مهمة بلير الحقيقية والملف الفلسطيني
(استقراء وتحليل)
بقلم: م. سميح خلف
تتعرض القضية الفلسطينية في جوهرها لأعنف هجوم منذ الاحتلال الصهيوني للأرض الفلسطينية وعلى مدار سنوات الصراع والاحتلال واللجوء والمنافي كانت قضية فلسطين هي قضية الأمة وقضية الحق والمطالب ومشروعية المقاومة تجاه الاحتلال وملخص هذا الكلام في القرارات الجمعية العامة والمحافل الدولية وما أقرّته اتفاقيات جينف ومسؤوليات المحتل تجاه الأرض المحتلة.
منذ ستة شهور على الأقل تغير البرنامج الأمريكي بناء على رغبة البرنامج الصهيوني الذي أفشل جميع المبادرات السياسية وأجهضها وأجهض آليات أي عمل دبلوماسي يصب في اتجاه نيل الشعب الفلسطيني لحقوقه.
والغريب أن تجد من يتمسكون بالحبال الذائبة ويقدمون التنازل تلو التنازل، لعلهم يستطيعوا أخذ نوع من الفتات ولكن السياسة "الإسرائيلية" والأمريكية التي لا تعرف إلا موازين القوة وأحكامها في فرض الوقائع والمشاريع على الأرض أسقطت "خارطة الطريق" كما أسقطت أوسلو كمثيلها من المبادرات السياسية على طوال سنوات الصراع، ولم يبقى ملتزما "باتفاقية أوسلو" إلا الجانب الفلسطيني والأوسلويين، أما (دولة الاحتلال الصهيوني) فلم تبقي من أوسلو على الأرض أي أثر سوى احتلال مدن وحواجز وحصار واغتيالات، ولم تكن المبادرات المطروحة من الجانب الأمريكي بخصوص الصراع إلا عملية كسب واستنزاف للوقت لأغراض إقليمية ومازلت أميركا تلعب نفس اللعبة تحت غطاء الدولتين ولكن ما هي ماهية هذا المشروع في المنظور "الإسرائيلي" الذي شهد تحول في سياسته أيضا إلى مزيد من التشدد تجاه الشعب الفلسطيني في نفس الوقت نجد الجانب الفلسطيني يتمادى في تقديم التنازلات من خلال مطالب قزمية وتحولت القضية الفلسطينية من المنظور الإنساني والسياسي على أيديهم إلى مجرد طرح أمني بين الأوسلويين ودولة الاحتلال الصهيوني.
والمتتبع للسيناريو المعد مسبقا من قبل الدوائر الأمريكية والصهيونية والمرتبط بنتائج الديمقراطية على الأرض الفلسطينية، فالديمقراطية آليات ومفاهيم معترف بها إذا كانت تفيد المخطط الأمريكي والصهيوني، أما إذا كانت نتائج الديمقراطية معاكسة لتوجهات المعسكر الإمبريالي والرجعي فإنها تتحول إلى إرهاب وفلتان أمني منظم من أجل بتر نتاج الديمقراطية الذي يحقق مصالح الشعوب، ودخلت "حماس" في مواجهة مفروضة التي من خلالها أخذ عليها بعض الممارسات الخاطئة من قبل بعض المجموعات، مما دعى رئيس المكتب السياسي لها تقديم الاعتذار عن تلك الممارسات.
هكذا هي الديمقراطية الأمريكية والديمقراطية الصهيونية، فالذي حدث الشهر الماضي في غزة كان نتاج واستجابة وحالة طبيعية للسيناريو المعد للكينونة الفلسطينية وأعمق مما تناقلته وسائل التحليل المختلفة، فتيار أوسلو المزمن والمستفحل في الكينونة الفلسطينية انقسم على نفسه لتغيير أوراق اللعبة وأسقطوا لعبة الأجهزة الممولة من أطراف أوسلو للتخلص منها، وكذلك إجبار "حماس" على الدخول في مواجهة حاسمة مع هذا التيار في قطاع غزة وتصوير "حماس" بأنها عبارة عن جماعات إرهابية تكفيرية، هذا ما عبرت عنه توجهات الرئاسة الفلسطينية في توجهاتها السياسية والدبلوماسية على الصعيد الإقليمي والدولي وتصوير "حماس" بأنها قاتلة الأطفال والمناضلين على حد قولهم أما قتل القضية الفلسطينية فلا أحد يتحدث عنه وقتل المؤسسات الفلسطينية فلا أحد يتحدث عنه أيضا، إذا تيار أوسلو انقلب على ذاته وعلى كل الشرعية الفلسطينية، عندما كلّف الرئيس الفلسطيني بتشكيل "حكومة الطوارئ" التي أصبحت معروفة توجهاتها وأهدافها وكذلك ما حدث من توجهات مؤخرا من سحب سلاح المقاومة واستدراج أطرافه للانضمام للأجهزة تحت سياسة الترغيب والترهيب من العدو الصهيوني والأمن الوقائي أيضا، وها هي اللعبة تكتمل عندما تتم الاتصالات الأمنية مع الجانب "الإسرائيلي" وبضمانات توقيع بعض فصائل "كتائب شهداء الأقصى" بعدم ممارسة الكفاح المسلح ضد الاحتلال تحت بند العفو العام.
