النفط العراقي

محمد علي الحلبي - سوريا

لكي نثبت أن المصالح وحدها هي التي تقرر السياسات العالمية وتحديداً للدول الاستعمارية قديمها وحديثها،بل إن التحالف يتوطد بين قدامى المستعمرين-فرنسا وإنكلترا...... - وبين المستعمر الجديد - الولايات المتحدة الأمريكية - المتجدد دائماً وأبداً شأنه شأن القديم، شعارات براقة وعناوين مغرية تحوي في مضامينها وتنفيذاتها كل أنواع الدناءة والخسة إلا النذر اليسير مما سميت به، والأساليب الاستعمارية القديمة عادت للظهور ثانية فلم يعد يكفي النهم والجشع وما سمي في مرحلة من المراحل بالاستعمار الاقتصادي، بل برزت عودة إلى الأسلوب القديم من هيمنة احتلالية وتدمير للثقافة،ومحاولات محو لذاكرة الشعوب فكل الطرق الدنيئة بمجموعها أجازها الاستعماريون لأنفسهم ولجيوشهم ولمخابراتهم ولعملائهم،والعراق اليوم الصورة المعبرة عن مأساة تكالب المصالح الإقليمية والدولية والرمز لها النفط، وعلى أهمية النفط العراقي ودراسة التوجهات المستغلة له والحذر منها والتصدي لها إلا أن الدراسة تعطي المؤشر الجلي الواضح لما يراد للمنطقة العربية جميعها العائمة فوق بحر من النفط،ومن هنا تتأكد أهمية وضرورات التصدي القومي العربي لهذه المخططات لا عن إيمان عميق فقط بالجانب القومي، بل حفاظاً على مصالح الشعب العربي في جميع أقطاره، وتلك هي بدايات متجددة للعمل الوحدوي وعزل للفئات المتآمرة على حقوق الوطن والأهل.

الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر إبان تسلمه جائزة نوبل للسلام عام2002- كان ذلك قبل الاحتلال- وخلال مؤتمره الصحفي سخر من الذين يعتقدون أن سياسة أمريكا تجاه العراق مبنية على المصالح النفطية، إنما الرأي المعاكس لرأيه مثبت في وثائق وأحاديث وتصريحات تظهر في وسائل الإعلام، فمجموعة تطوير السياسة الوطنية للطاقة والتي تضم مديري كبريات الشركات الأمريكية العاملة في مجال الطاقة الحكومية أوصت وفي اجتماع لها في آذار 2001 بدعم مبادرة بلدان الشرق الأوسط لفتح جزء من قطاع النفط لديها أمام السيطرة الأجنبية، ووزير الخزانة الأمريكي قال: "إن الولايات المتحدة الأمريكية سوف تتحمل نفقات الحرب على العراق مهما كان الثمن باهظاً، وإن لم يدعمها أحد لأن أهمية هذه الحرب تفوق مخاوف تكاليفها" والأهمية المستنتجة تحقيق الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة ومن ضمنها السيطرة على النفط، وجيمس بول المدير التنفيذي لمنتدى السياسات العالمية يوضح جزءاً من الغنائم التي ستُُحصّل قائلا ً: "إن السيطرة على النفط العراقي ستؤدي إلى زيادة الإنتاج وبالتالي خفض الأسعار وتؤدي إلى ربح 29 دولاراً للبرميل الواحد وهذا سيثبت الاستحواذ على تريليونات الدولارات من النفط، وإنه لشيء كثير يستحق الحرب" والمستشار الأمريكي ريتشارد بيرل - من مجموعة المحافظين - وفي رسالة له إلى رئيس جهاز استخبارات عربي وقبل اندلاع الحرب بأيام بيّن أن النية الرسمية للبقاء في العراق فترة من الزمن تقدرها الرسالة بسبع سنين حيث سيتولد وبرأيه مناخ ملائم، وإدارة عراقية محلية ملائمة، وعلاقات إقليمية بين هذه الإدارة والجوار الجغرافي من أجل أن تعلن الحكومة الجديدة عن علاقات جيدة مع الشركات النفطية مما يؤدي إلى خصخصة القطاع وأن تصبح إدارته بيد الشركات، بل ويؤكد هذا الرأي والتوجه "بول هربرت" وفي مقال له في صحيفة "نيويورك تايم" حاذفاً من الرأي السابق فقط مدة البقاء ليتركها طويلة الأمد يقول: "إن الدافع الرئيسي من شن الحرب فيما يبدو هو الحفاظ على وجود عسكري دائم وطويل الأمد في العراق بغية ضمان سيطرة الولايات المتحدة على منطقة الشرق الأوسط الغنية بالاحتياطيات النفطية".

