انتهاء موسم سبات الخل: الجواسيس ينهضون (1 - 3)
صلاح المختار
شكر
وامتنان وطمأنة: استلمت الكثير من الرسائل والمكالمات الهاتفية، ومن عدة أقطار
عربية من شخصيات وطنية عراقية وعربية تستفسر بقلق عن سبب انقطاعي لمدة من الزمن عن
الكتابة، وأنا إذ أشكر كل هؤلاء، أود التأكيد على أن ظروفا قاهرة انتهت الآن هي
التي منعتني من الكتابة، وأعاهدهم على مواصلة درب تحرير العراق بلا مساومة أو تراجع
مهما حصل.
إن أخطر ما يواجهنا الآن هو استيقاظ الخلد الذي أعدته أمريكا للحظات الحسم، وليس خطر القوات الأمريكية المحتلة، لأنها تعتمد الآن بشكل مباشر وجوهري على المناجذ (جمع خلد) في محاولاتها المتكررة لدحر المقاومة الوطنية العراقية أو على الأقل شقها. فمنذ مطلع عام 2006 بشكل خاص نواجه مسلسل تفجيرات، مخابراتية بالأساس، تستهدف وحدة المقاومة الوطنية العراقية ووحدة الشعب العراقي، لأن شق المقاومة العراقية وإشعال حرب طائفية هما الوسيلتان الوحيدتان لتحويل هزيمة أمريكا الحتمية في العراق إلى نصر، ما الذي نقصده بكلمة الخلد؟ وكيف يتكتك الخلد ويستحوذ على ألباب (جمع لب) من لم يقرأوا النص السري لوجود الحجاب السحري؟ كيف نكتشف الخلد مع أنه يتخفى بدقة واتقان محترفين ويزايد على أفضل المناضلين والمجاهدين؟
لنبدأ بتعريف الخلد، إن الخلد هو حيوان قارض يشبه الجرذ ويقضي أغلب وقته نائماً تحت الأرض، ويستخدم تعبير الخلد في المصطلحات الاستخبارية لوصف الجاسوس النائم، أي المندس في صفوف العدو، ويقوم بدور متقن في الدفاع عن موقف العدو لأجل كسب الثقة التامة ليقوم، أولاً، بتصفية العناصر الوطنية السليمة بطرق عديدة، أو إضعافها وعزلها عن مركز القرار، متسترا بأشد الممارسات المعبرة عن الإخلاص، متجنباً الاتصال الدوري بمن يستخدمه لمنع كشفه، من أجل أن يتم استخدامه في وقت الحسم لقلب الطاولة على رؤوس من اخترق صفوفهم وتحويل نصرهم إلى هزيمة، أو على الأقل منعهم من تحقيق الأهداف الأساسية، وإشغالهم بأمور ثانوية بدل الانصراف للقضايا المركزية، إن استيقاظ الخلد، بهذا المعنى، هو بدء عمليه تخريبه الأساسية الممهدة للحسم، ولهذا تحتفظ أجهزة المخابرات بالخلد للأعمال الكبيرة، وتمنعه من تقديم المعلومات أو الخدمات الدورية التي يقوم بها الجاسوس العادي، والتي لا تغير مجرى الصراع، للمحافظة عليه وعلى عمله في صفوف العدو انتظارا للأوقات الحاسمة، حيث يطل برأسه ليقوم بتدمير قدرة من اندس في صفوفهم على الثبات أو البقاء موحدين ومحصنين ضد اختراقات وهجمات عدوهم.
لعنة عدم كشف النص السري المخبوء في الحجاب السحري
منذ وقع الغزو، جاء جواسيس أمريكا القدماء معها إلى العراق بحماية بساطيل جنودها وأخذوا يتراقصون فرحين على مسرح الأحداث، رغم أن مؤخراتهم ثقيلة، كنا نعرف، بحكم التجربة الطويلة، أن أمريكا تخفي جواسيسها الأغلى والأهم والأخطر لمراحل الحسم النهائي، وأن الجواسيس المكشوفين، مثل الجلبي وعلاوي والحكيم والجعفري والمالكي وغيرهم، ما هم إلا رجال المرحلة الأولى من الغزو، وأن أمريكا سترميهم في سلة الزبالة بعد أن يحتدم الصراع وتظهر الحاجة الأمريكية الحيوية لوجوه لم تحترق، والأهم لوجوه تبدو نظيفة وطبعت عليها شعارات وطنية ومقاومة، تم إعدادها وتأهيلها بذكاء منذ الغزو، أو ما قبله، لتكون في الصف الوطني والمقاوم، وتستخدم في لحظات الحسم لقلب التوازنات الميدانية لصالح الاحتلال، من خلال زرع الفتن بين المقاتلين والمجاهدين، وإشعال (حروب الأشقاء) بدل مواصلة الحرب مع الأعداء.
