أوسلو وثقافة فلسطينيي الداخل والخارج أبعاد ومؤثرات

بقلم: م. سميح خلف

لست هنا بصدد أن أضع المؤثرات والنتائج السياسية الخطرة على القضية الوطنية وعلى المشروع الوطني وحركة النضال الوطني الفلسطيني بقدر ما نريد أن ندخل في المؤثرات والظواهر الثقافية على صعيد الفرد والجماعة، والمجتمع.

برز مع تطبيق "اتفاقية أوسلو"، عدت مؤشرات خطرة على اللغة الثقافية الفلسطينية، وبعودة أصحاب هذه الاتفاقية إلى غزة والضفة ليشكلوا سلطة حكم ذاتي في ظل الاحتلال، ترافق مع هذا التشكيل مظاهر البرجوازية والبيروقراطية، ولهذا المظاهر سلوك ثقافي، إذ كان هناك تمايز بين من قدموا إلى الوطن ومنهم بداخله، بالإضافة إلى انقسام طبقي في من أتوا من الخارج من الأقاليم فكان من الطبيعي أن يسمع لغة مركبة تنم عن حدوث عقد تمهيدا لحدوث معضلات اجتماعية في الساحة الفلسطينية، فمثلا التمايز بين من قدموا من تونس مع من قدموا من أقاليم أخرى، أي أن أوسلو أحدثت انقسام أفقي ورأسي بالمعايير الاجتماعية والثقافية إذا ما قورنت هذه التناقضات مع منهم داخل الضفة وغزة .

لقد تفشت مظاهر الثراء الغير مشروع الذي صاحب هذه التركيبة العجيبة لفئت أوسلو ومن هنا حدث شرخ نفسي في المجتمع الفلسطيني مضافا للشرخ السياسي والوطني ومن هنا ظهرت حالات التشرذم في أعقد صورها ومصاحب لهذا التشرذم كل مظاهر الانفلاش الأمني والاقتصادي والاجتماعي والثقافي أيضا فأصبحت القيم التي تحكم جزء من المجتمع تأخذ المنظور المادي والمكتسبات ومن هنا ظهرت دائرة المصالح وحالات الاستزلام التي خضع سلوكها إلى مفهوم التوظيف والامتيازات، أما الجزء الآخر فاتجه نحو التطرف إذا صح التعبير نحو المغالاة في الدين لإحساسهم بالظلم ولإحساسهم بالضياع السياسي والنضالي وخاصة فئة اللاجئين وفئة المستضعفين اجتماعيا.

وكان نتاج هذه المظاهر جميعها احتدام الأزمة بين تلك الفئات المستفيدة من أوسلو والفئات المتحفظة على هذا النهج وخاصة البنية القاعدية للشعب الفلسطيني التي تتجه مواقفها نحو دحر الاحتلال ورفض السلطة الوهمية ماديا وسلوكيا.

حيث أن برامج هذه الفئة تتناقض تناقضا كليا مع البرنامج السياسي لطبقة أوسلو ومن هنا كان الصراع الحتمي والمواجهة الحتمية التي أخذت أكثر من مدلول وأكثر من اتجاه في المصادمات التي حدثت في غزة والتي سعى فيها كلا المنهجين لحسم الأمور لصالحه وهذا ما أدت إليه النتائج في قطاع غزة واصطفاف فئة المضطهدين والمظلومين سياسيا ووطنيا إلى خيار التخلص من تكل الطبقة البرجوازية البيروقراطية فجميع الأجهزة التي بنتها أموال وثقافات غربية انهارت وبشكل سريع في المواجهة مع الطرف الآخر.

وانتقل إلى من تبقوا من الفلسطينيين في الخارج وهم أغلبية ويقدر عددهم بحوالي 6.5 مليون وهم أغلبية الشعب الفلسطيني الذين أحسوا بحجم المؤامرة التي تدار على حساب أقدارهم ومصالحهم الوطنية فانعقدت عدت مؤتمرات في لفلسطينيي أوروبا ولخصوصية ساحة أوروبا ومفاهيمها استطاع أن يعبر الفلسطينيين عن صختهم على أداء القيادة السياسة لمنظمة التحرير والقيادة السياسة لحركة "فتح" أما في الدول العربية وبناءا على مفاهيم خاصة لأنظمتها لم يستطع الفلسطينيين عقد مثل تلك المؤتمرات بل ظهرت أصوت مختلفة عبر الإعلام تندد بالسلوك السياسي والوطني لقيادة منظمة التحرير ولقيادة حركة "فتح".

