تراجعات (لفتح) وانتصارات (لحماس) في سداسية للأبعاد
بقلم: م. سميح خلف
البعد الأول: الوجود الجهادي والنضالي لحركة (حماس).
البعد الثاني: البعد الديمقراطي.
البعد الثالث: البعد الأمني.
البعد الرابع: البعد الاقتصادي.
البعد الخامس: البعد المؤسساتي.
البعد السادس: البعد الخارجي والعلاقات الخارجية.
لم يعد يخفى على أحد مدى التراجعات تلو التراجعات التي حققتها قيادة حركة (فتح) لحركة (فتح) ولمنظمة التحرير ولفصائل العمل الوطني، وللمرة الثالثة تثبت (حماس) وجودها في سداسية الأبعاد التي يمكن أن تعكس آفاق المستقبل للعمل السياسي والنضالي الفلسطيني.
1- البعد الأول، أثبتت حركة (حماس) وجودها النضالي والجهادي منذ الانتفاضة الأولى عام 87 وأثبتت أنها حركة منضبطة يمكن أن تجد انتشارا في الشارع الفلسطيني كما أثبتت وجودها الرئيسي في الانتفاضة الثانية عام 2000 الذي سلك أكثر من مسلك من البعد المواجه للاحتلال الصهيونية على أرض فلسطين إلى البعد الاجتماعي والبعد الاقتصادي والبعد الأمني في تلك الانتفاضة من خلال معالجات عن طريق الجمعيات الخيرية وغيره لمشاكل الإنسان الفلسطيني في قطاع غزة والضفة وهذا ما افتقدته قواعد وقيادات حركة فتح التي اعتقد أنها تعيش في أبراج عاجية ظلالها وجدرانها من تاريخ هذه الحركة المجيد.
2- البعد الثاني: البعد الديمقراطي
لقد دخلت حماس تحت قائمة وشعار الإصلاح والتغيير في عملية ديمقراطية في بدايتها كانت مطلب أميركي وثانيها مطلب فصائلي ودخلت تلك المغامرة رغم اللوم الشديد الذي تعرضت له من أكثر من جهة لارتباط هذه العملية بـ"اتفاقيات أوسلو" ورأى كثير من المحللين أن دخول (حماس) لتلك السلطة يمكن أن يستدرجها إلى مواقع التخلي عن برنامجها الجهادي ضد العدو الصهيوني ومازالت وجهات النظر مختلفة والجدل قائم حول صواب نظرة (حماس) في دخولها لعملية الانتخابات من عدمه ولكن (حماس) دخلت الانتخابات وحققت البعد الثاني للنصر على البرامج العلمانية المتهتكة بقياداتها وهنا لست ضاحضا للبرامج العلمانية في تحرير فلسطين بل تشويه تلك البرامج وتحريفها وانسلاخها عن برامجها عن طريق تلك القيادات التي فتحت الطريق والثغرات في ممارساتها بتحقيق مقولة (البقاء للأصلح) لتقوم البرامج الأصولية والجهادية لتحل محل تلك البرامج في إدارة الصراع.
ومن نتاج العملية الديمقراطية أن (حماس) فازت بأغلبية ودخلت في مواجهة ثانية وفي حلقة متقدمة أخرى من إثبات الوجود والذات من خلال وجودها بأغلبية في المجلس التشريعي ووجودها في تشكيل الوزارة ورئاسة الوزارة في كل من الحكومة التاسعة والحكومة العاشرة، ولذلك أيضا (حماس) استطاعت وبثقة أن تحسم الأمور في تلك المواجهة لصالح برنامجها وعلى حساب حركة (فتح) التي تاهت في متاهات التأويل والتحريف والسيطرة والابتزاز الذاتي بين قياداتها التي طفت على سلم القيادة فجأة وبدون تدرج طبيعي وتنظيمي لتلك القيادات.
