التصعيد في الساحة الفلسطينية.. إلى أين؟؟
على ضوء ما جاء في خطاب الرئيس
(نظرة وتحليل)
بقلم: م. سميح خلف
في خطوات غير مسبوقة خرج الرئيس الفلسطيني محمود عباس من صمته في حملة معلنة ومتهمة وصارمة تجاه "حماس" وقيادتها حينما وصفها "قوة ظلامية تكفيرية" ربما الذي سمع خطاب الرئيس الفلسطيني لن يساوره الشك أن هذا الخطاب تصعيدي فوق التصعيد القائم في الساحة الفلسطينية الذي يحتاج إلى مزيد من التروي والحذر وإصدار الأحكام والتشريعات مستنداً إلى مواقف ضبابية لا تتضح الرؤية فيها وهذا في منتهى الخطورة ويحمل كثير من المؤشرات إلى أين تسير المسيرة السياسية الفلسطينية في ظل أوضاع معقدة لا يمكن أن يضع لها حلول "المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية"، هذا المجلس الذي أكل عليه الدهر وشرب وكثير من أعضاءه لا يعكس الحالة الفلسطينية التي تحتاج إلى مزيد من جمع القوى وتحديث "مؤسسات" منظمة التحرير الفلسطينية و"المجلس الوطني" ليعبر فعلياً عن المخاض الذي يمر به الشعب الفلسطيني.
وفي ظروف مثل تلك الظروف المصيرية التي يمكن أن يترتب عليها مصير شعب بأكمله من الخطأ أن نقول أن "المجلس المركزي" بهذه التركيبة مخول لأخذ قرارات مصيرية بشأن القضية الفلسطينية ولا يجوز الانفراد بشكل دكتاتوري بالقرار الفلسطيني حيث وقبل أن يجتمع المجلس المركزي ويناقش جدول أعماله صدر الرئيس الفلسطيني ما هو مطلوب من المجلس المركزي اتخاذه من قرارات.
جاء خطاب الرئيس الفلسطيني بعدة رسائل سياسية محدودة الأفق فلسطينياً لقد طالب الرئيس الفلسطيني بإزالة الحواجز في الضفة الغربية والرجوع إلى مناطق (أ، ب، ج) وتحاشى أن يدخل في التفاصيل السياسية كانسحاب "إسرائيل" من أراضي 67 وقضية اللاجئين وهذا ما يتوافق مع سياسة الإتحاد الأوروبي وأمريكا، أما بخصوص "المؤتمر الدولي للسلام" والذي رفضته "إسرائيل"، هل يدخل الفلسطينيين لو أقر هذا المؤتمر وهو الحال كما هو عليه أما هناك مازال مهام على الفلسطينيين ودول إقليمية أن يؤدوها مثل التركيبة السياسية والتنظيمية "لحماس" في غزة ومن هنا يدخل المجتمع الدولي في إشكالية الدمقرطة الأمريكية، "فحماس" أخذت الأغلبية البرلمانية في انتخابات حرة ونزيهة كما وصفها المراقبون وهل في السياسة ما يمكن أن يقوض الأسس الديمقراطية لو خرجت عن المنظور الأمريكي هذا ما يحدث في الساحة الفلسطينية.
مطلوب من "المجلس المركزي" أن يقر شروط الرباعية وهذا ما أثبتته حملة الاتصالات المتبادلة مع وزيرة الخارجية "الإسرائيلية" و"رئيس الوزراء الفلسطيني فياض" وكذلك حملة الاتصالات بين بوش والرئيس الفلسطيني وكوندوليزا رايس والرئيس الفلسطيني أيضاً.
عجزت أوروبا في ظل حكومة وحدة وطنية أن تقر مطالبها وهي في ذات الحال المنظور "الإسرائيلي" لحل الصراع من تحقيق أي خطوات ايجابية في هذا الاتجاه برغم استخدام كل أنواع الحصار على الشعب الفلسطيني وبشكل أو بآخر حدث ما حدث في غزة سواء من تسرع من حماس واستجابة تلقائية لمخطط طويل وعريض والذي عبر عنه الرئيس الفلسطيني في خطابه الأخير وبشكل واضح، وأريد أن أصحح هنا ما قيل عن الجندي المجهول فعندما أقيم الجندي المجهول في عام 1954، 1955 وسبابة هذا الجندي كانت تشير للشرف فإنها تشير للأرض الفلسطينية بكاملها وليس للقدس فقط بصرف النظر عن لماذا دمر الجندي المجهول هل هي لمفاهيم دينية أو سياسية وهذا يعتبر خلط ومفاهيم مغلوطة على السبب الذي أقيم للجندي المجهول فكما تعلمنا ونحن صغاراًَوكنا نسأل أبائنا لماذا تشير السبابة للشرق فكانوا يقولون لنا "إنها تشير إلى الأرض السليبة من عام 1948" أما في تفسير الرئيس فقد حور التاريخ ومفاهيمه وهو معذور ولأنه ليس من أبناء غزة الذين تفتحت عيونهم على تلك السبابة وأريد أن أدخل مداخلة هنا على الجندي المجهول في المفاهيم الإسلامية وخاصة المتطرفين الأصوليين يعتبرون الأصنام أشكال من الكفر وعبادة الأصنام ووجودها محرم وأعتقد أن وجهة نظرهم لم تكن سياسية في تدمير الجندي المجهول وبرغم ما نحمل من عواطف لهذا الجندي المجهول الذي زرع فينا روح الوطنية والصبر على حياة اللجوء ونقول للإخوة في "حماس" أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحطم الأصنام في الكعبة إلا بعد 22 وعشرون سنة من نزول الرسالة الإسلامية وهذه حكمة الرسول صلى الله عليه وسلم ولماذا لم يحطم تلك الأصنام في بداية الرسالة الإسلامية ومن هنا نستطيع القول أن الإخوة في "حماس" عجزوا عن توفير خطاب ديني وسياسي مناسب يستطيع التعامل مع كل المتغيرات والحملة الشرهة على الإسلام.