إن هذه البديهية إذا لم تكتشف وتعرف، ويتم توقعها، فأن من يفعل ذلك سيعرض نفسه للنحر في ليلة فرحته بتقدمه نحو النصر! إذ سيظهر له جني مموه القسمات يزايد حتى على شهيد المقاومة، ويلون وجهه بدم الشهيد، لكنه يخفي سكينه خلف ظهره، ليشهرها في لحظة فرحنا، وزهونا بفرادة المقاومة العراقية وحتمية انتصارها، ومتانة وحدتها ونظافتها من المناجذ (الجواسيس)، ويطعننا بها في منطقة القلب فنهوي من قمة النصر شهداء، ولكن بعد فقدان النصر بدل أن تتوج تضحياتنا به ونصبح مهزومين، أو مدفونين في قبور مجهولة التسمية! كل الثورات وكل حركات التحرر الوطني وكل النظم الوطنية تعرف أن أخطر ما يواجهها هو الخلد النائم في فراشنا والجالس لصق قلوبنا، ونحن نظنه صديق مخلص، أو ابن بار أو أخ نبيل أو مشروع استشهاد أو رفيق مبادئ، وبهذه الصفات يتقدم الصفوف وتملأ سيرته (العطرة) الرفوف، لا ينازعه فيها آخر أو أخير، ولا يشوش على بسمته صخب رصاص أو شخير!
حينما نسأل أنفسنا بيقظة وعي مطلوب: هل أن جواسيس أمريكا هم علاوي والجلبي وإضرابهما ممن عرفوا فقط؟ أم أن هناك احتياطي ستراتيجي مخفي، كان يسميه سيد الشهداء القائد صدام حسين (الاحتياطي المضموم)، تحتفظ به أمريكا ليوم شدتها لإبعاد حتمية هزيمتها؟ سيكون الوطني الأغبى في التاريخ من يظن أن جواسيس أمريكا هم فقط من جاءت بهم مختبئين في أحذية جنودها، وليس فوق ظهور دباباتها، كما يقول السيد فيصل القاسم مقدم برنامج اسمه الحقيقي هو (صراع الديوك المسعورة) في قناة "الجزيرة"! وأنه لا يوجد غيرهم أهم وأخطر منهم نائمين في موسم سبات المناجذ (جمع خلد)، كما تسبّت الدببة شتاء ليمر البرد. كل من يريدون التغيير الجذري يخططون لخداع العدو، أو لتأمين ضمانة النصر ومواجهة احتمالات الهزيمة نتيجة تفوق العدو باحتياطيات فعالة وحاسمة غير معروفة، ومن لا يفعل ذلك كمن يسير في غابة مملوءة بوحوش ضارية ولا يفكر بحمل فأس أو سكين أو بندقية.
نحن في البعث، وحينما تأكد للقيادة، وتحديدا للقائد الشهيد صدام حسين، أن الغزو قادم لا محالة خطط لاحتمال كهذا وأعد الخطط البديلة، ومنها الخدع الستراتيجية وفروعها الخدع التكتيكية، مثل إعداد مناجذ كثيرة لتعمل في كل التنظيمات غير البعثية المقاومة للاحتلال، وفي صفوف العدو المحتل ومن سيتعاون معه، التي وضعت لضمان انتصار البعث وحلفاءه، في نهاية الصراع الكبير، مهما ساءت ظروف الحزب ومقاتليه بعد الغزو.
