هل يخطط "أبو مازن" إلى "عرقنة" غزة؟

صالح النعامي

فاجأ الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبناء شعبه عندما دعا الجمعة الماضي وفي أعقاب لقائه بالرئيس الفرنسي نيقولا ساركوزي إلى طلب إرسال قوات دولية إلى قطاع غزة، بدعوى أن هذه الخطوة ضرورية لتوفير الظروف المناسبة لإجراء انتخابات تشريعية مبكرة؛ وأن كان أبو مازن قبل هذا التصريحات بساعات، قد أبلغ المؤتمر الاشتراكية الدولية أنه يتوجب العمل على "محاصرة إمارة الظلام التي أقامتها حركة حماس في غزة"، على حد تعبيره.

ومصدر المفاجأة يكمن في أن أبو مازن بات يلتقي مع رموز التطرف والفاشية في الجانب الصهيوني الذين يطالبون بإرسال قوات دولية لإسقاط حكومة حماس في غزة، ففي الوقت الذي كان أبو مازن يعلن دعوته لإرسال القوات الدولية إلى غزة، كان نائب رئيس الوزراء "الإسرائيلي" افيغدور ليبرمان، الذي يرأس حزب "اسرائيل بيتنا"، اليميني المتطرف يواصل لقاءاته في أوروبا مع ممثلي دول حلف "الناتو" لإقناعهم بإرسال جزء من قوات الحلف إلى غزة، والذي يجعل موقف أبو مازن أكثر حرجاً أمام الجمهور الفلسطيني هو حقيقة أن "اسرائيل" تطالب وعلى لسان ليبرمان بأن يتضمن كتاب التكليف لهذه القوات القيام بالمهام الآتية: منع حركات المقاومة من استهداف العمق "الإسرائيلي" انطلاقاً من قطاع غزة، وقف عمليات تهريب السلاح والوسائل القتالية عبر الحدود بين القطاع ومصر، إلى جانب الشروع في تفكيك الأجنحة العسكرية لحركات المقاومة الفلسطينية.

ولم يفت ليبرمان، وهوة يعدد المهام التي يجب أن توكل لهذه القوات، أن يشير إلى أنه في حال نجحت هذه القوات في أداء مهامها، فأنها ستحقق "هدف إسرائيل وأبو مازن المشترك، وهو إسقاط حكم حماس في قطاع غزة "،على حد تعبيره.

ومن المؤسف أن يلتقي أبو مازن مع ليبرمان الذي يمثل رمز الفاشية، وهو الذي دعا وما يزال إلى قصف أسواق غزة ومساجدها بطائرات الـ(أف 16)، إلى جانب مناداته بطرد الفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة وتوطينهم في سيناء، وضمن برنامج حزبه الانتخابي بنداً يدعو إلى فرض "السيادة اليهودية" على المسجد الأقصى، ومنع المسلمين من الصلاة فيه، فضلاً عن مطالبته بقصف السد العالي من أجل إغراق المدن المصرية، وتدمير قصر الرئاسة السوري.

بالنسبة للكثيرين في الساحة الفلسطينية، فأن أبو مازن من خلال إصراره على إرسال القوات الدولية، يخطط لإعادة تجربة العراق وأفغانستان في غزة، وهو بالتالي فقد أهليته الوطنية لموافقته على مصادرة القرار الوطني.

حركة (حماس) اتهمت أبو مازن بأنه "يريد العودة إلى غزة على ظهر الدبابات الأمريكية، وهو بذلك يحذو حذو كرازاي"، لكن إذا تجاهلنا للحظة حقيقة التقاء أبو مازن مع ليبرمان، وانتقادات (حماس( له، فأن السؤال الذي يطرح هنا بقوة: لماذا لم لا يدعو عباس لإرسال قوات دولية إلى الضفة الغربية حيث يتواجد الاحتلال لحماية أبناء شعبه الذين يتعرضون كل يوم لعمليات الاغتيال والاعتقال والمداهمة؟!.

