هاني الحسن وصراع العباءات
"فتح " صنعها الحالمون، خاضها المقاومون وقطف ثمارها المنتفعون
محمد لافي "الجبريني"
كانت تصريحات الحسن أحد أوائل المؤسسين لحركة التحرير الوطني الفلسطيني- (فتح) قد أدت إلى حالة غضب عارمة بين صفوف القيادات التنظيمية للفصيل في الضفة الغربية على وجه الخصوص، التي وجهت اتهامات للحسن على اعتباره متواطئا مع ما أسموه "الانقلاب على الشرعية" في غزة، مطالبين رئيس الحركة محمود عباس باتخاذ الإجراءات الكفيلة بمحاكمة الرجل على مواقفه التي اعتبرت أنها مدفوعة من قبل قوى إقليمية، كان الإيحاء لها من القيادات والتصريح من القواعد التي سمت بشكل مباشر دولة قطر، التي تأتي في ذات سياق الهجوم الذي يشنه تيار محمود عباس على "الجزيرة" القطرية.
ليبراليو أمريكا في مواجهة محافظيها
أما ما مصلحة قطر من دعم تيار كهذا، فإن الأمر لن يكون بطبيعة الحال من باب دعم النضال الفلسطيني انطلاقا من روح قومية، بقدر ما سيكون نتيجة تحالف قطري غربي لإنتاج تيار غربي ليبرالي جديد يكون أقل جدلية ورفضا مما يسمى (تيار دايتون في فتح)، وهو يأتي – كما نفترض - في سياق المرحلة القادمة التي تشير التوقعات إلى أن القيادي الأسير مروان البرغوثي سيكون عنوانها، والذي يحظى بدعم وتوافق وطني كبير، إضافة لقبوله أمريكيا، وبالتالي سيكون الحسن وتياره من سيعزف عليهم مروان البرغوثي الذي نأى بنفسه عن الخصامات الأخيرة.
وكان هاني الحسن قد قال لبرنامج "بلا حدود" إن هناك تيارا من "فتح" يعمل تحت خطة دايتون الجنرال الأمريكي في القدس المتهم بتأجيج الأوضاع ودعم التيار الذي اتهمه الحسن، وإن "فتح" لا ترضى عما قام به، مشيرا إلى أن الحركة لم تشارك في الاقتتال في غزة، ولو فعلت لكانت النتيجة غير ما حصل، وهو صادق بذلك على الأرجح بعد رؤية الأسلحة الخفيفة والثقيلة قد هرت من مقاتليه وهي بكامل عتادها، ما يدل بوضوح على عدم قناعة المقاتل الفتحاوي بفكرة قتل أخوه في الطرف القابل تحت أي طائل، وهو يعيدنا إلى الخلف سنوات حين كانت تجري مواجهات فلسطينينة-فلسطينية حين كان القاتل يتحين الفرصة لإلقاء سلاحه والاستسلام لرفيق سلاحه عوضا عن تبادل إطلاق النار.
ودعا الحسن حركة "حماس" لعدم الشعور بالغرور بما حدث، لأن "هناك الآلاف من أبناء فتح في غزة الذين نأوا بأنفسهم عن هذه الأحداث لأنهم كانوا ضد خطة دايتون، وضد من يعملون في إطارها".
وعلق مراقبون أن ما قاله الحسن لا يشير بالضرورة بأن الرجل قد ضاق ذرعا بالفساد في "فتح" أو انه يقود تيارا رافضا فيها، خاصة وأن ما قاله بات معروفا للقاصي والداني، ولم يأت بجديد ليضيفه، بقدر ما يؤكد المعلومات التي تشير أنه بصدد إعادة إنتاج نفسه مستغلا الفوضى التنظيمية والارتباك الذي تعاني تنظيمات "فتح" في الداخل والشتات، عبر تشكيل تيار جديد يتبعه بعد تسريبات تذكر وصول أموال طائلة إلى أرصدة الحسن، المعروف تاريخيا بنهجه الأكثر قربا إلى نهج محمود عباس بتفضيل العمل السياسي على مشروع الكفاح المسلح الذي تبناه الراحل ياسر عرفات ورفاقه الخمسة المؤسسين الذين استشهد جلهم في الصراع مع الكيان.
فمن الواضح أن تصريحات الحسن ومواقفه الأخيرة، التي جاءت أيضا لمحاولة التغطية على مشروع الكونفدرالية الذي روج له قبل فترة ليست بالطويلة وهو المتهم من قبل الكثيرين على مدى المسيرة الفلسطينية طوال أكثر من أربعين عاما برجل أمريكا في "فتح"، ولكن الأكثر مواربة والأقل ضجيجاً، قد راهن على مواقف اتجاهات فتحاوية أخرى يمثلها (أبو اللطف) فاروق القدومي رئيس الدائرة السياسية، الذي رغم رفضه لانقلاب "حماس" إلا أنه لم ينس إعادة التذكير برفضه لمحاولة اختطاف الحركة من قبل تيار فيها، وعبر عن رفضه لمرسوم عباس بخصوص حل المليشيات المسلحة، لأنه محاولة للقضاء على المقاومة التي تمثل حقا للشعب الفلسطيني يجب الحفاظ عليه حتى يتمكن من دحر الاحتلال.
عباءات فتح
وفي حين أعلن عباس فصل الحسن من منصبه ككبير مستشاريه فإن ما يبدو جليا أن الأزمة قد وصلت إلى مركزيتها الأولى، وهي "فتح" التي يعلم القاصي والداني أن مشاكلها الداخلية ليست محصورة بالتنظيم بل تنعكس على عموم القضية الفلسطينية والشعب، فهي علاوة على كونها أكبر فصيل وموقدة شعلة الثورة المعاصرة فهي ليست حركة عقائدية، وإنما حركة واسعة أقرب إلى التجمع الذي يضم أشخاصاً من خلفيات وعقائد مختلفة ولها آراء متعددة، جمعها البرنامج الوطني الذي طرحته "فتح"، ويقوم على إحياء الدور الخاص للشعب الفلسطيني وتجسيد قضيته الوطنية من خلال الكفاح المسلح أولا ثم من خلال الجمع مابين أشكال العمل والنضال السياسي والعسكري والجماهيري ثانيا، ثم اعتماد المفاوضات كأسلوب وحيد لتحقيق دور الاحتلال والحرية والعودة والاستقلال ثالثا.
تعدد الولاءات داخل "فتح" يزيد من ألوان العباءات أيضا التي باتت تعتمد على صانعين وخيوط مختلفة المصادر أضعفها شكليا هو التيار الوطني الحقيقي فيها، الذي لا يدري على أي جنب يميل هو الآخر، بعد أن أعلن الرئيس حل "كتائب الأقصى" التي كانت الرهان المقاوم الوحيد الذي أبقى "فتح" على قيد الوجود جماهيريا.
ومع انفتاح التوقعات على أكثر من احتمال، فإن التيار الذي سيقوده الحسن ربما لن يتجاوز ما وصل إليه انشقاق "أبو الزعيم عطا" إلى أفرز ما سمي حينها "فتح التصحيحية" أواخر الثمانينات ليظهر ويختفي بلا بصمات، ولسخرية القدر فإن ذلك الرجل كان أيضا من المروجين إلى الكونفدرالية ومستخدما ذات الصيغ التي تتحدث عن الإصلاح وإزالة الفساد، فهل يلقي الحسن بنفسه إلى نفس الهاوية؟