الجامعة العربية .. صوت مبحوح فمن يسمع؟!
د. حسن طوالبة - باحث وأكاديمي من الأردن
عقب التفجير الذي استهدف النائب اللبناني - عن تيار "المستقبل" - وليد عيدو في منطقة الحمام العسكري في "بيروت الغربية" مساء يوم الأربعاء 13 حزيران الجاري، وأودى بحياة النائب ونجله الأكبر واثنين من مرافقيه وستة مواطنين مدنيين، سارع رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري إلى إدانة طرف لم يسمه بالاسم في إشارة إلى سورية، وطلب من جامعة الدول العربية أخذ دورها في معاقبة الجهة الإرهابية التي نفذت الاعتداء أو مقاطعتها.
كما طلبت "الحكومة اللبنانية" أن تشمل "المحكمة الدولية"، التي أقرها "مجلس الأمن" مؤخراً، بعملها جريمة الاغتيال الأخيرة التي استهدفت النائب عيدو، ومن قبله النائب الوزير بيير الجميل.
طلبان من قبل جهات السلطة اللبنانية، احدهما دولي يخص "المحكمة الدولية الخاصة" بمحاكمة المتهمين بقتل رفيق الحريري، والمحكمة التي شكلت بإرادة أمريكية لتحقيق أغراض سياسية تحت غطاء قانوني، يمكن أن تضم إلى مهماتها القضائية كل الجرائم التي وقعت في لبنان، ومستعدة لطلب واستدعاء أي شخصية عربية رسمية أو أمنية إذا أشارت التحقيقات بأصابع الاتهام إليها في إحدى جرائم الاغتيال السياسي التي وقعت في لبنان، فمثل هذا الطلب سيجد له صدى لدى المحكمة ولدى القائمين عليها وخاصة الولايات المتحدة.
أما الطلب الثاني الذي تقدم به النائب ورئيس "كتلة المستقبل" في المجلس النيابي سعد الحريري فهو موجه إلى "جامعة الدول العربية"، وكأن هذا الطلب بمثابة رفع العتب، فيما إذا استنجدت الحكومة اللبنانية بقوى دولية لحمايتها من خطر الإرهاب الذي يستهدف الشخصيات السياسية والنيابية والإعلامية في لبنان، ومثل هذا الطلب وجد صدى لدى الجهات الدولية، إذا أبدت أكثر من دولة إدانتها للحادث الإرهابي الذي استهدف النائب عيدو، إضافة إلى أسف مجلس الأمن للحادث وإدانته للجهة التي نفذته.
ولما كان حادث الاغتيال في لبنان تزامن مع تفجير مرقد الإمامين علي الهادي وحسن العسكري في سامراء للمرة الثانية، إذ تم تفجير قبة المرقد في شهر شباط من العام الماضي، كما تزامن حادث اغتيال النائب عيدو مع التصعيد الهستيري في قطاع غزة بين تنظيمي "فتح وحماس"، إزاء كل هذه الأحداث المؤلمة التي تنذر بعواقب وخيمة على العرب كلهم، دعت جامعة الدول العربية الى اجتماع عاجل لوزراء الخارجية العرب، لبحث تداعيات هذه الأحداث الخطيرة.
ويظل السؤال قائما هل تستطيع الجامعة العربية - في ضوء ما منحته الأمم المتحدة للمنظمات الإقليمية من صلاحيات للعمل على صيانة الأمن والسلم الدوليين - أن تحقق شيئا على الأرض في النزاعات الخطيرة في الأقطار العربية الثلاث "لبنان، فلسطين، العراق"...؟
عنوان المقالة لا يهدف إلى الانتقاص من دور "الجامعة العربية"، ولا من دور أمينها العام عمرو موسى، ولكن التجارب الماضية جعلتني أصف الجامعة بالصوت المبحوح الذي لا يسمعه احد، فصوت الجامعة وامينها العام صوت عال وواضح ولكن آذان الآخرين لا تسمع، ولا يريد الآخرون أن يسمعوا أي نداء من اخ أو من شقيق.
وفي إطار دور الجامعة العربية وأمينها العام، فقد قامت بدور حثيث لحل الأزمة اللبنانية الداخلية بين قوى المعارضة والحكومة، ولكن هذا الدور اصطدم بعناد الأطراف اللبنانية وإصرار كل منها على موقفه واعتباره هو الرأي الصحيح، ورأي الآخر هو الخطأ أو هو المشبوه، فكل طرف يخون الآخر، فأطراف المعارضة وبالذات "حزب الله" و"حركة أمل" و"تيار ميشيل عون"، ترى أن أطراف الحكومة باعت لبنان للولايات المتحدة ودول الغرب بعامة، ولاسيما بعد أن أقر "مجلس الأمن" قانون "المحكمة الدولية الخاصة" بمقاضاة قتلة رفيق الحريري، فيما تتهم أطراف الحكومة قوى المعارضة بالعمالة لكل من سورية وإيران وان هذه القوى تنفذ أجندة إقليمية.
