هل تُعالج النكبات بجلد الذات؟
نصر شمالي- سوريا
ندخل مباشرة في صلب الموضوع فنقول: لم تكن حرب حزيران 1967 سوى فصل من حرب عالمية، فقد كانت الدول العظمى هي أطرافها الرئيسة وهي المعنية بنتائجها بالدرجة الأولى، أما العرب وكذلك "الاسرائيليين"، فكانوا طرفا ثانويا ملحقا بطريقة أو بأخرى بالصراع الدولي، ولا يغير في جوهر الأمر شيئا أنهم لعبوا دور رأس الحربة وخطوط الصدام الأمامية في تلك الحرب، فالدول العربية القطرية في معظمها مجرد مناطق مدارة بحكم ذاتي، وبعضها كان في حالة تمرد وفي خضم محاولة غير مضمونة للنهوض، مثل مصر وسورية وغيرهما، أي أن الأمة بمجملها كانت في حالة ما قبل النهوض، وهي الحالة المستمرة منذ أزمنة، بمستسلميها للأمر الواقع وبمتمرديها عليه، أي أنها كانت مهزومة وكابية تاريخيا، ولا يغير في هذه الحقيقة التاريخية شيئا ذلك التضخيم الساذج للتجربة الناصرية على أهميتها وجرأتها، وللتجربة البعثية والتجربة الجزائرية فجميعها وغيرها ليست سوى محاولات للنهوض لم تنجح حتى يومنا هذا!
كانت الإدارة الأمريكية، وما زالت ، تحتل مركز القيادة الأول في النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وكان تعاظم قوة الاتحاد السوفييتي، وسباق التسلح والتوازن النووي الاستراتيجي، وما طرأ من مستجدات على هيكلية وأزمة النظام الرأسمالي العالمي، يستدعي حروبا عالمية أخرى، غير أن ذلك لم يعد ممكنا بسبب التوازن النووي، فاستعيض عن الحروب العالمية، بحروب إقليمية تتكثف وتتلخص في ثناياها وفي أهدافها جميع عناصر الحرب العالمية الشاملة، وكانت منطقتنا العربية أهم الميادين لمثل هذه الحروب الإقليمية ذات البعد الدولي، ويبدو هذا جليا في نتائج حرب 1948 التي أسست للقاعدة "الاسرائيلية" ثم حرب عام 1957 التي نجم عنها حلول الولايات المتحدة محل الأوروبيين في منطقتنا وأيضا حرب عام 1967 التي أعلنتها واشنطن وليس تل أبيب.
كانت بذور حرب 1967 قد زرعت في نتائج حرب 1956 كما هي العادة، حيث جرى الاستيلاء على مضائق تيران، وبعث الرئيس الأمريكي ايزنهاور بتاريخ 3/3/1957 كتابا يقرر فيه أن هذه المضائق المصرية أصبحت ممرات دولية! أما وزير خارجيته دالس فقد أضاف أن الولايات المتحدة سوف تعتبر كل تبديل للآمر الواقع الجديد في تيران عملا يهدد السلام ويستوجب الحرب، وهكذا عندما عادت القوات المصرية إلى تيران المصرية في أيار 1967 أعلن الرئيس الأمريكي جونسون مباشرة انه يعتبر ذلك عدونا، قال جونسون: إن إغلاق خليج العقبة في وجه "الاسرائيليين" أعطى الأزمة بعدا خطيرا، فالخليج ممر دولي وقرار إغلاقه في وجه السفن "الاسرائيلية" يمكن أن يهدد السلام! أي أن الرئيس الأمريكي هو من أعلن الحرب وليس "الاسرائيليين" الأداة، فماذا أرادت واشنطن من وراء تلك الحرب، بغض النظر عن الأهداف العربية والأهداف "الاسرائيلية" الإقليمية.
كانت الولايات المتحدة تتطلع إلى توسيع دائرة عملياتها وعمليات قاعدتها "الاسرائيلية" لتشمل البحر الأحمر وإفريقيا على حساب التواجد الطويل للأوروبيين هناك، فمنذ عام 1948 أقام "الاسرائيليون" والأمريكيون اقوى الصلات الميدانية مع حكومة أثيوبيا على سبيل المثال، غير ان ذلك لم يكن كافيا بسبب عدم توفر اتصال بحري مباشر بين "الاسرائيليين" والدول الإفريقية، وعندما نشبت حرب عام 1967 لم يقتصر ميدانها على تلك الرقعة من الأرض التي دارت فوقها المعارك، بل شمل شمال أفريقيا واليونان وتركيا وإيران وشبه الجزيرة العربية والبحر الأحمر، وقد لاحظ الملحقون العسكريون أن قاعدتي ويليس والعدم في ليبيا الملكية شهدتا نشاطا محموما طيلة الأسابيع التي سبقت الحرب، وكذلك كان الحال في إثيوبيا وإيران وتركيا واليونان وفي الظهران، إضافة إلى الأسطول السادس الأمريكي الجاهز للرسو في الموانئ اللبنانية، فهو يجول متخذا من قبرص وكريت والموانئ التركية نقاط استناد، وبغض النظر عما أضيف للكبوة التاريخية العربية الطويلة من أهوال وأثقال إضافية، فأن من أبرز وأهم ما نجم عن حرب 1967 هو إغلاق قناة السويس، فمن الذي خسر ومن الذي ربح بإغلاقها؟ لقد حرمت أوروبا من شريانها الحيوي وأصبحت تحت رحمة واشنطن تماما، إذ بينما الولايات المتحدة ليست بحاجة إلى القناة في ملاحتها التجارية والحربية، فان مئات الموانئ الأوروبية والآسيوية قد لحقت بها أضرارا كارثية حيث اضطرت لتحويل طرقها البحرية إلى طريق رأس الرجاء الصالح الطويل القديم، فكانت خسائرها المادية فادحة جدا، وقد تعزز الموقع الاقتصادي والعسكري والسياسي للولايات المتحدة إزاء الأوروبيين الحلفاء وإزاء السوفييت والصينيين الأعداء، لقد كانت نتائج تلك الحرب عالمية بالدرجة الأولى، بغض النظر عن الكوارث الإضافية التي حلت بالعرب، والمكاسب الإضافية التي حققها "الاسرائيليون"!
نريد أن نقول في هذه المساحة الضيقة أن النتائج الرهيبة لحرب 1967 فيما يتعلق بالعرب قد عمقت مأساتهم التاريخية القائمة أصلا، أما نتائجها في ما يتعلق بالدول العظمى فقد كانت هي الأساس، ولا يغير في ذلك أن العرب كانوا مادة الحرب أرضا وأمة، وبالتالي فأن اللطم والعويل وجلد الذات ليس هو الرد الصحيح على نتائج هذه الحرب أو على نتائج غيرها مما شابهها، إن الرد الصحيح هو فهم أوضاع العالم، وتركيبته وهيكلته الموحدة، وتحديد موقع العرب فيها ومنها في الماضي والحاضر والمستقبل، فمن دون هذا الفهم لا أمل في النهوض ولعل المقاومة العربية بأدائها الحالي، خاصة في العراق، تشير إلى بدايات صحيحة يمكن أن تؤسس لنهوض الأمة الكابية!.