الرمز و"حماس"

محمد علي الحلبي - سورية

عندما يمتزج الألم بالأمل ويتحّدان تولد البطولات وتخلق الكلمات العاشقة لها، تذكرت ذلك وأنا أتجول بين الأحرف أبحث عـن شيء يغمر وجودي كـله رجاء وسعادة وتطلعاً لغد مشرق لابد أنه آتٍ، ووجدت ما أبحث عنه فـفي يـوم 20 تشرين الثاني سنـة 1935، ردد الفلسطينيون:

عـزّ الدين يا مرحوم / موتك درس للعموم

آه لـو كـنـت تــدوم / يـا رئيس المجاهدين

عـزّ الدين يا خسارتك / مـتّ  فــدا  أمــتـك

ميـن بينكر شهامـتك / يـارئيس المجاهدين

إنها تعابير الحب العفـوية البسيطة لأهالي حيفا وهم يشيعون شهيدهم الشيخ عز الدين القـسّام، لقـد حوصر مع رفاقـه في أحراش قـرية "يعبد" وطلب منهم جميعهم الاستسلام فـردّ القـسّام "إننا لن نستسلم، إننا في موقـف الجهاد في سبيل الله"، ثم التفـت إلى رفاقـه وقال: "موتوا شهداء في سبيل الله خير لنا من الاستسلام للكفـرة الفـجرة"، ودارت المعركة لساعـتين استشهد بعدها، وفي نهاية المعركة اكتشف البوليس مع الشيخ مصحفاً وأربعة عـشر جنيهاً ومسدساً كبيراً، ومن روى هـذه الواقعة الشيخ نمر السعدي الجريح الذي نجا.

والصور والحكايات تتوالى لتعبر عن أصالة الأمة العربية ومعتقـدها وقـيمها، الشيخ المولود في بلدة "جبلة" السورية والقـريبة من اللاذقـية عام 1871 جاء إليها جدّه الشيخ مصطفى من العراق - وهو من أتباع المدرسة النقـشبندية الصوفـية -  ليقـيم فـيها واستقـر بها هو وأسرته، كبر الشاب ورحل إلى مصر ودرس في الأزهر وكان من عـداد تلاميذ الشيخ محمد عـبده. وعاد إلى سورية عـند انتهاء دراسته وعـمل مدرساً في جامع السلطان إبراهيم، يومها كانت المساجد والكتاتيب أماكن للعلم والتعليم، والمؤمن المناضل يقـوم بعمله التدريسي، وإرشاد الناس إلى طريق الهداية والنور..

ومن خلال إيمانه العميق بالواجبات الجهادية التي حمّلها الله لعباده يسارع وفي عام 1911 وعندما احتل الإيطاليون ليبيا إلى جمع التبرعات والمتطوعـين في بلده من أجل مساندة عـمر المختار لكن السلطات التركية لم تسمح للمتطوعـين بالسفـر، فـسافـر مع رفـيق له وسلّم التبرعات التي جمعها للمختار ثم عاد ثانية إلى سورية.

وتزداد ضراوات الاحتلالات والانتدابات فـفـرنسا وبعيد انتدابها على سورية مارست كل أنواع القهر والظلم والاستعباد فكانت المقاومات لاحتلالها ومنذ الأيام الأولى له، فـفي عام 1930 اشتعلت الثورة ضد الفـرنسيين فـشارك الشيخ الجليل بها، ويرشده الله ليبدع لنا حكاية في الأثرة وحب الأمة فحفـيده أحمد محمد عزّ الدين القـسّام والذي يعمل نائباً لمحافـظ جنين نقـل عن لسان جدته الفاضلة أمينة النعنوع قـبل وفاتها أن جده انتقـل للعمل المسلح في اللاذقـية فور إقـرار الانتداب الفـرنسي ولمّا ضيق الفـرنسيون الخناق عليه انتقل إلى حيفـا وقالت: "إنه لم يكتف هو وشقـيقه من المال الذي معهما بل أعاد أخاه إلى جبلة لبيع منزلهما وإحضار المال للغاية ذاتها".

