصدق الكثيرون أن شمس الإمبراطورية البريطانية التي لا تغيب عنها الشمس قد أفلت.
هذه هي حال البشر تستحكم بهم العادة وطرائق التفكير المكتسبة وحقائق الحياة التي اختبروها وعاشوها لذلك من الصعب عليهم أحياناً أن يستوعبوا التغيير، لذلك سيبقى بشر ينظرون عكس اتجاه السير قبل أن يعبروا شارع المرابط، وسيبقى رفيق سفري يعتقد أن بريطانيا هي سيدة هذا الكون حتى يغادر هو الكون، وسيبقى بعضنا غارقا في أوهام قوة وعظمة أمريكا وعدم قابليتها للهزيمة، ولن يستطيع فهم المعنى التاريخي العميق لما يجري في العراق تحديداً.