المذبحة المليونية على أبواب سامراء

تسليح عشائر الشيعة، ولبس الأكفان وقطع طريقة العودة

"الفوضى الخلاقة" واستعارة كربلاء

محمد لافي "الجبريني"

يبدو أن "الفوضى الخلاقة" التي توعدت بها الإدارة الأمريكية المنطقة، في استعارة لمقولة لينكولن في الحرب الأهلية الأمريكية وما سبقها التي أدت كما يفترض إلى إنشاء الولايات المتحدة الأمريكية، لإعادة إنتاج "الشرق الأوسط الجديد" بعد أن اعترفت بصعوبة تطبيق الكبير على الأقل حاليا، يبدو أن الأمر بدأ يدخل مرحلة جديدة أكثر استعراضية ودموية ودمار بما يليق بالاستعراض الكبير لتدشين "الشرق الأوسط" وبما يليق بتدوينه في صفحات التاريخ الذي يساهم "المحافظون الجدد" بصياغته حاليا.

 

الاستعراض الكبير

العراق هو صاحب الحظ الأوفر للفوز بنصيب الأسد من الاستعراض الكبير، لاعتبارات عديدة تفضلها الخيالية السياسية الأمريكية، أهمها توفر خزان بشري كبير مقارنة بالدول التي تعاني التوتر، وتقع ضمن الحوض "الشرق أوسطي" المستهدف، وهذا ما يقربنا من توقع الانفجار القادم الذي يشير بوضوح أكثر من المعتاد إلى الطبيعة الدموية التي سيكون عليها الصراع القادم بين إيران والولايات الأمريكية وساحته الرئيسية العراق، هذه الرحلة المرتقبة من الصراع الإيراني الأمريكي في العراق يتوقع لها أن تستخدم أوراقا مكشوفة، ودماء سافرة بعد أن أعلنت إيران عبر أدواتها في العراق عن ملحمة جديدة ومعلنة التوقيت التقريب على شاكلة الهجوم الاستراتيجي السنوي الذي كانت تعلن عنه كتائب الجيش الشمالي الفيتنامي على القوات الأمريكية والمتحالفة  معها في الجنوب وتنفذه حقيقة بمختلف الوسائل القتالية، حتى صار بمثابة توقيت للمعارك التي يحشد لها الطرفان على نحو كلاسيكي كانت أهم دلائله القدرات النظامية الفيتنامية رغم تخصصها في حرب العصابات.

ففي بادرة باتت تثير أجواء مشحونة ستكون مدينة سامراء القابعة في وسط المربع السني (بغداد، تكريت، الرمادي وديالي) هدفا لمسيرة مليونية دعى إليها أهم اللاعبين الشيعة على الساحة السياسية العراقية وعلى رأسهم "مقتدى الصدر والسيستاني"، واستنفروا أتباعهم لحشد أكبر عدد ممكن من الشيعة العرب للزحف نحو مرقد الإمامين العسكريين الذي تعرض منتصف الشهر الحالي لعملية تفجير مريبة، مستعيرين الخطاب الكربلائي لتحشيد أكبر عدد من العوام الشيعة الذين سيلبسون الأكفان في إشارة واضحة إلى رفض الانسحاب تحت أي ظرف سيحدث لأبواب المدينة السنية الكبيرة.

 

تفجيرات سامراء والأيادي الخفية

وبالعودة إلى قصة التفجيرات التي تعرضت لها المراقد، فقد تسربت معلومات تشير بوضوح إلى أن العملية كانت مجرد فصل ضمن عملية استراتيجية كبرى في صراع السيطرة على بغداد، ففي روايات شهود عيان أكد سكان المدينة أن عملية التفجير جاءت بعد محاولة قوى حكومية للسيطرة على المراقد، تلك التي كانت تحت حراسة المواطنين السنة من أبناء سامراء وتكريت الذين تولوها بعد الانفجار الذي كان في شباط العام الماضي وجرت تبعاته آلاف الضحايا، وبعد رفض أهالي المدينة التنازل عن حراسة المرقد خشية مؤامرة تدبر لإشعال فتنة جديدة، جرت مواجهات مسلحة تمكنت القوات الحكومية على إثرها من السيطرة على المرقد، ويقع بعدها بسويعات التفجير الذي دق طبول المعارك القادمة بين الشماليين السنة، والجنوبيين الشيعة الذين استغلت رموزهم السياسية هذه الحادثة لرفعها كقميص عثمان وهي تنادي بالثارات.

بطبيعة الحال فإن هجوم المنصور الذي وقع مؤخرا في فندق المنصور وأردى سبعة من شيوخ العشائر السنة لم يكن خارج السياق، فالترجيحات تشير إلى أن المقصود منه تجييش السنة على الطرف المقابل، وإن كانت الصورة تشير بوضوح إلى إرادة فعلية ضبط النفس، فإن مما لا شك فيه إن حكومة المالكي بدأت تعي جديا أن مسألة استبدالها من قبل قوت الاحتلال الأمريكي باتت مسألة وقت، مما دفعها أكثر للارتماء في الحضن الإيراني، وإشعال الأمر أكثر حتى تعود أمريكا مرة أخرى للاستنجاد بالنفوذ الفارسي لكبح جماح الفوضى التي ساهمت فيها، وقامت إيران بسحب السيطرة عليها منها.

 

المذبحة المليونية

وبناء على التسريبات سالفة الذكر، فقد تم تحديد الفترة الواقعة بين الخامس إلى الخامس عشر من تموز المقبل موعدا لها بمباركة المالكي الذي أوعز لقواته الاستعداد لذلك اليوم والتنسيق المباشر مع مليشيات "الصدر" و"السيستاني" و"حزب الدعوة" وغيرهم، الذين قاموا بدورهم في حشد أبناء الشيعة العرب المغرر بهم تحت شعار المسيرة (أيام كسر الذل) الذي أشارت مصادر أن من بنوده تسليح عشائر الشيعة العرب من بني تميم والخزرج وبلد وهي القبائل المنتشرة على المحور بين بغداد وسامراء لتشكل قوات دعم وإسناد عسكري ولوجستي للمسيرة، ومما يستنتج من وقائع حدثت منذ احتلال العراق، فإن من البديهي تصور أن حادثا كبر أم صغر سيرادف المسيرة سيكون شرارة اندلاع المعارك التي سيكون وقودها الملايين من أبناء الشعب العراقي سنة وشيعة، على خلاف تفجيرات ألفين وستة التي كان قتلاها يعدون بالآلاف، وهو ما سيؤدي إلى واقع جديد في الصراع الذي يستهدف بالأساس المقاومة العراقية في تحالف ضمني بين القوتين المتصارعتين أمريكا وإيران، قبل أن تنتقل المواجهة إلى الحرب الكبرى المباشرة، بعد إشغال الساحة الخلفية للعدوين بالصراع الداخلي الذي سيدفع ثمنه العراقيون أولاً والعرب عموما.