رحـلة عمر رائعة بكل جوانبها أمضاها الشهيد البطل، فـلقـد حاولت السلطة الفـرنسية شراءه وإكرامه بتوليته القـضاء شريطة أن يتوقـف عـن الجهاد والـدعوة له، لكنه رفـض وحكم عليه بالإعدام ولجأ بعدها إلى حيفـا في 5 شباط 1932 وفـوراً بدأ بالإعداد للـثورة لمقاومة الانتداب البريطاني والصهاينة وحث الشعب للمضي على هذا الطريق، وساعده بذلك الشيخ كامل قصاب (سوري) والشيخ هاني أبو مصلح (لبناني).

والمؤرخ أيمن سعيد يبين كيف أن المنضمين إلى جانب القـسّام كثروا وكان منهم حسن الباير من قـرية "بلقـيس" وفي إفـادته أمام البوليس قال: "أنا حسن الباير كنت أرتكب المحرمات فجاءني الشيخ عزّ الدين القـسّام وأخذ يهديني يوماً بعد يوم ويعلمني الصلاة، وينهاني عن مخالفـة الشرع وعن كل منكر أمر الله باجتنابه وبعد مدة أخذني إلى جبال المنطقة وهناك أعطاني بندقـية فـسألته لم هـذه؟ فأجاب لكي تتمرن عليها وتجاهد مع إخوانك المجاهدين في سبيل الله".

لقـد عرفـه سكان حيفـا بأنه شيخ محمود السيرة في تقـواه وصدقـه ووطنيته وبعد استشهاده - وفي يوم 9 كانون الأول 1935 - أقام أهلها اجتماعاً كبيراً اتخذوا فـيه قـرارات بالـثناء على القـسّام ورفـاقـه المجاهدين وحث الشعب على المضي على طريقهم.

ويكمل التاريخ حركته والـتآمر الغربي يقـيم الكيان الصهيوني، وتكثر هجرة الصهاينة وتتوسع احتلالاتهم، ويزداد الألم وتزداد الأماني وتتوالد البطولات منظمات فـدائية - عمليات جهادية - مقاومون - استشهاديون - ويصرخ الأعـداء إنه الإرهاب، وتخلق الكلمات العاشقـة لهم فـتكون الأغنية والشعر والزجل، وتضج الكلمة على شفـاه المضطهدين وتنادي:

مؤامرة.. مؤامرة

لنسقـط المؤامرة.. لنسقـط المؤامرة

ولنقـطع الـيد المتاجرة

بلحم شعبنا بجرح أرضنا

لنسقـط المؤامرة.. لنسقـط المؤامرة

لن تجلدوا بالقـش ساعد العواصف المدمرة

لن تشنقـوا حناجر البنادق المزمجرة

 

وتكمل الرائعة الأخرى

 

شمس الدم على جبالي

تحضن زهرة زلزالي

وأنا برصاصي بتحداك

توقـف يا عـدو قـبالي

ولا تخطي المية وشرق

ولعوا النار بها الخيام

وارموا كرتونة التموين

لا صلح ولا استسلام

بسلاحنا نحرر فلسطين

والأمل يكبر مهما بعـد الزمن به و البطولات تكثر

يا صحابي

لا يهم المقـاتل حين يضحي

أن يرى لحظة الانتصار

سأرى لحظة الانتصار

سأراها بعيني رفـيقي

دمي الآن خيط شروق

فأضيئوا الطريق بناري

والوصية دائمة دوام الاحتلال والاغتصاب

أنا إن سقـطت على التراب

مسربلاً بكِ يا جراحي

وتدفـقـت منكِ الدماء

ومال في جبيني سلاحي

وتخطفـت جسدي الطيور

الحائمات على البطاح

هـذا طريقي في الكفاح

فـيا أخي أكمل الكفاح

أنا إن سقـطت فلست أول من يموت

ولست آخـر من يموت

يا إخوتي  يا إخوتي بدمي أخط وصيتي

فـلتحفـظوا لي ثورتي بدمائكم

 

