انتداب جديد بسلاح ذوي القبعات الزرق

د. حسن طوالبة - باحث وأكاديمي من الأردن

برزت فكرة الانتداب عام 1920 بعد أن انتصر الحلفاء في الحرب العالمية الأولى وبعد إقرار "اتفاقية سايكس – بيكو" 1916، من قبل بريطانيا وفرنسا، ومنح بريطانيا اليهود الوعد المشؤوم المعروف باسم "بلفور". وفكرة الانتداب كانت تعني تولي الدول الكبرى الأوروبية المسؤولية الإدارية والاقتصادية والسياسية على الدول الصغيرة أو الفقيرة وبالذات تلك التي كانت تخضع للسلطان العثماني الذي اندحر في الحرب العالمية الأولى وزال سلطانه عن البلدان العربية حصرا، وقد أقر "مؤتمر سان ريمو" فكرة انتداب بريطانيا وفرنسا على البلدان العربية التي شملتها "اتفاقية سايكس – بيكو"، وظل هذا الانتداب حتى عقد الأربعينيات من القرن الماضي، حيث تم رحيل الفرنسيين عن سورية ولبنان 1943 بعد نضال طويل خاضه الشعب السوري، ثم أعلن استقلال الأردن 1946، وكان العراق قد أعلن استقلاله 1920 بعد ثورة العشرين المشهورة.

ورغم الانسحاب العلني للقوى الاستعمارية من البلدان العربية وآخرها من إمارات الخليج العربي في عقد سبعينيات القرن الماضي، إلا أن هذه الدول الكبرى ظل تأثيرها واضحا في القرارات السياسية في البلدان المستقلة حديثا إضافة إلى هيمنة الشركات الغربية على مصادر الثروة المعدنية وخاصة النفط في البلدان المنتجة، حتى عقد سبعينيات القرن الماضي وبالذات إبان حرب تشرين (أكتوبر) 1973، حيث تم استعادة بعض مصادر الثروة النفطية من الشركات الأجنبية الاحتكارية، لاسيما في العراق زمن نظام صدام حسين الذي أمم الشركات النفطية الأجنبية عام 1972، وظل النفط العراقي ملك العراقيين حتى عام الغزو الأمريكي 2003، ووقوع العراق تحت الاحتلال الأمريكي، حيث يناقش "مجلس النواب العراقي" - تحت الاحتلال – "قانون النفط الجديد" الذي صاغته الإدارة الأمريكية، وأعطى الشركات النفطية الأمريكية حصة فيه، إضافة إلى توزيع عائدات النفط وفق المحاصصة الطائفية المعروفة.

صحيح أن الأقطار العربية تحتفل سنويا بالاستقلال، ولكن القوى الكبرى التي رحلت عسكريا عنها، ظل أثرها بارزا في الأنظمة التي تحكم بعقلية قطرية تنفي أو ترفع عن العرب كل ممكنات القوة المادية، وكل ممكنات القدرة الروحية، إذ تحصنت هذه الأنظمة خلف أسوار القطرية، وبرز التعصب لديها والأنانية في التصرف إزاء القضايا المصيرية، لاسيما إزاء قضية فلسطين والصراع العربي – الصهيوني، فهذه القضية التي جمعت أبناء الأمة على فكرة الجهاد والتحرير، قد أظهرت حجم الاختلاف والتناقض بين الأنظمة القطرية، بين مؤيد للجهاد أو الحرب بدوافع عاطفية بعيدا عن المنطق العقلي الذي يدفع نحو نجاح الجهاد العسكري والسياسي والاقتصادي والعلمي، وبين من يدعون العقلانية والواقعية الاستسلامية، بدعوى أن قوة العرب أضعف من أن تواجه قوة الكيان الصهيوني، الذي نشأ بقوة العصابات الإرهابية التي تدربت في ربوع بلدان أوروبا.

وقد تم امتحان هذه القطريات عدة مرات في مواجهات مع الكيان الاغتصابي العنصري الإرهابي، وكانت النتيجة الهزيمة تلو الأخرى، الأمر الذي فتح الباب أمام المزايدين وأصحاب الغرض السيء لنسج التهم والأقاويل ضد الفكر القومي الوحدوي، فبدلا من نقد الأنظمة القطرية بكل ألوانها تم تسليط الضوء على الهجمة ضد الفكر الوحدوي القومي، الأمر نفسه يتكرر اليوم في الهجوم على الإسلام، بدل نقد القوى والحركات التي لبست ثوب الإسلام لتحقيق أهداف سياسية مقصدها الأخير استلام السلطة ولو على فوهة بركان.