في الحقيقة أنه لا جدال على أن دعوة أبو مازن لإرسال قوات دولية تندرج في إطار سعيه "للانتقام" من حركة (حماس) بعدما أحكمت سيطرتها على قطاع غزة، وهو سعي يعكس تخبط الرجل ويدلل على افتقاده القدرة على توجيه بوصلته في الاتجاه السليم، فبعد أن فشل أبو مازن في ترويض حركة (حماس)، فأنه أصبح أكثر التصاقاً بالأجندة الأمريكية، وهو يظن أن الوصفة الأمريكية دائما ناجحة، متجاهلاً الفشل المدوي للسياسات الأمريكية في العراق وأفغانستان وفي كل مكان.

ومما لا شك فيه أن التأييد الأمريكي لفكرة إرسال قوات دولية إلى قطاع غزة يأتي كحلقة ثانية من حلقات إستراتيجية "الفوضى الخلاقة" التي بلورتها وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس، بعد أن فشلت الحلقة الأولى من هذه الاستراتيجية والمتمثلة في الخطة التي وضعها المنسق العسكري الأمريكي دايتون، والتي هدفت إلى إيجاد الظروف التي تسمح باقتتال فلسطيني داخلي لأمد طويل، يؤدي في النهاية إلى إخراج حركة (حماس) من دائرة العمل السياسي، لكن في حكم المؤكد أن رهان أبو مازن وأمريكا و"إسرائيل" على هذه القوات سيثبت أنه في غير محله، فالقوات الدولية لن تكون أكثر قوة من القوات "الإسرائيلية" التي فشلت في قمع حركات المقاومة الفلسطينية، في نفس الوقت، فأنه على الرغم من تحمس ليبرمان للفكرة وموافقة اولمرت عليها، فأن هناك شكوك لدى الكثير من الدوائر "الإسرائيلية" إزاء إمكانية مساهمة القوات الدولية في خدمة الأهداف "الإسرائيلية"، فالجنرال روني دانئيل المعلق العسكري للقناة الثانية في التلفزيون "الإسرائيلي" يرى أنه في حال وافقت "إسرائيل" على إرسال قوات دولية إلى غزة، فأن هذا يمثل "خطأً استراتيجياً"، ويرى دانئيل أن القوات الدولية لن تكون قادرة على لجم حركات المقاومة ومنعها من مواصلة عملياتها ضد الأهداف "الإسرائيلية"، وتحديداً إطلاق القذائف الصاروخية محلية الصنع على المستوطنات المحيطة بقطاع غزة، ويتوقع دانئيل أن تصبح الأوضاع الأمنية "أكثر كارثية" في أعقاب وصول القوات الدولية للقطاع، مشيراً إلى أن الذي سيزيد الأمور تعقيداً هو حقيقة أن الجيش "الإسرائيلي" لن يكون بوسعه العمل ضد حركات المقاومة الفلسطينية في الوقت الذي تتواجد فيه القوات الدولية.

أما الجنرال عاموس ج لبوع، رئيس قسم الأبحاث في "شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية" سابقاً فيرى أن ما يحدث في العراق سيكون "مجرد نكتة مقارنة مع ما سيحدث في غزة"، محذراً من أنه في حال سقوط قتلى فلسطينيين في عمليات للقوات الدولية، فأن هذا لن يؤدي فقط إلى توحد الفلسطينيين خلف حركة (حماس)، بل أنه " سيبرز أبو مازن كمن يعمل وفق الأجندة الإسرائيلية".

أما الجنرال أهارون زئيفي، رئيس "شعبة الاستخبارات العسكرية" السابق، فيشير إلى أن الدافعية القتالية لجنود القوات الدولية ستكون منخفضة جداً مقارنة مع دافعية عناصر المقاومة الفلسطينية، ويحذر من أن الدول التي سترسل هذه القوات سرعان ما تسحب قواتها بفعل الخسائر الكبيرة التي ستتكبدها، منوهاً إلى إرسال القوات الدولية سيعفي (حماس) من المسؤولية عن تبعات الحصار الاقتصادي أمام الجمهور الفلسطيني، حيث أن الحصار على القطاع من المفترض أن ينتهي بوصول هذه القوات.