حليفان في "مواجهة عقائدية"!

عبد اللطيف مهنا – كاتب من فلسطين المحتلة يقيم في سوريا

اولمرت في واشنطن... وفق المعتاد، إطلالات صحافية ثنائية مع بوش، وكلمات تكريمية، تصريحات، وتسريبات، وكلها تقول: إن لا شيء تغير في واشنطن وتل أبيب... لا تغيّر بالمعنى الاستراتيجي، ولا فيما يطرأ على الحركة السياسية المتبعة المشتركة لدى الطرفين في المنطقة، ولا في توجهاتها الكونية الكامنة ورائها...

لا تغيّر ما دام بوش والمحافظون الجدد في البيت الأبيض، وسيرث من بعدهم التركة الايدولوجية الثقيلة من يحل في المكتب البيضاوي، بحيث من الصعب عليه أن كان مختلفاً، أو أراد مخالفة صيرورات الإمبراطوريات، أو تهدئة جموح القوة الأعظم المنفلت من عقاله، أن يبتعد كثيراً عن ذات الاستراتيجيات، أو أن ينفض يده من تلك السياسات.

ولا تغيّر في تل ابيب، حتى ولو بدأ نجم اولمرت السياسي في الأفول، معجلةً به إخفاقاته في الحرب العدوانية الأخيرة على لبنان. أو قضت به أحكام لجنة "فينوغراد"، ذات الصلة، التي جاءت في غير صالحه... مادام المجتمع "الاسرائيلي" بطبيعته الاستعمارية الاحلالية ينحو بالضرورة يمينا منذ عقود ، وما دامت الاستراتيجية الصهيونية هي هي لم تتغير... ومنذ أن تم التخطيط لاغتصاب فلسطين قبل أكثر من قرن....

بوش لم يتغير، بغض النظر عن ما لحق بحربه الكونية على عدوه اللامرئي المسمى بـ"الإرهاب" من إخفاقات... بغض النظر عما يجري في أفغانستان، حيث العودة المتصاعدة لحضور طالبان، وتعاظم إطلالات مقاتليها المتزايدة الفعالية التي تقض مضاجع الناتو هناك، وليس الأميركان والنظام الموالي لهم فحسب... وبغض النظر عما يجري في العراق، حيث تخلف عملية "رعد الشبح" الدموية شقيقتها "السهم الحارق"، لتنعيان معاً خطة "فرض الأمن" المجيشة لها الجيوش والمستمرة منذ أربعة شهور، حاصدة فشلاً اثر فشل، ينبىء به اشتداد ضربات المقاومة العراقية، وازدياد الخسائر البشرية والمادية بالنسبة للمحتلين هناك... لم يتغير بوش وأن تعثر مشروعه العراقي، ومعه الأفغاني، وازداد رصيد الولايات المتحدة المتراكم من الكره لدى أمم العالم... وأخيراً ازدياد معارضة الأميركان لسياساته، وقد ضاقوا ذرعاً بأكلاف حروبه الاستباقية وهول مردودها على صورة بلادهم.

لنأخذ أمثلة... قال بوش وهو يرحب بضيفه، في حفل اقيم على شرفه:

" نحن في مواجهة عقائدية عظيمة "، بمعنى أن الاثنين يخوضان حرباً مشتركة وفي ذات الخندق وتحت سقف ذات الاستراتيجية ، وضد عدو مشترك أيضاً... كيف هذا وأين؟.

تحدث بوش عن الصراع العقائدي الذي يراه دائراً اليوم بين من اسماهم "المعتدلين والمتطرفين" في الشرق الأوسط، مساوياً بين هذا الدائر وبين ما كان يدور إبان الحرب الباردة التي كانت سجالاً بين من وصفها بالديمقراطيات، أي الغرب، والنظم الشيوعية، أي الكتلة السوفيتية قبل انهيارها... معبراً، عن حيرته في فهم الأسباب التي " تدفع شبانا مسلمين عرباً لتفجير أنفسهم" في أعدائهم... وعليه، دعى إلى " استراتيجية مشتركة لمكافحة هؤلاء المتطرفين في غزة وغيرهم".

وحيث يرى في حليفه اولمرت "زعيماً قوياً يلتزم أمن ونماء بلده وتقديم ظروف السلام"، قال بعد الاشادة المطنبة به:

"سأبلغ رئيس الوزراء مرة أخرى بأنني ملتزم بشدة بقضيته سواء كان ذلك في العراق أو في لبنان أو الأراضي الفلسطينية، أو أي مكان آخر في الشرق الأوسط وفي العالم"!.

اذن للضيف والمضيف قضية واحدة في فلسطين وبلاد العرب والعالم... لكن ماذا عن القضية الفلسطينية ؟!