وبلا شك أمام صلابة مواقف فلسطينيي الخارج والداخل أيضا بدأ يعمل التيار الآخر في المربع الأخير له فطهر عليه سلوك متخبط غير موضوعي ينتهج السلوك اللاقانوني واللاأخلاقي في التعامل مع الأزمة كقضية تدويل قطاع غزة وكقضية الفصل للقوى الحية في أطر هامة في المؤسسات الفلسطينية التي اعتمدت عليها قيادة السلطة بعد أن مضى ياسر عرفات مباشرة.

حرب مسعورة ومواجهة مستعرة يحافظ هؤلاء على دائرة مصالحهم ولو كان ذلك على حساب قضايا وطنية كثيرة.

وليس غريبا في اشتداد هذه الأزمة أن تخرج بعض الأصوات الداعية إلى تجريم الإعلاميين الفلسطينيين خارج الوطن بدعوى أنهم لم يقيموا في قطاع غزة أو في الضفة مثلا أي حدثت نقلة في هذا السلوك الثقافي الأوسلوي لتفصل فلسطينيي الخارج عن الداخل تمهيدا لتمرير مشروعهم الذي يدعوا للتوطين في دول الشتات ففي مفهومهم أن الفلسطينيين خارج الوطن لا يحق لهم التحدث فيما يحدث داخل الوطن وظهر ذلك في عدت مقالات وتعليقات من هذه التيارات المشبوهة مستندين إلى مفاهيم ثقافية وإعلامية ووطنية للقرون الوسطى مغيبين ما حدث من تطور تكنولوجي في أنظمة الاتصالات والمعلومات في العالم مدعين أن ما يحدث في قطاع غزة أو في الضفة لا يعايشه أو يعلمه إلا أبناء تلك المناطق فمثلا حدث ما في رفح أو في جنين أو في نابلس يمكن للفلسطينيين في أقاصي الأرض معرفته قبل أن يعرفه سكان الخليل أو رامله أو مدينة غزة وهذا بسبب ثورة الاتصالات ناهيك عن استخدام تقنية الاتصالات من انترنت وغيره في التواصل الاجتماعي والثقافي السريع بين كل أجزاء فلسطين المحتلة والخارج.

ومن هنا نستطيع أن نحدد أن "ثقافة أوسلو" وبرنامجها مرتبطان بهذا السلوك المشين لتلك الأصوات التي تحاول أن تثبط معنويات فلسطينيي الخارج وكتابهم وعزلهم بحيث يتم التمهيد لإجراءات سياسية وأمنية أخرى بالإضافة إلى الإنفراد بالقوى الداخلية الممانعة لهذا النهج.

هذه الفئة لا يمكن أن تعيش إلا على حالات التشرذم وحالات تغذية النعرات الإقليمية والعشائرية ولأنه ومن هذا السلوك استطاعت أن تحقق مصالحها وبلا شك أن "اتفاقية أوسلو" وفي البند الثقافي والتعليمي دعت إلى التعايش مع العصابات الصهيونية في فلسطين ونصت على وضع مناهج تعليمية تتناسب مع هذا التوجه بالإضافة إلى الثقافة التي تدعوا إلى التشكيك في صمود الشعب الفلسطيني وفي مقاومته، كلها ثقافات ذات برنامج واحد يسعى إلى إحداث انقسامات عمودية وأفقية في الشعب الفلسطيني ومكوناته داخل الوطن وخارجه وفي سلوك ليس أخيرا يدعوا أحد مستشاري الرئيس الفلسطيني في الكويت إلى حالات التشرذم والانفصال السياسي في الشعب الفلسطيني حينما قال "نحن لا نريد أن نتفاوض مع أحد من الأطراف الفلسطينية ونحن أحرار في هذه المواقف" سلوك ثقافي انفصالي يعتمد على قوى إقليمية ويراهن عليها على اعتبار أن القوى الإقليمية ذات أهمية من القوى الفلسطينية الداخلية.

وقفة هنا مع هذه الدلائل والمؤشرات الثقافية لأوسلو التي تدعوا لوقفة جادة من قبل المثقفين والإعلاميين الفلسطينيين داخل الوطن وخارجه لعرقلة هذه المفاهيم الثقافية وتحجيمها والقضاء عليها.

sameeh_khalaf_2002@yahoo.com