والأهـزوجة والأغـنيـة الشعـبية تزرع الأمل في الأرض الفـلسطينية وفوقها

والله لأزرعـك بالـدار / يا عود اللوز الأخضر

وأروي ها الأرض بدمي / تتـنور فـيها وتكـبر

يا لوز الأخضر نـادي / فلسطين الخضرا بلادي

مـدوا لي ها الأيـادي / لحتى بلادي تتحرر

والكرمل جبلي الموصول / بالشمس الحرة على طول

من عرق أجدادي مجبول / بتراب الوطن الأطهر

عالجرمق(1) غنّى الصفـدي / غـزة والبيرة بلـدي

والقـدس تنـادي ولـدي / أوعـك عـني تتأخر

ويتسابق المجاهدون للقاء وجه ربهم، وتكبر حكايا الحقـيقة حتى أنها أصبحت كالأساطير وأمة  معجزات القـرآن تخلق بدورها معجزاتها الحياتية، والتي عجزت كل أمم لدينا قاطبة عن مجاراتها.

فـشاشات التلفـاز نقـلت لنا صورة السيدة مريم فـرحات أم نضال وهي تودع ابنها محمد وتعانقه قـبل أن يذهب لينفـذ عمليته الاستشهادية وكان قـد استشهد قـبله أخواه نضال ورواد والرابع وسام مازال في سجون العدو منذ أكثر من 13 عاماً وقد اعتقـلته سلطات الاحتلال وهو في طريقه لتنفـيذ هجوم فـدائي داخل "إسرائيل" (إنها خنساء غـزة).

وفي (رفـح) أخت ثانية لها هي السيدة فاطمة الجزار واسمها(خنساء رفـح) وتبلغ الستين من عمرها قـدمت أربعة من أبنائها شهداء هم أشرف وشرف ومحمود وآخرهم أحمد وأربعة من أقاربها، لقـد قدمت أخاها شهيداً وزوج ابنتها واثنين من أحفادها، كان الجميع ينهلون من منابع شهامتها فـتعلموا حب الوطن والتفاني من أجله ويوم استشهاد ابنها الرابع محمد قالت: "كنت أجلس في صالون المنزل وعندما توالت الأنباء باستشهاد ابني محمد في قصف جوي، حمدت الله وسجدت له شكراً على استشهاده، وتابعت: أدركت أن هـذا هو قـدر الله فأخذت أزغرد وأصرخ بأعلى صوتٍ ووقفـت أوزع الحلوى على من جاء يواسيني".

إنه الشعب العربي الفـلسطيني، شعب الوفاء والمعجزات، لقـد مضى ما يقارب القرن من الزمان على معاناته وبؤسه وعذاباته وكما كانوا أوفـياء يوم حملوا نعش القـسّام وشيعوه بأغنياتهم الباكية عاد أبناؤهم أبناء الوفاء ليصوتوا "لحماس" أولاً ولجميع المناضلين معها، في انتخابات "المجلس الوطني الفلسطيني" فـفاز أنصار "حماس" بـ 76 من أصل 136مقعداً، وحملوا السيدة مريم فـرحات بقـلوبهم لتكون من الفائزين بالعضوية.

وفي الفـترة من نهاية أيلول 2000 حتى أيار 2005، يعترف عدو الأمة وفي دراساته ووفـقاً لمعطيات جهاز أمنه أن البدايات العنيفـة (للإرهاب) المقاومة، نفذت المنظمات 25.375 عملية وأدت إلى مصرع حوالي 1080 "إسرائيلياً"، ومن بين العمليات التي تم تنفـيذها 146 عملية "انتحارية" استشهادية قام بتنفـيذها 155 شاباً و8 فـتيات والتباين هنا بين الأرقام لعدم نجاح بعضها، والعمليات 146 أدت إلى قـتل 518 "إسرائيليا" وجرح حوالي 3.350 آخرين.

تعبر هـذه الأرقام عن فـتاكة العمليات الاستشهادية مقارنة مع ما في العمليات "الإرهابية"، ورغم أن العمليات (الانتحارية) شكلت من الناحية الإحصائية نصف بالمائة فـقـط من مجموع العمليات إلا أن عدد القـتلى نتيجة هـذه العمليات وصل نهاية المطاف إلى نصف مجموع القـتلى "الإسرائيليين" خلال المواجهة (2).

