الانقلاب.. و"القاعدة".. و"مؤتمر شرم الشيخ".. ومؤشرات دقيقة للمستقبل في الساحة الفلسطينية والساحة العربية
(دراسة تحليلية)
بقلم: م. سميح خلف
في ظل الاتهامات المتبادلة بين "فتح" والرئاسة و"حماس" من جهة أخرى وأيهما قد بدأ بالحسم في قطاع غزة بما وصفه الطرفان بالانقلاب، تاهت الأبعاد الحقيقة وتاهت المؤشرات والدلائل لماذا حدث هذا في قطاع غزة وكيف أعد لهذا اليوم المشؤوم في حياة الشعب الفلسطيني والأمة العربية ولكي نضع أصابعنا على تلك المؤشرات التمهيدية لا بد لنا بالاستعانة بالظواهر وما كان هو يعد لمثل هذا اليوم.
1 - الخلافات والانقلابات في داخل التيار الواحد في كل من "فتح" والرئاسة.
منذ أن أقر الرئيس الراحل عرفات بوجوب وجود رئاسة للوزراء ووزارة تحت ضغط أمريكي و"إسرائيلي" برزت نية الانقلاب من رئاسة الوزراء متمثلاً في رئيس وزرائها ووزير ماليتها سلام فياض على الرئيس عرفات وكان من أهم معالم هذا الانقلاب النزاع على الصلاحيات على الداخلية وغير الداخلية ومثل تيار الوزارة في داخل حركة "فتح" بوادر نظرة انقلابية على هيمنة ياسر عرفات على "فتح" فقامت المظاهرات ضد "فتح" التي قادها "محمد دحلان" تحت عنوان "الإصلاح" ونتيجة الصراع الذي استمر عدة شهور خسر محمود عباس الصراع مقابل أبو عمار وخرج من الوزارة هو وتياره بالكامل وكان من أحد المسببات الرئيسية لهزيمة هذا التيار أمام أبو عمار الشعبية والثقة التي يعطيها الشعب الفلسطيني وكوادر "فتح" لهذا الرجل المحاصر الذي أبى أن يتنازل عن شبر واحد من فلسطين، وربما خروج عباس ومحمد دحلان ورجوب وغيرهم كان تكتيكياً فكانت المعركة والصراع يأخذ وجه أخر تحضيراً لمرحلة قادمة مطلوب فيها تغييب أبو عمار مادياً وهذا ما حدث وبشكل أو بآخر تم التخلص من الرمزية الفلسطينية والكوفية الفلسطينية والصمود الذي أعطاه أبو عمار لكل فصائل العمل الوطني، فكان أبو عمار نقطة الجمع لا الطرح.
ومرة أخرى يعود تيار أبو مازن وتعود وجهة نظره في الصراع لتحتل المواقع الرئيسية في منظمة التحرير الفلسطينية وفي "فتح"، ولا نغفل هنا الدور الأمريكي والإقليمي و"الإسرائيلي" في تكريس هذا التيار على الشعب الفلسطيني.
كان من أبرز رؤوس هذا التيار محمد دحلان المسؤول السابق "للأمن الوقائي" ومسؤول الشؤون المدنية التي تعتني بالاتصالات مع "إسرائيل" وغير "إسرائيل" نمى هذا التيار وبفعل حقن البروتين التي تم تغذيته بها من قبل أمريكا ودول إقليمية وكان مقتل دحلان في ذروته في الاحتفال بانطلاقة "حركة فتح" في ملعب اليرموك في غزة، فتوهم دحلان أن تلك الجماهير الغفيرة كلها تعطي الولاء والوفاء لمحمد دحلان، في حين أن القيادات التي عملت سواء في "الأمن الوقائي" أو "الأمن الوطني" وباقي الأجهزة تتلقى تعليماتها من قنوات خارج أوامر محمد دحلان.
تم النفخ في جهاز "الأمن الوقائي" كقوة مقابلة ومنافسة للنمو الإسلامي بقيادة "حماس" في الساحة الفلسطينية ومن أحد مهامها الرئيسية تطويع "حماس" للخط السياسي لمحمود عباس ودول مجاورة.
ربما دحلان لم يجيد قراءة الصفحات ولم يجيد قراءة الظواهر، فدحلان أصبح منافس على المستوى الإقليمي والدولي لمحمود عباس وخرجت الشائعات المغرضة أيضاً ليكتمل السيناريو على محمد دحلان بأنه هو البديل لمحمود عباس وأنه هو الرجل الأول في فلسطين والرئيس الفلسطيني مجرد واجهة فقط للعمل الفلسطيني وكانت الخدعة الكبرى لمحمد دحلان.