ولم يعد سرا أن القائد الشهيد صدام حسين قد أقام، قبل الغزو بعامين على الأقل، تنظيماً سرياً جداً، موازياً لتنظيمات الحزب والمخابرات والجيش والإعلام والتصنيع العسكري وغيرها، وانتقى عناصره بنفسه وبسرية تامة، وضم إليه كوادر كفوءة جداً في مجالها، ارتبطت به شخصياً دون علم أغلب أقرب الناس إليه حزبياً ورسمياً. والآن وبعد خمس سنوات على الغزو نشعر بفخر عظيم أن حزبنا قد خطط لما هو أسوأ، وأننا سوف ندحر عدونا مهما بدت الظروف مجافية لنا ومؤاتية لأعدائنا، فما ظهر من إعداد البعث لما هو أسوأ قليل جداً، وما هو مخفي للحظات الحسم وانقلاب التوازنات مازال مخفياً وكبيراً وعظيماً ومزلزلاً في آثاره، إذا كنا نحن، الأضعف تكنولوجياً والأقل خبرة في مجال المخابرات من أمريكا، قد أعددنا لمواجهة كل احتمال سلبي بخطة مضادة، ونحن الآن جاهزون لقطف ثمار جهادنا، فهل من الحكمة والذكاء افتراض أن أمريكا لم تعد العدة ليومها الأسود، يوم الهزيمة المنكرة؟
نعم إن أمريكا كانت تخفي أهم احتياطي ستراتيجي لها حتى عام مضى، لكنها أخذت تستخدمه تدريجياً لمواجهة الهزيمة الفضائحية التي تعرضت لها نتيجة صلابة المقاومة الوطنية العراقية وفشل كل محاولات تدميرها أو شقها أو إلحاق الهزيمة بها، ومن يظن أن الاحتياطي الستراتيجي الأمريكي من المناجذ هو إياد علاوي وإضرابه من جرذان الاحتلال الجرب (جمع جرباء) فأنه مخطئ، لأن المطلوب ليس علاوي أو نسخة منه، بل نسخة من أشرف المجاهدين والمناضلين وأشدهم مناهضة لأمريكا وللاحتلال، لكنها نسخة مزورة (بفتح الواو) ومزورة (بكسر الواو)، شكلها الخارجي مقاوم، لكن باطنها مساوم، وهو عبارة عن حمل سفاح نتج عن مضاجعة محرمة بين التجسس والتجنس.
ربما لاحظ كثيرون أنني كنت أتحدث عن هذا الموضوع خصوصاً حينما سلطنا الضوء على البرمكي والزعيم الصفوي المتطرف حسن نصر الله، وكيف أنه أهل ليظهر بصورة البطل في صراعه مع "اسرائيل"، لأن من يصارع "اسرائيل" يكتسب صفة البطولة، ولكن هذا التأهيل ليس هدفه تحرير فلسطين ولا الدفاع عن عروبة العراق بل على العكس تماماً هدفه هو أن يكون الغطاء الذي يخفي عملية محو عروبة العراق من خلال التخفي تحت اسم فلسطين! اقرءوا دراستي الموسومة بـ((أيها الحملان هل تعرفون كيف تصطاد الذئاب الغزلان: توراتية حسن نصر الله البرمكي)، وأقرءوا دراستي الموسومة بـ(السيناريو الأخطر: حروب تأهيل إيران)، المنشوران في الكثير من الشبكات الوطنية وفي مقدمتها "شبكة البصرة المجاهدة"، ستتذكرون قصة الخلد النائم، أو كيفية تأهيل من يلبس قناع أتقياء لاغتيال صحابة الأنبياء. وإذا كان حسن نصر الله الفارسي القح، انتماءا وولاء حتى لو كان من قبيلة طي العربية جينيا، هو الصورة الأدق لتأهيل من يراد له أن يغتال صحابة الأنبياء، وهو يرتدي جبة الأتقياء، وتحت غطاء التقى يمارس التقية، فكيف يكون إعداد الخلد الأمريكي؟ وكيف نكتشفه مع أنه مموه بعشرات الأقنعة وبألف عنوان؟
إن عدم اكتشاف النص السري في الحجاب السحري، يقودنا إلى السير وراء قاتلنا في العراق ومن يحمل المبرد ليمحو هويتنا في الخليج العربي، ومن يؤذن في باحة "كنيس يهودي" داعياً إلى صراع سني شيعي في كل العالم الإسلامي، تنفيذا لـ(بروتوكولات حكماء صهيون) ونسختها الفارسية طبق الأصل (بروتوكولات حكماء بني فارس)، والتي يعد حسن نصر الله أعظم مروج لها، بعد أن موه وجهه بحروف فلسطينية لخداع السذج والخدج ومن لا تشبع بطونهم من (كباب جلو) الإيراني!