3- البعد الثالث: البعد الأمني
عند تسلم حماس الوزارة بقيادة اسماعيل هنية كانت تعلم (حماس) أنها في مواجهة مباشرة مع مراكز قوى تمثلها وجوه في حركة (فتح) ومدعومة إقليميا ودوليا وبرغم ذلك استغلت (حماس) هذه الفرصة لبناء الذات وترك عناصر الأجهزة الأمنية وقياداتها التي بنيت أساسا لتناقضات في داخل حركة (فتح) قبل أي مهام وطنية فلقد شهدت الساحة الفلسطينية موجة من الفلتان الأمني ما قبل وجود (حماس) هذا الفلتان أخذ وجوه تنظيمية وقتالية أمام رئاسة أبو عمار وفي ما بعد بين قيادات من تيار أبو عمار وقيادات أخرى نجم عنها تصفية وإقالة كثير من القيادات المقربة من أبو عمار.
بلا شك أن (حماس) تعلم عنف وتعقيدات المواجهة مع تلك الأجهزة إلا أنها على الصعيد التنظيمي والأمني، استطاعت (حماس) أن تحقق ذاتها في قطاع غزة وغير قطاع غزة وأتى نمو التركيز الأمني والتنظيمي (لحماس) في ظل غابة من التناقضات قادتها قيادات حركة (فتح) السياسية والأمنية.
4- البعد الرابع: البعد الاقتصادي
استطاعت (حماس) أن تحقق ذاتها الاقتصادية وأن تصمد بحكومتها أمام الحصار وأمام أدواته الداخلية والخارجية وأتت رياح الصمود عكس ما كان يتوقع الآخرون من سقوط (حماس) قريبا على قائمة القتلى نتيجة الحصار والحرب التي شنت ضد قراراتها وهيكلياتها في السلطة في السلطة فلم تفد الإضرابات المتتالية في إسقاط حكومة (حماس) ولم تفد الإضرابات بل كان نتاجها كسب الوقت لأن (حماس) تعرف ماذا تريد وماذا تريد أن تحقق في الشهور والسنوات القادمة فكان "اتفاق مكة" الذي استفادت منه (حماس) على الصعيد والدبلوماسي والوطني في حين أن بقيت اللعبة في داخل أطر حركة (فتح) غير محددة الملامح وكان نتاجها تجاوزات للنظام من المجلس الثوري لحركة (فتح) وتعيين رئيس للحركة وتعيين قيادات مناطق بما يتنافى مع نظامها الداخلي.
5 - البعد الخماس: البعد المؤسساتي
استطاعت (حماس) في مواجهة مع تلك الأجهزة التي زودت بأموال أميركية وإقليمية أن تحسم تلك المواجهة خلال أيام محدودة واستطاعت أن تفرض الأمن بدون أن تسقط أدوات المقاومة من حساباتها بحيث لا تتناقض ممارساتها مع برنامجها المقاوم وبرنامجها الجهادي ولذلك استطاعت هذه الحركة بانضباطيتها الداخلية أن تقود الأمور في قطاع غزة إلى الاستقرار وإنهاء حلقات الفلتان الأمني التي عانى منها الإنسان والمؤسسة الفلسطينيان.
6- البعد السادس: البعد الخارجي والعلاقات الخارجية
بلا شك أن (حماس) لديها فراسة دبلوماسية وتجربة تنفي ما أشاع عنها الآخرون بأنها قيادات تفتقر للتجربة وللدبلوماسية وللسياسة.