وبناء على مفهوم (لكل مرحلة رجالها) أعتقد أنه اتخذ قرار بالتخلص من محمد دحلان وجهازه ووضعه في محل الاتهام سواء من جانب الرئاسة أو من جانب "حماس" أي الرئيس الفلسطيني والدول الإقليمية الأخرى الشواهد تقول أنها أجمعت على التخلص من محمد دحلان وتياره في داخل "حركة فتح" ولصالح أبو مازن ووجوه أخرى تخرج من دائرة "حركة فتح"، فمطلوب في السيناريو المطلوب التخلص من "حركة فتح" ومهما أخلص محمد دحلان في عمله لصالح المنظور الإقليمي يبقى محمد دحلان رجلاً يمثل القوة في داخل "حركة فتح" وهذا لن يرضي نهج الرئيس الذي يسير عليه ولن يرضي طبيعة البرنامج الذي يمكن أن يعد له مسبقاً "لمؤتمر شرم الشيخ".
ومن هنا أتى التخلص من دحلان ورفاقه وكذلك حشر "حماس" وسنتحدث عن هذا الموضوع فيما بعد، ها هو دحلان متهم ومثل أمام لجنة التحقيق بتهمة عدم قدرة أجهزته على مواجهة "حماس" وتسليم المقرات الأمنية للسلطة في غزة، في حين أنه قد تم اتصال مع ضباط كبار وسئلوا كيف سلمتم المقار الأمنية قالوا "لم تأتي الأوامر من الرئيس أو من غير الرئيس لمواجهة حماس"، وقال آخرون "قالوا لنا أتركوا مواقعكم واذهبوا إلى بيوتكم؟؟؟؟!!!!!!".
الذي برمج هذا السيناريو اعتمد على عدم وجود دحلان وأبوشباك والمشهراوي في غزة وما أخفي كان أعظم.
ها هو دحلان متهم بأكثر من تهمة يحاسب أمام لجنة تحقيق وتنتهي صفحة دحلان ورفاقه لصالح "حرس" جديد للرئاسة وحكومة جديدة لفياض.
ومن هنا وليس دفاعاً عن دحلان هذا الرجل الذي اختلفت معه كثيراً ولحزني الشديد عليه لعدم مقدرته قراءة الصفحات بشكل جيد دحلان ضحية تآمر إقليمي وفلسطيني كما هو الحال "لحماس"، دحلان كيف يحاسب وهو يعمل في منظومة سياسة تقودها الرئاسة وتقودها اللجنة المركزية "لحركة فتح" و"اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير".
دحلان ضحية مؤامرة كبرى نصبت له ونصبت "لحماس" ستتكشف خيوط هذه المؤامرة بدأ من "مؤتمر شرم الشيخ" وإذا كان لابد من المحاسبة كيف خسرت منظمة التحرير و"حركة فتح" مواقعها في غزة فالأجدر أن تشكل لجان تحقيق للرئيس الفلسطيني أولاً و"اللجنة المركزية" ثانياً و"اللجنة التنفيذية" ثالثاً، ومن العيب أن يحقق مع دحلان ليكون كبش فداء لهؤلاء، فدحلان إذا كان لابد من التحقيق معه فلابد أن يأخذ المرتبة الثالثة في تحمل المسئولية ولكن المطلوب الآن التخلص من دحلان والتخلص من "حماس" ولينفرد الآخرون بتسوية مذلة مع "إسرائيل".
2 - صراع داخل "حماس" وصراع "حماس" في مواجهة دحلان.
منذ أن فازت "حماس" في الانتخابات والفوز الذي ألحق هزيمة مذهلة بحركة "فتح" وعلى رأسها دحلان كان لابد "لحماس" قبل أن ترفع شعار "التغيير والإصلاح" أن تبحث وتدرس كيف فازت في الانتخابات وما هي ماهية العوامل المساعدة في ذلك، كان من الصعب أن نطرح هذا الطرح على "حماس" في ذاك الوقت لأنها لا يمكن أن تستبعده ولكن ما شجعنا أن نطرح هذا الآن هو التقدم السريع في سقوط أجهزة السلطة أمام "كتائب القسام" وهنا أيضاً سؤال وعلامات استفهام يجب أن تبحث عن إجابتها "حماس" أيضاً.