والرأي الرسمي الواضح تعبر عنه السيدة "كلير شوت" وزيرة التنمية البريطانية السابقة إذ تقول عن بقاء القوات الأمريكية والبريطانية: "إنهم يريدون التحكم في الخليج وتحديداً بالثروات البترولية لهذه المنطقة". وللتأكيد فوزير دفاع استراليا المشاركة قوات بلاده في الاحتلال والأذى والضيم كشف مؤخرا وبجلاء ومنذ أيام قريبة أن بقاء قوات التحالف من أجل النفط فقط.

كل ذلك من توجه مدراء الشركات النفطية إلى ما نقل عن مسؤولين في مراتب مختلفة برسخ حقيقية أن النفط هو الأصل والطمع هو الدافع والأكاذيب الأولى - أسلحة الدمار الشامل - الخطر على الأمن القومي - وآخرها الكذبة الكبرى الديموقراطية والتي أراد تسويقها الرئيس الأمريكي، والغريب أنه ما زال يتفاءل يوماً بعد يوم ببرامجه ومخططاته التي ثبت فشلها، بل وبدأ فشل التعديلات عليها فكان تعريفه للديموقراطية "موضته واختراعه" من نوع جديد والنموذج الأمثل لها "إسرائيل" وستقوم الديموقراطية ولو اعتراها العنف واستمر.

إن الحقيقة الأكيدة المؤكدة والثابتة هي الاستراتيجية الأمريكية للمنطقة العربية والتي هيأت لها مراكز الأبحاث والدراسات وقررتها الاحتكارات النفطية واحتكارات السلاح وأسواق المال وتبناها،وعمل على تنفيذها المحافظون الجدد وجلهم ممن عمل في هذه الشركات،وتتلخص أسسها:

1 - السيطرة على النفط.

2 - دعم "إسرائيل" ومحاولة إبقائها قوة توازي مجموعة القوة العربية، بل تتفوق عليها.

3 - إضعاف المنطقة بكل الوسائل وحتى محاولات محو تاريخها وإرثها الثقافي ومعتقداتها الدينية، وتعميم الانقسام والفرقة.