يقول بوش بعد خمسة أعوام من إعلانه لرؤياه "النظرية"، المعروفة بحل الدولتين:

" نحن نتشارك في رؤيا الدولتين اللتين تعيشان بعضهما إلى جانب بعض بسلام وآمن هذا مهم للمعتدلين.. للفلسطينيين الذين اعتادوا الحاجة إلى شيء يطمحون إليه"!.

كان من الواضح ، وعلى امتداد الأعوام الخمسة ، أن بوش و"الإسرائيلين" يتفقان على شعار الدولتين دونما الخوض في كنهه أو مفهومه ، الأمر الذي يذكرنا بالغموض المقصود بل المفروض على العالم، حول مفهوم لشعار أميركي آخر، عمم كونياً، مثل "الإرهاب"، لكن الطريف هو اختصار قضية شعب برمته في أن "الفلسطينيين اعتادوا الحاجة إلى شيء يطمحون إليه"... ويكمل بوش، وهنا بيت القصيد، "ولإسرائيل التي تخضع لضغط سكاني سيجعل من الصعب عليها أن تحافظ على طابعها اليهودي"...

إذن ما الذي بقي ليختلف الضيف مع مضيفه عليه؟!

... ولأن لا خلاف، فليس من المهم ماذا ردّ أولمرت على بوش... لكن المهم أن ننظر لما قالاه من زاوية "اسرائيلية".. ولنأخذ امثلة:

تصف صحيفة "يدعوت احرونوت" اولمرت الذاهب إلى واشنطن بالتالي:

"اولمرت مقرون سياسياً بآلة التنفس الصناعي ، وهو غير قادر على التنفس بشكل مستقل تهدد (لجنة) فينوغراد، ولندشتراوس، وباراك ايضاً، بقطع الكهرباء عنها".

وتحت عنوان "بين الرؤيا وأحلام الصيف" تقول زميلتها "هآرتس"، معلقة على الاطلاعات الصحفية البوشية الاولمرتية وما قيل فيها:

"الأمور التي قيلت في هذا الأسبوع أمام عدسات الكاميرا لم تكن إلا تنكراً يخفي ضائقة صعبة ، اية معتدلين، وأية دولة، وأية رؤيا ديموقراطية، كل هذا مسرحية وتمثيلية: بوش يواصل وصف عباس بأنه (رئيس كل الفلسطينين)، واولمرت يثير ضحك الصحفيين الذين يصيبهم الملل عندما يصرح دون أن يرف له جفن بان (خريطة الطريق لم تمت)، وعباس أيضاً يدفع دينه لثلة الممثلين المتكلفين عندما يقول بأنه (لن يتنازل) عن غزة".

ثم يضيف: "يتوجب الإصغاء لبوش باهتمام كبير: رؤياه الحقيقية ليست إقامة دولة فلسطينية وإنما إقامة الدولة الفلسطينية الصحيحة، كما أن فهمه لأطراف الخلاف ونتائج الخلاف لم تتغير: ليس الصراع "الإسرائيلي" الفلسطيني هو الذي يغذي المتطرفين ، وإنما المتطرفون هم الذين يشعلون الصراع، وهم لن يكفوا عن ذلك إلى أن تتم هزيمتهم في العراق، لبنان، فلسطين، فإيران، فسوريا... وتكمل ساخرةً:

"بوش توقف على ما يبدو منذ زمن عن التفكير المرهق حول وضعه في نظر الرأي العام، وهو يفكر لمدى جيل او اثنين، ويتصور المنطقة بعد خمسين عاماً"!

...وتعود "يدعوت احرونوت"، لكن هذه المرة لتفكر بدلاً من بوش واولمرت في وضعهما... وضعهما، هذا الذي لا يفكران به ، وفق ما قالته "هآرتس"، قالت "يديعوت احرونوت":

"إذا سار ثملان معاً فلا يعني ذلك أنهما يسيران في خط مستقيم، رئيس الولايات المتحدة ورئيس حكومة "اسرائيل" اللذان التقيا في واشنطن ... يسيران معا وعلى نفس الخط السياسي الأمني، ولكنهما يسيران ويتآرجحان مثل السكارى.. نحن أمام شخصيتين سيقوم خصومهما السياسيون بالتنكيل بهما إلى أن يقوما بحزم حقائبهما"!.

وأخيرا أحزما حقائبهما، وهما سيحزمانها قطعا أم لم يفعلا.. أغادر "المحافظون الجدد" البيت الأبيض، ام خلف اولمر نتنياهو أو حتى باراك.. ما الذي سيتغير في إطار خطوط عريضة ثابتة لعلاقة استراتيجية بل عضوية بين الولايات المتحدة و"اسرائيلها".. علاقة سبقت قدومهما إلى السلطة وستعقبه؟؟!!

بقي أن نقول، أن اولمرت بحث المسألة الدائمة على جدول أعمال أي لقاء أميركي-"إسرائيلي".. المسألة التي ما من خلاف كان يوما عليها ... المساعدات الأميركية "لاسرائيل"!