نعتقد نفس السيناريو الذي أتبع مع دحلان وقيادات "الأمن الوقائي" هو نفس السيناريو مع اختلاف الوسائل والنتائج، "فحماس" عندما اقتحمت مؤسسات الأجهزة الأمنية رافق ذلك الاقتحام والانتصار المغلف بحفر وبراكين "لحماس"، شعارات ونداءات وممارسات أساءت "لحماس" وأساءت لبرنامجها وهذا ما لم تتيقن له، مما أقلق دور الجوار العربية، وعقدة "الإخوان المسلمين" لهذه الأنظمة، أما على المستوى الدولي فكان هذا ذريعة كانت تريدها أمريكا بل هي أصول المخطط لحرق "حماس" بعد أن فشلوا في حرقها عن طريق الانتخابات وعن طريق الحصار، وأذكر وكتبت مقالات في ذلك قبل الأحداث بثلاث أسابيع قام الأخ أبو علي شاهين بصب حمم نارية على "حماس" بعد "اتفاق مكة" وكان هذا مؤشر خطير على أين تتجه الأمور، وكتبت في ذلك مقال، أن الساحة الفلسطينية تدخل الآن ومن خلال مقالات أبو علي شاهين إلى مرحلة جديدة مطلوب فيها الحسم، فالوحدة الوطنية بوجود "حماس" لن تتمشى مع ما هو مطلوب في البرنامج الأمريكي القادم بل الإضافة إلى الاستفزازات الإعلامية والميدانية التي خدع بتوجهاتها دحلان نفسه ليقع دحلان و"الأمن الوقائي" و"حماس" أيضا في نفس الحفرة ولكن كل بألوان مختلفة.
"حماس" عانت من صراع داخلي أوقف بعض التيارات فيها على أبواب "تنظيم القاعدة" فكراً وممارسة وخاصة عندما قدمت "حماس" بعض التنازلات السياسية المرحلية للرئاسة وتلك التيارات طالبت قيادتها السياسية بالتصعيد مع ما سمتهم "حماس" بالانقلابيين في داخل "فتح" أو أصحاب الفلتان الأمني المنظم.
وفي كل الأحوال المواجهة التي تمت في قطاع غزة بين "قوى الرئاسة" والأجهزة، مرتب لها وهي حرب أمنية بالدرجة الأولى ولأن الحلول المطروحة فيما بعد على الفلسطينيين على المستوى السياسي لها البعد والأعمدة الأمنية فقط بالمنظور "الإسرائيلي" مقابل فك الحصار.
كان لابد للقيادة السياسية التي حملت "برنامج الإصلاح والتغيير" أن تختار بين الخيارين، إما أن تنحاز لقاعدتها ولكي لا يكون هناك مجالاً لتشكيلات "لتنظيم القاعدة" وقطع الطريق عن أي توجه وتواجه الاستفزازات المعدة من دوائر إقليمية وأداتها "الأمن الوقائي" وأجهزة أخرى، وهذا ما كانت تريده الخطة المعدة للتخلص من دحلان وقواه وعزل "حماس" وإعطائها صفة الإرهاب، وإقناع الدول الإقليمية مثل مصر والأردن بأن "حماس تشكل خطر على الأمن القومي والإقليمي" على واقعها، وكان من الأجدر "لحماس" عندما دخلت في هذا الخيار أن تكون قد أعدت خطاب سياسي ناضج للعمل فيه على المستوى الخارجي، أما الخيار الثاني الذي كان أمام "حماس" وهو مر أيضاً، وهي أن تنسى "القاعدة" والأجنحة المتطرفة، ويقود التيار المعتدل العملية السياسية مع تيار أبو مازن، والتجاوب مع هذا التيار، وهذا ما لا تريده أمريكا ودول إقليمية، وبهذا الخيار كان يمكن "لحماس" أن تتفادى مرحلياً عملية العزل وإلقاء صفة الإرهاب وإيران عليها.
النتائج المتوقعة بعد عزل غزة وعزل "حماس":
2 - التخلص من تيار دحلان كقوة كبرى لحركة "فتح" في غزة مع احتفاظنا بوجهة نظرنا في ذلك.
3 - تشكيل حكومة فلسطينية بقرار أمريكي أولاً وإقليمي ثانياً وتحديد أسماء تلك الحكومة، والغريب في ذلك أن الرئاسة تشكل حكومة طوارئ في ظل احتلال كامل للضفة الغربية شيء يدعو للسخرية ولعمق المهزلة التي يترنح بها تيار أوسلو الذي جدد جلده وحرق رجالات منه كدحلان مثلاً.