وانطلاقاً من هذه الثلاثية اعتبر مسؤول أمريكي الرئيس الراحل "صدام حسين يشكل تهديداً للأمن القومي"، وسؤال يطرح النفط العراقي مثل هذه الأهمية ليصبح محور ومركز اهتمام القوة الغازية الأمريكية؟!، وفي عودة للماضي لتتبع المواقف حول هذه الثروة الهائلة الوطنية منها والطامعة فيها نرى أن الاقتصاد العراقي يعتمد على النفط بالدرجة الأولى، وبدأت صناعته عام 1925، وبعد عامين بدأ إنتاج حقل كركوك تتالى بعده إنتاج الحقول الأخرى، وعمدت الشركات الأجنبية المستثمرة قبل عام 1972 إلى معاقبة العراق بإتباع سياسة الحد من إنتاجه والتقليل من حصته في الأسواق خاصة بعد ثورة 14 تموز 1958 مما دفع الحكومة العراقية لسن قانون عُرف بقانون الاستثمار المباشر وكان ذلك في عام 1961 ورقم القانون (80( وبموجبه انتزعت من امتيازات شركات النفط حق التنقيب على كل الأراضي العراقية وتم حصرها في مناطق عملها،وجعل العراق المستثمر الأول والوحيد للثروة النفطية، لكن الحل الوطني الأمثل كان في عام 1972 عند تأميم النفط وإعادة عوائده بكاملها للعراق والعراقيين، فكان أن وصل إجمالي العائدات النفطية العراقية عام 1989 إلى 14.5 مليار دولار شكلت بمجموعها 99% من دخل الصادرات، وهبط الرقم في عام 1990 إلى 10.535 مليار دولار منها 99.5% من النفط يومها كانت حصة استيراد الولايات المتحدة 28% من الكمية أي ما يعادل تقريباً الثلث وباقي الثلثين لجميع أنحاء العالم، لكن وفي عام 2001 ورغم كل الظروف الصعبة والحصار وصلت العائدات إلى 15.14 مليار دولار من أصل صادرات إجمالية تصل قيمتها 15.94 مليار دولار،والمعروف والثابت علمياً أن احتياطيات النفط تصل إلى حوالي 112 مليار برميل مما يجعل العراق ثاني أكبر خزان معروف عالمياً، وخبراء النفط وبحسب تقاريرهم يؤكدون أن 80% من نفط العراق ما يزال غير مستكشف ولذا يقدرون أن ما يمكن استخراجه مستقبلا يقدر احتياطيه بأكثر من 360 مليار برميل، وذلك يعني أن بقاء الإنتاج على معدلاته الحالية أي أقل من "مليوني برميل" قبل الغزو وهذا غير متوقع فإن معدل الإنتاج للطاقة المتاحة سيستمر لمدة ثلاثة قرون ونصف،والعراق بقدراته الحالية وبمعزل عن الظروف الأمنية والسياسات المطبقة بإمكانه أن يوصل الطاقة الإنتاجية إلى حوالي 6 ملايين برميل يومياً، ذلك ما يجعله أكبر منتج للنفط في منظمة "أوبك".

هذا الواقع وهذه الحقائق والأرقام والتقديرات والأماني تدفع بكل المغريات للسيطرة على مكامن هذه الثروة الهائلة التي انعكست على دخل الفرد المواطن فكان خلال عقد الثمانينات يتراوح بين 4000 – 5000 دولار بينما المحظوظ حالياً وفي هذا الزمن الرديء من يصل دخله إلى 800 دولار، وتقرير التنمية العربية صنف العراق إبان الاحتلال في المرتبة الأخيرة عربياً ورقم 110 عالمياً من أصل 111 دولة من حيث المستوى المعاشي للفرد، وعدد العاطلين يبلغ حوالي عشرة ملايين مواطن منهم (400000) ضابط وجندي سرحوا من الجيش إضافة إلى حوالي أربعة ملايين لاجيء رحلوا عن بيوتهم إلى أراض عراقية أكثر أمناً أو إلى بلدان مجاورة وحتى إلى بلدان بعيدة أوروبية.

ذلك يؤكد لنا وبلا مواربة أن أمريكا تسعى جاهدة لتحقيق استراتيجيتها بنهب النفط وعائداته والمليارات المهدورة زمن الحاكم الأمريكي بريمر وبعده،والفساد المنتشر، وسطو الميليشيات على جزء من الإنتاج وبيعه لحسابها، الغرض منها جميعها تحقيق الكثير من هدف الإضعاف الغاية الثانية وخاصة بعد حل الجيش العراقي الذي كان يُعد من القوى العسكرية الهامة عالمياً وإثارتها لعوامل التفرقة الاجتماعية، والغاية الثالثة لابد من تناولها بحثاً وهي مصلحة "إسرائيل" من هذه الحرب والفوائد العائدة عليها مما جرى ويجري على هذه الأرض العربية.