ومن هنا نتساءل، هل "إسرائيل" هي دولة احتلال لمدن الضفة أم "إسرائيل" تمتلك السيادة القانونية على الضفة الغربية لتصدر قرار الإعفاء العام وما هو دور السلطة في ذلك؟.. هل هي أصبحت مجرد حكومة وسلطة تسيير أعمال للاحتلال وتوجهاته أم ماذا؟، وهل يخرج التفسير عن هذا السياق.
ومن هنا من المؤلم أن تتحول نشاطات الرباعية التي تسعى إلى ما يسمى بالسلام في "منطقة الشرق الأوسط" إلى قوة عدوانية وبشكل مباشر على الشعب الفلسطيني وكفاحه المشروع من أجل التحرير واندحار اللحتلال والاستقلال.
وبالتأكيد أن بوش يحمل الوفاء لصديقه القاتل بلير عندما استخدم نفوذه لدى الرباعية بتسليم هذا الرجل القاتل لحضارتنا في العراق ولأطفال العراق وأمهات وشباب العراق ملف فلسطين تحت دعوى ممارسة النشاط الدبلوماسي بين الطرفين لتنفيذ رؤية الدولتين لبوش.
وما كشفته الأوساط السياسية عن دور بلير ومهمته في المنطقة لا تعدو على أن بلير وبعدما خرج مهزوما من ضربات المقاومة العراقية ولفظه شعبه ها هو يعين كرئيس والمحرك للملف الفلسطيني من قبل الرباعية، ولا ننسى أن بريطانيا بتاريخها المعهود هي الدولة التي أسست الاحتلال الصهيوني ودعمته وأعطته عوامل الاستمرارية على أرض فلسطين، ها هي مرة أخرى بريطانيا من خلال بلير تريد أن تكرس السيناريو الجديد على الساحة الفلسطينية بحجة تطبيق فكرة الدولتين.
بلير سيكون هو المقرر للرباعية وسيقوم بعملية تقييم المساعدات المادية والملفات الأمنية للسلطة الفلسطينية، أي أصبح بلير يقوم بعمل رئيس السلطة الفلسطينية، لأنه هو المنسق العام مع الاحتلال ومع أوروبا وخاصة في المجال الأمني، حيث أظهرت بعض الوسائط السياسية أن بلير مهمته الرئيسية إعادة بناء المؤسسات الأمنية والاقتصادية للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، وعليه التعامل المباشر مع الوزراء ورؤساء البلديات ورؤساء الأجهزة الأمنية، وكما قيل تجهيز البنية التحتية في الضفة الغربية للدولة القادمة على حد قولهم.
كلام في منتهى السخف والسذاجة إذا كان هناك آذان تسمع وتصدق، فها هي اجتماعات الجانب الفلسطيني مع الجانب "الإسرائيلي" لا تخرج عن المنظور الإنساني لحالة المواطن الفلسطيني، وبقدر قزمية هذه المطالب من حواجز وانسحاب من المدن وسيولة الدعم المادي مقابلها، انحصار خطير في المطلب الوطني والسياسي، أي تسيير الأمور في الضفة الغربية وللقضية الفلسطينية إجمالا في اتجاه التصفية وذوبان للشخصية الفلسطينية تحت ما يطرح مستقبل في السنوات القادمة من علاقة كونفيدرالية يمهد لها أمنيا مع الجانب الأردني و"الإسرائيلي".
هذه هي مهمة بلير الخطرة التي تمهد لها السلطة الفلسطينية على النطاق الأمني بسحب سلاح المقاومة وإنهاءه ومحاصرته في الضفة الغربية كمطلب أساسي لملف بلير وملف أولمرت.
أما قطاع غزة الذي يحاصر أيضا وبشكل مبرمج ما قبل أحداث غزة، استطاع هذا السيناريو وعلى حسب ما هو مخطط محاولة عزل "حماس" دوليا وإقليميا، ومحاولة إحداث تمرد في الساحة الفلسطينية هذا من طرف، واتفق الطرفين كل من الرئاسة و"حماس" وباختلافات التوجه والأهداف، وتم التمكن من القضاء على نهج الأمن الوقائي في غزة الذي سقطت أوراقة من الجانب الأمريكي نتيجة تغيير وجوه أوراق اللعبة، لتنفرد الرئاسة بمراكز قوى جديدة يتم اختيارها من أميركا لتنفيذ السيناريو المعد.
ولكن هل الشعب الفلسطيني يغفل عن هذه المخططات التي تنوي عزل غزة، والإنفراد بالضفة أولاً، وتقسيم الشعب الفلسطيني وشخصنة الأحداث في قطاع غزة، وبناء المواقف عليها من قبل الرئاسة؟، وتتلخص في موقفها برفض الحوار الفلسطيني للخروج من الأزمة وهو مطلب شعبي وعربي.
أعتقد أن الشعب الفلسطيني أنضج وأوعى من أن تمر عليه مثل تلك السيناريوهات، فشعبنا في الضفة سريعا ما سيتحسس ويعرف مقدار المأساة وخطورة البرنامج الذي تنفذه مجموعة أوسلو المتفردة والمتنفذة بمؤسسات وأطر وهمية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وقطعا ستفشل المؤامرة كما فشلت جميع المؤامرات على الشعب الفلسطيني منذ عام 1948.