وسقط دحلان في وحل تيار أبو مازن
بقلم: م. سميح خلف
ليس غريباً ما أذاعته صحيفة "الأخبار" اللبنانية عن تهرب الرئيس الفلسطيني محمود عباس من مقابلة دحلان وليس غريباً أيضاً أن يتهرب منه المسؤولين العرب الذين كانوا في السابق يفرشون الطريق له بالورود.
وكما ذكرت الصحيفة أنه مورس ضغط على دحلان لترك الضفة الغربية لأن أبو مازن لا يريد لدحلان أن يشارك في اجتماعاته مع وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس، علماً بأن كوندوليزا رايس بعد ذلك أجلت زيارتها "لإسرائيل" وللسلطة لأسباب غير معروفة ولكن هل هذا مرتبط "بتطفيش دحلان" وموقف أبو مازن منه أو أحد الأسباب وهل أمريكا مازالت تعول على دور أخر لهذا الرجل النشيط، وهل يستطيع أبو مازن أن يقوم بخطوات إقصائية لدحلان مادامت الإدارة الأمريكية ترى فيه نشاطاً ودوراً يمكن أن يؤديه.
ذكرت الصحيفة أن دحلان انسحب بهدوء وخرج من الضفة متوجهاً لتكملة علاجه في ألمانيا ولكن هل سيسلم دحلان نهاية لمستقبله السياسي بسهولة ولمن لصاحب التيار الأوسلوي الأصلي؟ لا أعتقد أن الأمور ستمر بهذه السذاجة لدى دحلان.
علماً أيضاً بأن ما حدث في غزة من تصعيد أن أبو مازن أراد أن يتخلص من دحلان وتياره بحجة (حماس) وسلوكها وما سمي "انقلابها"، (فحماس) كان لديها ضرورة من مواجهة هذا التيار وأبو مازن يعلم ذلك ولكن أبو مازن أعتقد كان من مصلحته إنهاء دحلان وفرض سيطرته على الضفة الغربية لتمرير الورقة السياسية الضفة الغربية أولاً وحصار (حماس) ثانياً، وهي عبارة عن الخطوات السريعة والمتسارعة في تشكيل "حكومة الطوارئ" ورفض الحوار وانتظار ما ستقدمه "إسرائيل" من المبالغ المعتقلة عند "إسرائيل" وبعض الانسحابات إلى خطوط سبتمبر عام 2000، وتخفيف الحواجز، وإفساح حرية التنقل، ومن المفاجئ أن تقوم "إسرائيل" بمنح نايف حواتمه الأمين العام للجبهة الديمقراطية تأشيرة دخول إلى الضفة، ترى ما هو الدور السياسي الذي يمكن أن يلعبه الأمين العام للجبهة الديمقراطية، علماً بأن من نظر للحل المرحلي وللاتصالات مع الجانب "الإسرائيلي" الجبهة الديمقراطية في أوائل السبعينات؟ وهل دخول نايف حواتمة ضمن برنامج سياسي حواري بين حكومة أبو مازن و"إسرائيل"؟!!.
ومرة أخرى هل انتهى دور دحلان؟؟، هذا الشاب الذي اختلفت معه وهاجمته كثيراً ولكن في السياسة تتغير دائماً أوراق اللعبة.
دحلان الشاب الذي بدأ حياته مناضلاً في صفوف حركة (فتح) وخاصة في حركة الشبيبة، دحلان تحمل عبء أخطاء مرحلة وانحرافات، ليس دحلان بل لحركة (فتح) ولمنظومة قيادتها، ودحلان كان أحد تلك المنظومة التي توجهها منظومة القيادة بقيادة الرئيس الفلسطيني ومنذ كان رئيساً للوزراء وبموجب "اتفاقيات أوسلو" الاقتصادية والأمنية كلف دحلان بملف الاتصال بـ"إسرائيل"، فهل نحاسب دحلان أم نحاسب المنظومة القيادية أولاً؟، فكيف يتحول شاب مناضل إلى خنادق أوسلو ودهاليزها، وما هي البدائل التي كانت يمكن أن تحيده عن هذا الطريق؟.
الوضع الحركي الرسمي منجرف برمته نحو التزامات أوسلو مع العدو الصهيوني وإذا كان هناك تخوين فالتخوين يجب أن يوجه للقيادة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية ولقيادة حركة (فتح) ولرئاستها، وهل من المقنع أن يتحمل دحلان أعباء وأخطاء مرحلة بكاملها؟ ومن الذي أعطى قرار التحقيق والمحاكمة؟ أليسوا هم صانعي الانفلاش في حركة (فتح) والانحراف السياسي والأمني! إذا كانت هناك محاسبة وكان هناك ضمير الذي يمكن أن يتوفر فقط لدى الشعب الفلسطيني، يجب أن يحاسب النظام السياسي برمته، ويخضع للتحقيق قبل دحلان الرئيس الفلسطيني واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير واللجنة المركزية لحركة (فتح) ومجلسها الثوري باعتبار أن حركة "فتح" قادت العمل الوطني تقريباً من عقدين، وانحرفت على أيديهم.
هنا لا أبرء دحلان ولكنني أشفق على هذا اللاجئ الذي أسقطوه بطموحاته في وحل أوسلو ومبتكريها ومنفذيها، فمدرسة أوسلو قديمة جداً في أوساط حركة (فتح)، ودحلان حديث التجربة، واستدرج لها لينفذ برنامج لتيار أوسلو، مرة أخرى لا أبرء دحلان ولكنني أستنكر إجراءات مؤسسي تيار أوسلو الذي وقع دحلان وتجربته فيها هو وآخرين تحت قائمة تخفيض الرتب والفصل لكوادر كثيرة في أجهزة الأمن والشرطة، ولسبب مكشوف أنهم فشلوا في مواجهة (حماس)، وكان من المطلوب أن تكون حمامات دم في غزة ليس دفاعاً عن فلسطين بل دفاعاً عن تيار أوسلو وتنازلاته، والغريب أن يمنح الرئيس الفلسطيني مؤسس تيار أوسلو، أوسمة القدس للذين قضوا في المواجهة مع (حماس) وكنت أتمنى أن تمنح تلك الأوسمة لمئات الشهداء الذين سقطوا في دفاعهم ومقاومتهم للاحتلال أليس هذا غريباً؟.
إذا كانت هي تلك المقاييس للترفيعات، وخفض الرتب، والفصل والولاء، فإنني أسجل لهؤلاء الذين خفضت مراتبهم العسكرية والتنظيمية الفخر والعزة لفلسطينيتهم قبل أن يكون ولائهم لتيار أوسلو، وربما مواقفهم الأخيرة قد تشفع لهم أمام الشعب والتاريخ عما ارتكبوه من مسلكيات بحق الشعب والوطن، وما أعظم من أن يعود الإنسان إلى ضميره.
أما الأخ دحلان فإننا نكن عواطف منقوصة، لأنه لاجئ ومطحون، وأخيراً وقع ضحية لهذا التيار السرطاني، ومازال الباب مفتوحاً للأخ دحلان لأن يعود إلى بداية انتمائه لحركة (فتح) مبادئها وأخلاقها ونظامها ولأنها الأبقى ولأنها هي التي لا يمكن أن تأكل أبنائها الشرفاء، ومازال الباب مفتوحاً للأخ دحلان لأن يكون عنصراً نقياً وفياً لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) ومبادئها وأن يكون مخلصا ً لشعبه ولقيمه ولمبادئه وثوابته.