تعاملت (حماس) مع الوضع الدولي واستطاعت أن تحقق انجازات على الصعيد الإقليمي والدولي أيضا كروسيا ودول عربية وآسيوية وافريقية وبلا شك أيضا أن إطلاق سراح مراسل الـ(بي بي سي) يحقق نقلة نوعية أيضا لسلوك (حماس) السياسي والدبلوماسي في الأوساط الدولية فالصحف البريطانية رئيس الوزراء البريطاني بالتعامل مع (حماس) لأكثر من بعد البعد الأمني الذي حققته (حماس) الذي حققته (حماس) في غزة كذلك استطاعتها المتزنة في الإفراج عن مندوب الإذاعة البريطانية جونستون يعني ذلك أن حماس ليست منغلقة بل منفتحة ويمكن أن تتجاوب و تتناغم وتتعامل مع المتغيرات الدولية والإقليمية وعلى مثيلة الصحف البريطانية كانت الصحف الأمريكية والألمانية بل كثير من تلك الصحف طالبت بالتعامل مع (حماس) والتعاطي معها في المشكلة الفلسطينية وطالبوا دولة الاحتلال بالتعامل مع (حماس) بدلا من التعامل مع قيادات سجلاتها ليست نظيفة على المستوى الاقتصادي والوظيفي والأمني هكذا دخلت (حماس) في جدولة جديدة من إثبات وجودها كقوة إقليمية على الساحة الفلسطينية والعربية.
ومن خلال ما طرح في الأبعاد السابقة أعتقد أن (حماس) تسير بخطوات منهجية كقوة أولى على الساحة الفلسطينية تلك المكانة التي ملأتها بدلا من (فتح) فمؤسسات الرئاسة وأطروحاتها السياسية وعدم سيطرتها على غزة وشوارع الضفة الغربية جعلتها في مكانة الضعف أمام المحافل الدولية والإقليمية وخاصة المنظور الأمريكي والمنظور الصهيوني فهم لا يريدون التعامل مع الضعفاء ولا يريدون وضع حلول مع الضعفاء الذين يتحركون بمقدار ما تمولهم الرباعية وخزانة الضرائب لدولة الاحتلال ولذلك ستشهد الأيام القادمة انفتاح دولي وإقليمي على (حماس) ولذلك (حماس) تحقق تقدما واثقا بخطواته كقوة لها برنامجها الذي يمكن أن يتجاوب معه العالم في الشهور القادمة أما مؤسسة الرئاسة وتمثيلها لمنظمة التحرير الفلسطينية ورئاستها فلم يبق لديها شيء تقدمه للشعب الفلسطيني وأيضا لم يبق لديها شيء لتقدمه على مائدة أولمرت أو على مائدة بوش بل هي أصبحت رزمة من الموظفين تقتات على أموال الرباعية وأموال الضرائب الفلسطينية والمساعدات الخارجية ولذلك نعتقد أن الرئاسة الفلسطينية التي عجزت عن معالجة قطاع غزة وعجزت عن معالجة البرنامج السياسي الفلسطيني بما يتناسب مع الأحداث واعتمادها على سياسات رد الفعل وعدم قدرتها على تجديد دماء هذه القيادة ومؤسسات منظمة التحرير أو في أطر حركة (فتح) هذه الأسباب ستعطي مزيدا من الانفتاح على حركة (حماس) وسيطرتها على قطاع غزة وفي الشهور القادمة ربما نجد عزل دولي لحكومة الرئاسة ولمنظمة التحرير بقيادتها الحالية.
أما عن حركة (فتح) فتبقى الصرخات من هنا وهناك صرخات عاطفية ولاءها لماضي هذه الحركة التي تطالب بالإصلاح والمحاسبة ولكني أعتقد أيضا أن الهجمة كانت كبرى على أطر حركة (فتح) من قيادات في داخلها وتآمر إقليمي ودولي لإنهاء حركة التحرر الوطني الفلسطيني (فتح) وأستطيع أن أقول أن الغرب يحترم من لديه مباديء ولا يحترم من يتنازل عن مبادئه ويحترم عامل القوة، وكلمة لها مؤشر عندما اغتيلت بدلة أبو عمار العسكرية كان بمثابة إعدام لحركة (فتح) وهذا ما لم يعيه الآخرون.