إن التحالف الاستراتيجي الأمريكي - "الإسرائيلي" شامل وجامع لكل الجوانب العسكرية والسياسية والاقتصادية، وفي الإطار التنفيذي وفي عام 1975 وقعت أمريكا و"إسرائيل" مذكرة تفاهم تضمن فيها الولايات المتحدة كل احتياجات "إسرائيل" النفطية في حال حدوث أزمة،والمذكرة تتجدد كل خمس سنين وتلزم الولايات المتحدة بموجبها بإنشاء وتخزين احتياطي استراتيجي إضافي بقيمة توازي ثلاثة مليارات دولار في عام 2003، وأقر تشريع أمريكي أيضاً يعفي الحليف من القيود المفروضة على صادرات النفط الأمريكية، وعند بدء الاحتلال بدأت أحاديث للمسؤولين أمريكيين و"إسرائيليين" عن ضرورة إحياء وإعادة خط أنابيب الموصل - حيفا، والاحتلال وبكل آثاره السيئة ومخلفاته العفنة يصب في مصلحة العدو من إنهاء للقوة العسكرية العراقية وتدمير لبناه في جميع أشكالها،ونشر الفساد فيه وإضعافه وإفقار أهله.

والسؤال الكبير والهام، كيف رسم ونفذ البند الأساسي والغرض الأول للاحتلال وهو النفط؟!.... والإجابات الواقعية تترى الواحدة تلو الأخرى فالحاكم الأمريكي السابق "بريمر" ألف كتاباً بعنوان (أيام حكم العراق) قال فيه: "أنه أبلغ البنتاغون بشكل رسمي وشخصي لوزير الدفاع رامسفيلد ومساعده وولفوفيتز بأن احتلال العراق يحتاج إلى بسط النفوذ الأمريكي بشكل أوسع وأكثر بكثير مما أوصى به الخبراء قبل الاحتلال"، وبالتأكيد فهو مدرك لمعنى بسط النفوذ في مجال العسكري وعلى كل الأنشطة الهامة، وذاته وفور تسلمه مهمته حلّ الوزارات جميعها عدا وزارة النفط التي حميت أبنيتها ومرافقها ووثائقها، ومنذ الاحتلال بل حتى ما قبله قدم الكثير من المسؤولين الحاليين العملاء أوراق اعتمادهم والتي تحمل عنواناً واحداً وهو خصخصة النفط فكانت مكافأتهم تسلمهم المناصب الأولى في وزارات رئيسية وأساسية وعن ذلك كتب الباحث البريطاني "كريك مونيك" مشيراً إلى الخطة المبكرة التي وضعتها الحكومة العراقية الأولى بعد الاحتلال تتضمن:

1 – تخصيص 63 مكتشفاً وغير مطور من أصل80حقلا ًنفطياً إلى الشركات الكبرى.

2 – إبقاء 17 حقلا ًمكتشفاً ومطوراً وهي الحقول المنتجة حالياً تحت سيطرة شركة النفط العراقية وتنفيذ عملية خصخصة جزئية لهذه الحقول.

ولمزيد من سحق المواطن العراقي وإفقاره عمدت الحكومات العراقية إلى تخفيض الدعم المقدم لاستيراد المشتقات البترولية بصورة حادة بناء على ضغوط صندوق النقد "الأمريكي" الدولي، فخلال عام 2007 وصل الدعم إلى 700 مليون دولار لدعم استيراد النفط الأبيض بينما وصل عام 2005 إلى 4.5 مليار دولار، وعام 2006 إلى 2.6 مليار دولار، يقابل هذا التطبيق الجائر على المواطن البائس الأحوال، هدر ونهب لثروات البلد،وعقود إذعان بمبالغ عالية مع الشركات الأمريكية، والجهة الوصائية المحاسبة والعارفة والقابضة للثروة النفطية والتي تحول ما تريده لحساب العراق هي قوة الاحتلال، ويتابع المنهج ويعد قانون النفط الذي أقرته الحكومة الحالية بإشراف أعداد من خبراء الشركات، و"صندوق النقد الدولي" وسلطة الاحتلال وفيه بنود تخصص للشركات نسبة تبلغ 75% من الإنتاج لمدة تتراوح من 15 – 30 سنة حسب الطاقة الإنتاجية، ومن صاغ الدستور الأخير والذي جرت الانتخابات البرلمانية بموجبه تقصّد أن ينتابه الغموض في الصياغات حول طبيعة ملكية وأسلوب ضبط عائدات النفط،والذين صاغوه أرادوا كسب أكبر نسبة من المؤيدين، ومشروع القانون الآن معروض على البرلمان، وتلح أمريكا وتضغط من أجل الإسراع بإصداره يؤيدها في ذلك عدد من العملاء والمنتفعين ناسين ومتناسين مصالح الأمة والوطن، والمثالب الكثيرة فيه من تضييع لهذه الثروة دفعت بالعديد من النواب للحديث عن تصويت سري عليه حتى لا يعرف من صوت بالموافقة عليه، ومع كل الغبن للعراقيين في مواده، فثامر الغضبان "مستشار رئيس الوزراء لشؤون الطاقة" يوضح أن الملاحق المضافة له سوف تحدد إلى من تؤول السيطرة على حقول النفط وكيفية التفاوض على العقود مع الشركات الأجنبية، وهذه القرارات سيتخذها المجلس الاتحادي للنفط والغاز بعد مصادقة البرلمان غلى القانون.... إذاً هناك تضليل وتمييع وتضييع بل وحتى صياغات مبهمة للموا د والإجراءات والملاحق التي تتيح إمكانية تجاوز نصوص القانون السيئة نحو الأسوأ والتي عرتها وكشفتها الدراسات:

1 - إعطاء الحق لحكومات الأقاليم بعقد اتفاقات نفطية مع الشركات الدولية لكنها ملزمة بعرض العقد على اللجنة الفيدرالية للتصديق عليه و اللجنة ملزمة أن تصدر قراراتها بالإجماع، وإن فشلت اللجنة في اتخاذ قرار المصادقة يصبح العقد نافذاً بعد 60 يوماً، ورغم قساوة النص وبُعده عن وحدة العراق أرضاً وشعباً وحتى بعده عن مركزية القرار في مثل هذه المواضيع المهمة وطنياً، فقد نبّه الكاتب "ديفيد فرنسيس" في صحيفة "كريستيان سانيس مونيتور" وبدافع من ضميره إلى "أن قانون النفط الجديد وحرية العقود الفيدرالية، وانقسام الحقول الحالية، وتوزيع العوائد وفق نسب مقررة أبدى تخوفه من القلق من احتمال قيام شركات النفط الأجنبية بمحاولة الحصول على شروط أفضل من خلال تحريض المحافظات بعضها ضد بعض".

2 - مشروع القانون لا يلزم الشركات الأجنبية باستثمار ولو جزء من أرباحها في الاقتصاد العراقي أو الدخول في شراكة مع الشركات العراقية.

3 - الموارد النفطية التي تشكل 95% من موارد العراق كما ذكرنا ستوزع على الأقاليم والمحافظات بصورة تتناسب مع توزيع السكان، ذلك يعني أن الحكومة المركزية لن تجد تمويلا ًاتحادياً لعمليات إعادة الإعمار وخطط التنمية الشاملة، وبالنتيجة أن الأقاليم هي من سيقوم بهذه المهمة، إنه مزيد من إضعاف للمركز،وتكريس للتجزئة والانفصال.

ومن هذه المنطلقات يحرض بعض القادة الأكراد على ضم كركوك النفطية إلى إقليمهم، و"الرئيس" جلال الطالباني يستقوي بموافقة سفراء الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا لضم كركوك، غير آبه برأي أهل العراق بمجملهم، بل أهل كركوك ذاتها، ومن ذات التوجه الانفصالي يعترض وزير نفط كردستان "آشتي هوراني" على المشروع رغم كل الميزات الإقليمية فيه فهو ينتقده بشدة لأنه وبرأيه مخالف للدستور، ويصر على أنه سيتابع العمل على تنفيذ العقود التي أبرمت مؤخرا من قبل حكومة الإقليم، وهو يمثل ويعمل على تنفيذ اعتراضات حكومته على إعطاء حق السيطرة على حقول نفط الشمال الواقعة ضمن الإقليم إلى الحكومة المركزية، ويرفض مبدأ أن تشرف الحكومة المركزية على إنتاج النفط وبيعه واستلام عائداته، وإعطاء الأكراد حصتهم بينما يعكس التوجه والاتجاه فهو يريد إشراف "حكومته" على حق الإنتاج والبيع، واستلام العائدات واقتطاع حصة الإقليم ومن ثم إعطاء الحكومة المركزية حصتها...... وبينما هذا الجدل المتمادي والممزق والمفرق الموجه الرئيسي لهذه التركيبات السياسية المخطئة المجرمة بحق العراق بمجمله فأوضاع المواطنين العراقيين تسير من سيء إلى أسوأ،ذلك ما خلصت إليه دراسة الجهاز المركزي للإحصاء العراقي بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنساني مبينة أن نسبة عالية من العراقيين يعيشون في مستويات متباينة من الفقر والحرمان مظهرة الفارق والتباين الكبير بين ما تحقق في عقدي السبعينات والثمانينات، وما وصلت إليه الأحوال حالياً......