4 - مؤتمر شرم الشيخ ومؤثراته الخطرة كنتاج لهذا السيناريو المعد أصبحت القضية الفلسطينية في المزاد العلني على من يدفع دولارات لإتمام السيناريو السياسي الذي وجد له طريق من خلال أبو مازن وأطروحاته.
* المتوقع من خطوات في شرم الشيخ:-
1 - الحكم بالإعدام على "حماس" واعتبارها قوة تهدد الأمن القومي العربي.
2 - تفكيك الحواجز في الضفة الغربية والرجوع إلى مناطق (أ) (ب) (ج).
2 - أخذ ضمانات من محمود عباس بإنهاء كل مظاهر المقاومة في الضفة الغربية.
3 - القضاء على رؤوس أمنية في الضفة وتجديدها بعناصر تناسب المرحلة.
4 - الدخول في مفاوضات برعاية إقليمية تحت مبدأ الدولتين بدون الرجوع إلى قرارات الشرعية الدولية، دولة تحمل اسماً معنوياً بدون صلاحيات أمنية واسعة وبدون سلطات تشريعية وسيادية على القدس وعلى مدن الضفة.
5 - يحق للقوات "الإسرائيلية" ولأجهزة الأمن "الإسرائيلية" مطاردة كل من هو مطلوب في داخل مدن وقرى الضفة.
6 - قبول الجانب الفلسطيني مبدأ "الضفة أولاً" ومعالجة قضايا غزة ثانياً.
7 - الارتباط الأمني والتعاون الرباعي في مناطق الحكم الذاتي.
8 - الإفراج عن الأموال مشروط بتحقيق الشروط السابقة من قبل حكومة الطوارئ.
أعتقد هذه هي أهم العناصر وأهم القرارات التي يمكن اتخاذها في شرم الشيخ تم استقاؤها من تصريحات محمود عباس والتصريحات الأمريكية والتصريحات لمسؤولين في دول إقليمية.
* "القاعدة":
تدفع كل من أمريكا والدول الإقليمية و"اسرائيل" إلى مزيد من عدم الاستقرار في المناطق الفلسطينية ولسبب بسيط أنهم ممكن أن يحققوا نصراً بحصارهم لقطاع غزة ويمكنهم إضعاف القيادات السياسية "لحماس" ولكن بالمقابل وأمام الإجحاف الصارخ بالحق الفلسطيني ومشروعية نضاله وأمانيه وطموحاته لن يستطيعوا القضاء على ما يدعون من ظواهر التطرف بل سيدفعوا وبشكل مباشر إلى أن تنظم تلك الجماعات دفاعاتها وهجومها بحيث يخرج خارج نطاق الضفة وغزة.
حماس التي اختارت الخيار الأول وبقناعات قيادتها السياسية كانت تريد أن تقدم نموذج للاعتدال مع محاصرة ظاهرة الفلتان أفضل من أن تواجه الدول العربية المحيطة بفلسطين وفلسطين بحد ذاتها ظاهرة القاعدة التي لا ريب من أن تنشط وجودها في فلسطين وغيرها وهذا يتوقف على مدى تعامل "مؤتمر شرم الشيخ" مع القضية الوطنية للشعب الفلسطيني ومع "حماس" أيضاً.
طريق الحق واضح المعالم هو الرجوع إلى طاولة المفاوضات بين كافة القوى الفلسطينية بما فيها الرئاسة و"حماس" هذا إذا كان ما حدث في غزة يخرج عن نطاق التحليل السابق وإذا كانت الدول الإقليمية امتلكها الرعب بما حدث في غزة أيضا وخارج نطاق التحليل للسيناريو المعد مسبقا الأجدر بالدول الإقليمية بدل أن تدخل في معادلة خاسرة مع "تنظيم القاعدة" وفي مواجهة معه فكان عليها أن تجمع الفرقاء على قاعدة الولاء للوطن لا على قاعدة بيع ما تبقى من الوطن وإلا ما ستكشف عنه الأيام ستمتد منطقة عدم الاستقرار إلى خارج الحدود الفلسطينية ويبقى الوضع العربي أسيرا لنظرية بوش ووزيرة خارجيته وفي صدام مباشر مع قوى "القاعدة" والتي يخسر فيها الجميع وليس الشعب الفلسطيني فقط.