ولفرط تمسك زعماء الأنظمة بكراسي الحكم، صارت الوطنية تقاس بمقدار ولاء أبناء الشعب للسلطان وليس للوطن، وعليه لم يعد احتلال بقعة من الأرض مخيفا بقدر الحفاظ على السلطة، وهكذا تم تبرير هزيمة الخامس من حزيران (يونيو) 1967، وصار لمعظم الأنظمة أحزاب كي تدخل بها حلبة الانتخابات التشريعية، وتنال الأغلبية من مقاعد البرلمانات، وبالتالي تشكل الحكومات المتتالية، ويحظى أعضاء الحزب الحاكم بكل السلطة والثروة والجاه.

وبفعل هذا السلطان المدعوم بالقوة الأمنية المدربة والقوة المالية، صارت مصائر أبناء الشعب بأيديهم، وصار (قطع الأرزاق أشد من قطع الأعناق)، وهذا ما نلاحظه اليوم في فلسطين، وكيف عمت الفرحة كل موظفي السلطة عندما تسلموا رواتبهم كاملة، وكذا الحال في العراق، إذ عمت خيرات السلطان على الموالين فقط، وتم حرمان كل معارض بدعوى أن هذا المعارض اختار طريقا آخر غير طريق السلطان الحاكم بأمره.

في ظل هذه الأوضاع صارت أسوار الأقطار العربية واهية يسهل اختراقها والتسلل من نوافذ جدرانها، والمساس بالسيادة الوطنية، والنيل من وحدة أبناء الشعب، وظهر الدور اليهودي الصهيوني الخبيث، الذي أخذ يعزف على أوتار الفتن الدينية، والمذهبية والطائفية والقبلية، فبرزت النعرات والأسانيد التي يتشبث بها كل فريق، ويدعي لنفسه الكمال والحق والفضيلة، ويجوز لنفسه قتال الآخر تحت فتوى لم يجزها الشرع والدين ولا العرف والعادة، وساعد في بروز هذه الظواهر المدمرة الأوضاع الاقتصادية المتردية في معظم الأقطار العربية، إذ انتشرت البطالة بين صفوف الشباب، وصاروا مادة ووقودا متفجرا تستخدمه الحركات الدينية السياسية، التي أعادت سيرة الماضي لكل الحركات التي أخذت من الدين ستارا لها.

الأوضاع الملتهبة في الأقطار العربية سواء في الصومال والسودان والعراق ولبنان وفلسطين، مهدت الطريق أمام أصحاب الغرض السيء والمتآمرين على العرب وعلى الإسلام لان يطرحوا فكرة "نشر قوات دولية" في هذه الأقطار بدعوى "فرض الأمن والسلام" في هذه الأقطار، في حين أن القوى الدولية ومعها بعض القوى الإقليمية هي التي غذت النعرات الدينية والطائفية والمذهبية.

إن فكرة "نشر قوات دولية لحفظ الأمن والسلام" برزت عقب العدوان الثلاثي على مصر 1956 وتكرر نشر قوات الأمم المتحدة ذوي القبعات الزرق في انجولا والسلفادور وكمبوديا ويوغسلافيا وموزمبيق، وجورجيا وليبيريا وهاييتي ورواندا وطاجكستان وسيراليون وتيمور الشرقية وفي الصومال والصحراء الغربية، ولبنان والسودان، وصار للأمم المتحدة جيش جرار يرفع علمها وينفذ أجندات لدول متنفذة في الأمم المتحدة، وفاق عدد هذه القوات مئات الألوف وتكلف خزينة الأمم المتحدة عشرات مليارات الدولارات.

ولو كانت مقاصد الأمم المتحدة نقية كما ورد في ميثاقها، لتصرفت بمنطق آخر يدعم حق الشعوب في الحياة الآمنة، أي لاحتوت الأزمات قبل وقوعها، ولأسهمت في إقرار نظام الأمن الاجتماعي، وصرف هذه المليارات على التنمية الاقتصادية والاجتماعية والعلمية في البلدان الفقيرة، ولكن مقاصد الأمم المتحدة من نشر "قوات حفظ السلام"، تخدم القوة الأكبر وهي الولايات المتحدة في فرض هيمنتها على العالم وعلى المنطقة العربية المسماة بالشرق الأوسط.

لقد تمكنت الإدارة الأمريكية فرض إرادتها على السودان بنشر قوات دولية إلى جانب القوات الأفريقية، وسوف تنشر قوات دولية أخرى في الصومال بعد انسحاب القوات الإثيوبية، وقد تنشر المزيد من القوات بين لبنان وسورية، وقد تستجيب لدعوة محمود عباس نشر قوات دولية في غزة، وقد تنشر قوات دولية في العراق بعد انسحاب القوات الأمريكية.

إنه انتداب إمبريالي جديد تحت علم الأمم المتحدة وبحراب ذوي القبعات الزرقاء، فهل يستفيق السلاطين لما يجري من حولهم؟.