ما الفرق بين القرآن والفرقان؟
أن خير ما يمكننا اللجوء إليه لكشف المناجذ النائمة، والتي استيقظت الآن لكنها ترتدي وجوها مقبولة وأحياناً محبوبة، هو كشف خطة استبدال القرآن الكريم بالفرقان اللئيم، والذي كتبته أمريكا وطبعته الكويت ليحل محل القرآن، وكشف ما تسميه النخب الفارسية بـ(قرآن فاطمة) والذي وضعته قم ليحل محل القرآن الكريم الذي أنزل على محمد (ص)، نحن بإزاء تزوير فاضح: أحدهما أمريكي-صهيوني يقرأ فيه تجويدا منفرا (العبقري) الكويتي احمد الجار الله، رئيس تحرير صحيفة "السياسة" الكويتية، وهو الفرقان، والآخر فارسي ينز بالحقد كتبته قم وصدرته للعالم ويقرأ فيه تجويدا لطيفا البرمكي المعتق حسن نصر الله، بصوت المغنية الإيرانية العتيقة كعتق ولاءه لخامنئي وهي جوجوش، واسمه قرآن فاطمة! فكيف نميز وجه العبقري الكويتي احمد الجار الله وشقيقه الفارسي المتستر بالجنسية اللبنانية حسن نصر الله عن وجه بلال الحبشي أو من رفع اسم الله من فوق سطح مسجد؟ كيف نفعل ذلك عملياً؟ لنتابع كيفية خروج الخلد من مخبئه الطويل فهو يكشف الفرق بين القرآن والفرقان، إن الفصل الأخير والأهم في مسرحية استيقاظ الخلد ابتدأ كالآتي:
1 – في مطلع عام 2006 نفذت أمريكا وإيران خطة جهنمية وهي نسف مرقد علي الهادي (ر) في سامراء، وكان هدف أمريكا وإيران المشترك هو إشعال فتنة طائفية، وكان لإيران هدف خاص هو وضع مرقد الإمام علي الهادي تحت سيطرة الحوزة الإيرانية في النجف تمهيداً لتغيير الطبيعة السكانية لسامراء بالقوة والإرهاب وضمها إلى ما يسمى إقليم الجنوب والوسط، وكان مفروضاً استخدام الجيوب الصفوية في الوسط لتحقيق هذا الهدف الإيراني المهم جداً.
2 – التطهير الطائفي: وفور وقوع التفجير باشر مقتدى الصدر بتنفيذ المخطط الإيراني ودخل علناً، وباسم جيشه المسمى "جيش المهدي"، والذي هو تنظيم خاضع مباشرة للمخابرات الإيرانية، تنفيذ مخطط أسموه (تشييع بغداد) وتوسيع الجيوب الصفوية لتسيطر على كل بغداد والوسط صعوداً إلى سامراء. لقد ارتكب "جيش المهدي" أبشع وأخطر الجرائم في ظل الاحتلال لدرجة أن الكثير من المواطنين في بغداد استغاثوا بقوات الاحتلال الأمريكية لإنقاذهم من الموت بالحرق بإطارات السيارات والتمثيل بالجثث وممارسة الموت البطيء! لقد أعلن "جيش المهدي" هويته الحقيقية التي أعد لها، قبل الاحتلال وقبل إعلان تشكيله، وهي أنه الجهاز الذي كلف بدور الخلد الإيراني النائم، وكان دوره في البداية التظاهر بمعارضة الاحتلال لكسب الشيعة العرب، الذين رفضوا الاحتلال وأدانوا موقف "الحوزة" و"حزب الدعوة" و"المجلس الأعلى" المتعاون مع الاحتلال وعدوا إيران دولة استعمارية محتلة للعراق، كأمريكا تماماً، فقام "جيش المهدي" و"التيار الصدري" بهذا الدور الإجرامي المشين. وكانت مجازره في بغداد بشكل خاص لا تختلف عن مجازر صولاغ وزير الداخلية الإيراني الجنسية، الذي اشتهر بأنه ابتكر طريقة القتل ببطء بواسطة الدريل (المثقاب الكهربائي) ولذلك أصبح اسمه الجديد في العراق هو (صولاغ الدريل)، حيث كان يثقب العيون والوجه والأطراف والبطن إلى أن يموت الضحية وهو يعاني من أبشع أنواع التعذيب وأشدها وحشية وهمجية وحقداً.
إن التحرك الفوري "لجيش المهدي" ومهاجمته للمناطق السنية في بغداد وقيامه بقتل الآلاف من مواطنيها وتهجير مئات الآلاف منهم إلى مناطق أخرى، وبإشراف أمريكي مباشر، حيث كانت قوات الاحتلال الأمريكية تشارك قوات الاحتلال الإيرانية ممثلة "بجيش المهدي"، في تنفيذ مخطط تغيير الطابع السكاني لبغداد، إن تحرك "جيش المهدي" هذا كان تأكيداً لوجود مخطط جديد وجذري أمريكي-إيراني، وهو تقسيم العراق وإشعال حرب أهلية على أساس طائفي، لكن رد المقاومة الوطنية العراقية الحازم عسكرياً، وقيامها بردع "جيش المهدي" وتدمير موجات الهجمات التي شنها وهروب قطعانه من اللصوص والمجرمين والمرتزقة والخونة، أحبط هذا المخطط الإجرامي، وبقيت بغداد على حالتها الطبيعية قلعة للعروبة وعصية على الصفويين والأمريكيين، ومن ثم فشلت خطة الصعود إلى سامراء بعد احتلال بغداد من قبل إيران، لذلك كان مطلوباً تكرار نفس السيناريو في وقت لاحق.
للموضوع تتمة..