نوري السعيد عرض الحكم الذاتي لليهود!

نصر شمالي- سورية

الحفاظ على وحدة الضفة والقطاع في فلسطين، وعلى وحدة الأعظمية والكاظمية في العراق، وعلى وحدة الطوائف في لبنان، صار هو الشغل الرئيسي الشاغل لجامعة الدول العربية، ففي فلسطين أصبح لسان حال هذه الجامعة معبرا عن تهديدات الأمريكيين و"الاسرائيليين" للفلسطينيين: إما أن تلقوا السلاح وتعلنوا الاستسلام التام، وإلا فلا ضفة وقطاع ولا إدارة ذاتية! وهكذا اختصرت قضية فلسطين بالخمس المتبقي من أرضها والذي بقي موضوع نزاع تريد الجامعة تقرير مصيره بما لا يتعارض مع الشروط والترتيبات الأمريكية – "الاسرائيلية"!

إن الدور الذي تقوم به جامعة الدول العربية في هذه الأيام يذكرنا بالدور الذي قامت به هيئة الأمم المتحدة عام 1947، أي قبل ستين عاما، وتجدر الإشارة إلى أن المنظمتين ظهرتا في وقت واحد تقريبا، وهما من جنس واحد، حيث الجامعة منظمة دولية إقليمية تعنى بأمن النظام الدولي قبل عنايتها بالأمن العربي! ومثل هيئة الأمم تخضع الجامعة لسياسة الإدارات الاستعمارية التي خلقتها بعد الحرب العالمية الثانية، وأولها الإدارة الأمريكية.

في ذلك المنعطف الخطير عام 1947، استغلت واشنطن هيئة الأمم كـ"غطاء شرعي" لأبشع جرائمها، فكان قرار التقسيم الذي لم يكن سوى مدخل لاغتصاب فلسطين، وقد لخص وزير خارجية باكستان حينئذ الموقف قائلا: "أن من حق عرب فلسطين البالغ عددهم مليون وثلاثمائة ألف أن يختاروا نظام الحكم الذي يريدونه، وكل ما يمكن لهيئة الأمم أن تقوم به هو أن تضمن لليهود في فلسطين، البالغ عددهم ستمائة وخمسة وعشرون ألفاً، العيش بحرية في الدولة الجديدة، وقد سعينا لإحقاق الحق، لكن التيار الجارف ضيع مساعينا، ونحن لا نحقد على زملائنا المندوبين الذين بدلوا مواقفهم تحت الضغط الشديد والإكراه (الأمريكي) واقترعوا لصالح مشروع لا تقره العدالة ولا يقره الإنصاف"!

ولكن الدول العربية والإسلامية، التي كانت عام 1947 تعاني من خذلان الدول الأخرى لفلسطين تحت الضغط والتهديد الأمريكي، صارت اليوم في عام 2007 هي من تخذل فلسطين مستسلمة للضغط والتهديد الأمريكي، ولو عدنا إلى مواقف الحكومات العربية في أربعينات القرن الماضي وقارناها بمواقفها الآن لأصابنا الذهول، ففي 14/6/1943 أعدّ نوري السعيد رئيس وزراء العراق مشروعا يتضمن رؤيته لمصير المنطقة بعد الحرب، وزّعه رسميا وجاء فيه ما يلي:

"في رأيي أن الحل المنصف الوحيد لضمان دوام السلم والاطمئنان والتقدم في هذه المنطقة العربية هو أن تصرح الأمم المتحدة بما يلي:

أولاً، أن يعاد توحيد سورية ولبنان وفلسطين وشرقي الأردن في دولة واحدة. ثانيا، أن يبت سكان هذه الدولة أنفسهم في نوع الحكومة التي تتخذها هذه الدولة، سواء أكانت ملكية أم جمهورية، وأيضاً سواء أكانت وحدة أم اتحادا فيدراليا.

ثالثا، أن تنشأ عصبة عربية ينضم إليها العراق وسورية (الموحدة) فورا، على أن يباح للدول العربية الأخرى الانضمام إليها متى شاءت.

رابعا: أن يكون لهذه العصبة العربية مجلس دائم يرأسه احد رؤساء الدول.

خامسا، أن يكون مجلس العصبة مسؤولا عن الدفاع والخارجية والعملة (المالية) والمواصلات والجمارك والتعليم، وحماية حقوق الأقليات.

سادسا، أن يمنح اليهود في فلسطين إدارة شبه ذاتية في المنطقة التي يكونون أكثرية فيها، مع منحهم الحق في إدارة مناطقهم الريفية والمدنية، ويشمل ذلك المدارس والمؤسسات الصحية والشرطة، على أن تكون مؤسسات الصحة والشرطة تابعة لإشراف الدولة السورية بوجه عام.. الخ"!

لم يكن مشروع نوري السعيد هذا فريدا في نوعه حينئذ، فقد كانت الحكومات العربية جميعها تتحدث بالروح نفسها وتعرض المبادىء نفسها، وكان المندوب اللبناني كميل شمعون خير مدافع عن القضية الفلسطينية ضد قرار تقسيم فلسطين واغتصابها، ولا يقلل من أهمية تلك المواقف أن بريطانيا كانت تشجعها، أو تغض الطرف عنها مؤقتا لكسب تأييد العرب مجتمعين، وهي ترى الفرنسيين ينافسونها والأمريكيين يعدّون العدّة لكنسها من المنطقة والحلول محلها!

إن النظام الرسمي العربي يلتزم اليوم بالخطاب الأمريكي بعد أن غابت بريطانيا وغاب الاتحاد السوفييتي، وبعد أن انفردت واشنطن بإدارة العالم! لكن انقلاب الموقف الرسمي العربي من معارض للسياسة الأمريكية الصهيونية إلى مؤيد لها لم يترتب عليه أي فراغ سياسي، فقد أنتجت الأمة أخيراً مؤسساتها وهيئاتها المستقلة التي تقف ندا كفؤا للأمريكيين و"الاسرائيليين" في ميادين القتال، في العراق ولبنان وفلسطين وغيرها، وهذه الهيئات والمؤسسات المجاهدة لا تقول اليوم شيئاً آخر غير الذي قاله نوري السعيد وكميل شمعون وغيرهما في أربعينات القرن الماضي!