وكذلك الحال في العراق، فقد نشطت الجامعة في تحريك عملية الحوار بين الأطراف العراقية سواء في السلطة او في المعارضة التي ترفض الاشتراك في العملية السياسية في ظل الاحتلال الأمريكي، وعقدت مؤتمرا مهماً في القاهرة، ومن ثم في مكة، ولكن الأطراف العراقية تقف في خطوط متقاطعة متعارضة لا يجمعها جامع، فالقوى المسيطرة على السلطة تعيش في كنف وحماية قوات الاحتلال الأمريكية في "المنطقة الخضراء" في وسط بغداد، وتؤمن بضرورة بقاء قوات الاحتلال لأطول مدة، للحفاظ على كراسي الحكم والسلطة السياسية والمالية والأمنية، وهذه القوى التي جاءت بقوات الاحتلال إلى العراق، وجاءت هي فوق دباباتها تتهم قوى المعارضة بالإرهاب من دون تمييز بين الإرهاب والمقاومة للمحتل الغازي.
وكذا الحال في فلسطين فإن الجامعة العربية مع "الوفاق الوطني"، وقد أوكلت هذه المهمة للوسيط المصري الذي يقوم بجولات مكوكية بين رام الله والقاهرة وبين القاهرة وغزة، ولكن كل طرف من طرفي النزاع الداخلي في الضفة والقطاع يتهم الآخر بتهم شتى، ويعتقد كل طرف أنه الأقوى وأنه الأحق بالسلطة، وكل طرف غير مستعد للتنازل أمام الآخر، في حين أن أطراف الصراع في الحالات الثلاث في العراق ولبنان وفلسطين، هي أطراف قوية وفاعلة، ومن الصعوبة بمكان إلغاء دور أي طرف أو فصيل سياسي او جهادي، أو إزالة أي طرف من الوجود السياسي في ذاك البلد، فتنظيم "حماس" لا يمكنه القضاء على تنظيم "فتح"، والعكس صحيح، وكذلك الحال في لبنان فقوى السلطة موجودة منذ قيام لبنان المستقل وقوى المعارضة موجودة بفعل الوجود البشري الكثيف والدور الجهادي لكل منها. وكذا الحال في العراق، فقوى السلطة طارئة وحديثة عهد في الحكم، وقوى المعارضة لها خبرة في الحكم منذ استقلال العراق، ومن المستحيل إلغاء دورها، كما أن التصنيف المذهبي يشير إلى استحالة إلغاء مذهب منهما، سواء السنة أو الشيعة.
في ضوء ما تقدم ماذا يمكن أن تقدم جامعة الدول العربية لحل هذه الأزمات والنزاعات الداخلية في هذه البلدان الثلاثة حصرا، وماذا تقدم للنزاعات القطرية - الإقليمية كما هو الحال في السودان والصومال؟
عندما قامت جامعة الدول العربية 1945م حظيت بمباركة بريطانيا العجوز، لأنها كانت ضد أي عمل وحدوي بين العرب، لأنها تعتبر أن العمل الوحدوي العربي، هو عمل شيطاني، يجب ان لا تتكرر تجربة محمد علي باشا "1830-1840"، وقد وقع ميثاقها سبع دول عربية هي: مصر، السعودية، سورية، العراق، الأردن، لبنان، اليمن، ورغم أن الميثاق عني بمعظم القضايا التي توحد العرب وتقوي شوكتهم، فقد صدر فيما بعد "ميثاق الدفاع العربي المشترك"، و"السوق العربية المشتركة" والتجارة الحرة، ولكن الأقطار التي ناقشت مواد الميثاق لم تهتم بإيجاد جهاز خاص مسؤول عن تسوية النزاعات بين الأقطار العربية، لاعتقاد المسؤولين العرب آنذاك بعدم نشوب مشكلات ونزاعات ذات قيمة بين الأقطار العربية، وعليه فلم يُعنى الميثاق بنصوص تعالج تسوية المنازعات الداخلية أو المنازعات ذات الصلة بالأمن والسلم الدوليين. ولكن الميثاق نص على مبدأ التحكيم الذي يقوم به مجلس الجامعة بناء على طلب طرفي النزاع، وهو تحكيم اختياري لا يلزم الدول بأن تلجأ إليه في منازعاتها، كما يقوم مجلس الجامعة بدور الوسيط للتوفيق بين الأطراف المتنازعة، كما أن الميثاق لا يلزم الأقطار العربية عرض منازعاتها على "مجلس الجامعة"، فقد تطلب حكومة عربية من المنظمة الدولية حل النزاع من دون أن تطلب ذلك من الجامعة، وهذا هو ما حصل في لبنان بشأن المحكمة الدولية.
لقد حققت الجامعة العديد من المشروعات ذات الطابع القانوني والاقتصادي، ولكن مجلس الجامعة لم يضع الآليات الملزمة لتنفيذ تلك المشروعات، أو تفعيل "ميثاق الدفاع العربي المشترك"، ولاسيما أن الكيان الصهيوني اعتدى على الأقطار العربية أكثر من مرة ولم يلزم الميثاق الأقطار العربية بالدفاع عن الأقطار التي تعرضت للعدوان من قبل الكيان الصهيوني.
إن الجامعة العربية إطار إقليمي يعكس صورة الأقطار العربية الفاقدة للإرادة السياسية الوطنية والقومية، وتفعيل دور الجامعة يستلزم الإيمان بالجامعة، والعزم على تنفيذ ميثاقها وصياغة قوانين خاصة لإنشاء هياكل قانونية لحل النزاعات العربية، وكذلك إنشاء محكمة عدل عربية للنظر في المشكلات التي تحدث بين وفي الأقطار العربية.