أعتبر خطاب الرئيس الفلسطيني هو خط مفتوح وبدون مقاومة لإلقاء جميع الأوراق الفلسطينية في أحضان سلة أولمرت وأمريكا بصرف النظر عن موقفنا من الإخوة في "حماس" ومدى صحة ممارساتهم الآونة الأخيرة.
والمشاهد والمتتبع للتحركات الدبلوماسية تقول أن هناك سيناريو معد للساحة الفلسطينية اشتركت فيه الرئاسة واشتركت فيه أيضا حماس بالنظر إلى النتائج الحادثة اليوم وما سيحدث في الأيام القليلة القادمة، فلقد انضم الرئيس الفلسطيني وبوضوح للحملة ضد ما يسمى "الإرهاب" وأخذ الشرعية من منظمة التحرير الواهية الدعائم كما حدث في الساحة اللبنانية وكما حدث اليوم في غزة، فلقد أعطى الرئيس الفلسطيني تصريحاً وغطاءاً لمزيد من الفتك "الإسرائيلي" في قطاع غزة وإعطاء الضوء الأخضر لتنفيذ باقي السيناريو على هذا القطاع الذي لم تتحمل تبعاته "حماس" فقط بل سيتحمل الشعب الفلسطيني هذه التبعات أيضا ولأن "حماس" تمثل في غزة حوالي 65 % من المليون ونصف فكان من الأجدر عدم قطع الحوار ولأن صراعنا مع "حماس" ثانوي وليس رئيسي فصراعنا مع الاحتلال هو الرئيسي ولكن ارتضى الرئيس الفلسطيني أن يجر بعض القوى في منظمة التحرير "العلمانية" إلى خندق المواجهة على قاعدة الخلاف الأيديولوجي مع "حماس" ومن هنا ارتكبت تلك الفصائل خطأً تاريخياً وخاصة إذا كان هذا في مرحلة التحرر الوطني فالصراع الأيدلوجي لا يمكن أن يرتقي إلى الدرجة الأولى قبل الوطن.
ومن الملامح الهامة لهذا السيناريو اجتماع القاهرة المرتقب بين أولمرت والعاهل الأردني والرئيس الفلسطيني أعتقد أن قاعدة هذا الحوار واللقاء قد تحددت في الخطاب الذي ألقاه الرئيس الفلسطيني ففي الوضع الداخلي هناك توجه للم بعض الفصائل والجماعات المنطوية تحت كتائب الأقصى بضمهم إلى أجهزة الأمن استعداد من قبل أوروبا لضخ كثير من الأموال إذاً هناك خطة أمنية يجب تطبيقها أولا ً في الضفة الغربية قبل الانسحاب "الإسرائيلي" من المدن التي من المرتقب أن تنسحب منها "إسرائيل" وهو ملاحقة رجال المقاومة واستخدام أسلوب الترغيب والترهيب من أجل القضاء على تلك الظاهرة.
في كل الأحوال القيادة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية تتحمل كافة المسؤوليات عما جرى في قطاع غزة وتتحمل كافة المسؤوليات المترتبة على تحركاتهم السياسية التي يمكن أن تؤدي بالوضع الفلسطيني للهلاك والمشروع الوطني الذي يتحدثون عنه ليس فيه انسحاب "إسرائيل" من مدن 28 سبتمبر عام 2000، ولكن المشروع الوطني الفلسطيني الذي أقرته المجالس الوطنية "كحل مرحلي" إقامة الدولة الفلسطينية كاملة السيادة على كل أراضي التي احتلت عام 1967 والقدس العاصمة، أما ما يلوح في الأفق السياسي من مواقف أمريكا و"إسرائيل" وأوروبا وما يطرح سياسياً في حل الدولتين لا يلبي الحد الأدنى من المشروع الوطني، إذاً إلى أين ذاهب الرئيس الفلسطيني ومعه "المجلس المركزي".