الأمن القومي العربي.. والمصري
سميرة رجب - البحرين
وأخيراً نطقت القيادة المصرية معلنة حقيقة خطر الدور الإيراني في المنطقة، فجاء على لسان وزير خارجيتها "إن إيران تشكّل تهديداً للأمن القومي العربي والمصري" على إثر الدور الإيراني في العراق، ودورها في شق الصف الفلسطيني وانقلاب "حماس" على السلطة الفلسطينية وفصل غزة عن القطاع وتصدير السلاح "لحماس" عن طريق غزة وحدودها مع مصر لتأجيج المواجهة المسلحة ضد منظمة التحرير والسلطة.
وما يهمنا هنا هو تسليط الضوء على طرفين معينين في هذا الحدث، الأول هو القيادة العربية في مصر، التي مازلنا نتمنى أن تحمل دورها القيادي التاريخي للم شمل العرب بإخلاص وتفان، فنتساءل هل حقاً كانت القيادة المصرية غافلة عن الخطر الإيراني قبل اليوم، هذا الخطر الذي بدأت أعراضه الحقيقية بالظهور منذ دخول الأساطيل الأجنبية المنطقة في عام 1990؟ أم أنها لم تملك أجهزة مخابرات أو مراكز دراسات استراتيجية تستطيع من خلالها جميعاً أن ترصد وتعرف النشاط الإيراني الدؤوب والحثيث في عملها التبشيري الاستيطاني على أرضنا منذ قيام "الجمهورية الإسلامية"، أو ربما لسبب قصور في الرؤية السياسية لم تتمكّن من قراءة تاريخ الصراع العربي الفارسي البعيد والقريب، هذا التاريخ الذي يعد أكبر شاهد ودليل على أنه كلما ضعف نظام الحكم في العراق دبت القوة في بلاد فارس، وفي كل مرة لم تفوّت هذه الجارة الفرصة من دون الدخول إلى عمق بلاد العرب والعبث بها قتلاً وفساداً وتدميراً، وعلى مدار التاريخ المنظور، حتى اليوم، تمكّنت إيران من الامتداد والتوسع في الأرض العربية بقضم أراضينا ومدننا بعد كل جولة من جولات قوتها، حتى تمكّنَت على مدار تاريخها من احتلال بغداد عدة مرات كلها لم تدم طويلاً، بفضل القوة التي تتحشد ضدها كل مرة في العراق، أطولها كان في عهد الشاه عباس الصفوي واستمر عقدا ونصف العقد من الزمن (1623/1033هـ - 1638/1048هـ)، حتى جاء في وصف أحداث ذلك الاحتلال للعراق "إن القوات الفارسية فتكت بالكثير من السكان وإن من سَلِم من القتل لم يسلَم من التعذيب، وأن العديد منهم أُرغموا على ترك بيوتهم ومغادرتها، وإن الأمان الذي نودِيَ به كان أماناً خادعاً، إذ تلا ذلك اضطهاد منظّم".
أما ما قضمته إيران من الأرض العربية، وبمباركة بريطانية دائماً، فهو التالي: 110 كيلومترات في عمق الأراضي العراقية على طول الحدود بين الدولتين، باتفاقيات بدأت منذ العام 1639م، وهي مناطق تقع بها مدن عربية وآبار نفط تُعَد من أثرى آبار إيران حالياً (ولا يزال أرشيف الوثائق العثمانية في تركيا يشهد لعروبة هذه الأراضي).
إمارة عربستان بموانئها الهامة، المحمرة وجزيرة خضر (عبادان حالياً) وغيرها، وبكل ما تحويه هذه الأرض من آبار نفطية ثرية جداً، 1925م.
القسم الغربي من مملكة بلوشستان، 1936م.
الجزر العربية الثلاثة، طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، 1971م.
وسيذكر التاريخ أنها احتلت البصرة وجنوب العراق عام 2003م، ونضع هذا تذكيراً أمام القيادة العربية في مصر وباقي القادة العرب، بأن التمدد الإيراني بدأ يزحف منذ لحظة إضعاف الحكم في العراق عام 1990م، وزاد هذا الزحف قوة مع تدمير الدولة العراقية في عام 2003م حتى وضح خطره المباشر على الأمن القومي العربي والمصري، وسيستمر هذا الزحف مادامت الأرض مفروشة أمامه من دون مصد يردعه.
وبعد هذا نتساءل، يا ترى هل تصريح السيد وزير خارجية مصر يعني موقفاً سيجد العرب فيه ملاذهم بالتصدي لإيران، أم هو للاستهلاك الإعلامي فقط، وسيعقبه صمت وتغاض يطول أمده أكثر مما طال؟
أما الطرف الآخر الذي نرى أنفسنا مضطرين للحديث عنه هنا، فهو حركة "حماس" ودورها الذي لم يعد مفهوماً، فهذه الحركة التي ظهرت في ثمانينيات القرن الماضي من تنظيمات "الإخوان المسلمين"، هذه التنظيمات التي وقفت بعيدة عن مقاومة المحتل الصهيوني لعقود طويلة (وهو حال الإخوان المسلمين في العراق بعدم مقاومتهم للمحتل بل التمادي بالتحالف معه)، كانت خلالها منظمة التحرير الفلسطينية وفصائل المقاومة الأخرى تزلزل الأرض تحت أقدام المحتلين وفي جميع أنحاء العالم حتى تمكنت من إدخال القضية الفلسطينية إلى كل المحافل الدولية ووضعها على أجندات كل دول العالم وبثها يومياً في كل وسائل الإعلام لتبقى أمام ضمير كل فرد في أنحاء المعمورة، هذه الحركة يا ترى تعمل لصالح مَن اليوم؟. فحسب المشهد الذي يستطيع أن يقرأه العاقل، فإن هناك تناقضاً بين أقوال قياداتها وأفعالهم، وبين دخولها الانتخابات لتفوز بالسلطة وتبنيها المقاومة المسلحة السرية، وبين عدم اعترافها باتفاقيات السلام وحربها المستعرة في سبيل البقاء في السلطة، وبين عدم اعترافها بـ"دولة إسرائيل" وعرضها هدنة طويلة الأمد مع هذا الكيان.
وفي الجانب الآخر، فإن أي جاهل شاهد الدماء الفلسطينية التي سالت في الأحداث الأخيرة يعلم أن من يحرّض عليها لابد أن يكون متعاوناً مع الصهاينة، وأن من يقودها يعرف جيداً أنه يحقق الحلم "الإسرائيلي" الذي لم يستطع هذا الكيان تحقيقه على مدار ستة عقود، لأن الاقتتال والصراع الفلسطيني، وتقسيم فُتات الأرض التي حصل عليها الفلسطينيون عوضاً عن وطنهم، لا يصب إلا في مصلحة "إسرائيل"، مهما قيل عن أخطاء ارتكبها هذا الطرف أو ذاك من الأطراف الفلسطينية، فما بالك عندما يكون الحديث عن منظمة التحرير الفلسطينية، رحم الله الزعيم الشهيد ياسر عرفات، فقد كان اغتياله مطلباً "إسرائيلياً" ملحاً لكي تفوز بهذا اليوم الذي ترى فيه ملهاة الفلسطينيين في الاقتتال والتحريض والتشهير والكيد لبعضهم، ونتمنى أن نعلم من الإخوة في "حماس" حكم الإسلام في هذا الصراع الدموي بين الأخوة على السلطة.