لقد أصبح مشروع القانون السيء الذكر بين أيدي ممثلي الشعب - كما يسمون - والشرفاء منهم معقد الرجاء في رفضه بكليته وهو الأصح والأفضل، أو بإجراء تعديلات تلغي الميزات الهائلة المقدمة للشركات الأجنبية وتتوجه لتدعيم مركزية القرارات ودعم وتطوير لشركة النفط الوطنية العراقية لنحافظ على ثروة الوطن وحتى لا تكرس مثل هذه القوانين ما أرادته أمريكا و"إسرائيل" من تقسيم للعراق بل ولكل أقطار الأمة العربية، والكاتب الأمريكي "زيني" المختص بشؤون الاقتصاد يقول: "إن المهم بالنسبة لعقود النفط هو مضمونها وليس مسماها، ومهما اختلفت التسميات فإن الخوف من تفشي الفساد الذي يمكن أن يؤدي إلى التلاعب في العقود وإضاعة جزء كبير من المورد الرئيسي في البلاد"، إلا أن الدكتور آ. إن. الحاجي أستاذ اقتصاديات النفط بجامعة "أوهايو نورثون آيدا" يشدد على بطلان هذا القانون في حال إقراره اعتماداً على القوانين الدولية قائلاً: "إن القانون لا يعني شيئاً على الأرض والنزعة الوطنية في الدول الغنية بالنفط تزداد إثناء وبعد الاحتلال الذي يتم على أيدي قوة أجنبية"، وفي رأيه أن العقود الموقعة تحت الإكراه غير ملزمة قانونياً وهذا ما أخذت به المحكمة الدولية في لاهاي في خمسينات القرن الماضي عندما أمم النفط الإيراني ورفعت الشركات البريطانية دعاوى على إيران وخسروا الطعن، ويؤكد أنّ الحاجة في استعجال الموافقة على مشروع القانون يعكس مدى حاجة "الحكومة العراقية" وحكومة بوش أن تظهرا للعيان أنهما قد حققتا بعض النجاح.

والأمل الأخير والثابت الدائم، وتلك أصولية وجودية ثبتت ماضياً وستثبت حاضراً إنها المقاومة العراقية الباسلة التي ستلغي وتنهي الاحتلال ونتائجه وتوابعه من الأفراد وجميع مخلفاتهم، والحكمة تقول: "السياسة فن الممكن والمقاومة فن المستحيل".

فلندعم جميعنا ولننتصر لهؤلاء المناضلين أعز بني الدنيا وأنبل بني البشر، ونداء من أعمق.... أعمق قلب كل إنسان عربي إلى أعضاء البرلمان أن يرفضوا القانون وبذلك يتألق شرف وطنيتهم وعزتهم مثبتين أصالة هذا الشعب العربي وانتمائه، لكن من أبعد شرفه وشرف وطنه عنه وصوّت لصالحه، وساهم في إفقار العراقيين وتقسيمهم يكون قد استحق أن يصنف مع الأعداء وحسابه لدى المقاومين الذين أعلنوا صراحة بحتمية قدومه في المستقبل العاجل لا الآجل، يومها لا ينفع الندم ولا تنفع الندامة.