لقـد قـامت "حماس" بأكثر من 50% من هـذه العمليات، ولئن كانت البداية بالإعلان الأول على قـيامها 1987 إلا أنها عملت قـبلاً على الساحة الفـلسطينية تحت اسم "المرابطون على أرض السراء" و "حركة الفـتح الإسلامي" وكان الشهيد أحمد ياسين المؤسس الأول لها مع بعض من قادتها الشهيد عبد العزيز الرنتيسي، والدكتور محمود الزهار وأصدروا يومها ميثاق حركة المقـاومة الإسلامية - حماس - وتضمن الميثاق:

1 - المقـدمة ثم الباب الأول وهو التعريف بالحركة، وفي الباب الثاني الأهداف، والباب الثالث الاستراتيجية، والرابع موقف الحركة من بعض الأمور.

أشارت المقـدمة واستجابةً لأمر الله كانت الدعوة وكان التلاقـي والتجمع وكانت العروبة على منهج الله وكانت الإرادة المصممة على تأدية دورها في الحياة، وتشكلت الثورة ومدّت السواعد لتتشابك مع سواعد كل المجاهدين من أجل تحرير فلسطين.

وفي الباب الأول والتعريف بالحركة جعلت الإسلام منهجها منه تستمد أفـكارها ومفاهيمها وإليه تحتكم في كل تصرفاتها، هي جناح من أجنحة الإخوان المسلمين الفـلسطينيين وتمتاز بالفـهم العميق لكل المفاهيم الإسلامية في السياسة والاقـتصاد، في التربية والاجتماع، في القـضاء والحكم، في الدعوة والتعليم، في الفـن والإعلام، في الغيب والشهادة، وباتخاذها الإسلام منهج حياة لها يمتد إلى مولد الرسالة الإسلامية والسلف الصالح فالله غايتها والرسول قـدوتها والقـرآن دستورها، وستعمل على رفع راية الله على كل شبر من فـلسطين فـفي ظل الإسلام يمكن أن يتعايش أتباع الديانات جميعاً في أمان على أنفـسهم وعلى أموالهم وحقوقهم.

وفي مادة من مواد الميثاق البالغة 36 مادة، يعتبرون "حماس" حركة عالمية بحكم انتشار المسلمين الذين ينهجون نهجها، وهي مؤهـلة لذلك لوضوح فـكرتها ونبل غايتها وسمو أهـدافها، وهي مرتبطة بالجذور الأولى بانطلاقـة الشهيد عـزّ الدين القـسّام وإخوانه، وفي زمن اختلال واضطراب المفاهـيم وغياب دولة الحق وقـيام دولة الباطل، فعليها منازلة الباطل وقـهره ودحره ليسود الحق وتعود الأوطان وأرض فـلسطين أرض وقـف إسلامي على أجيال المسلمين إلى يوم القـيامة لا يصح التفـريط بها أو بجزء منها، أو التنازل عنها أو عن جزء منها، ولا تملك دولة عربية أو كل الدول العربية، ولا يملك ذلك ملك أو رئيس، ولا منظمة فـلسطينية أو عربية لأن فـلسطين أرض وقـف إسلامية وامتلاك أصحاب الأرض هو امتلاك منفـعة فـقـط لأنها وقـف، والوطنية جزء من العقـيدة الإسلامية وإذا وطىء العدو أرض المسلمين فـقـد صار جهاده والتصدي له فـرض عين على كل مسلم ومسلمة، وتخرج المرأة لقـتاله بغير إذن زوجها.

والحركة تعارض المبادرات وما يسمى بالحلول السلمية  والمؤثرات الدولية فالتفـريط بأي جزء من فـلسطين تفـريط في جزء من الدين . ولا حل للقـضية إلا بالجهاد والبقـية فـمضيعة للوقـت والتحرير يمر بدوائر ثلاث: الدائرة الفـلسطينية، الدائرة العربية، والدائرة الإسلامية.

وتركز بقـية المواد على أهمية المناهج واعتمادها لتكون لدى المسلم تصوراً سليماً في الفـكر والاعتقاد.

ودور المرأة المسلمة في معركة التحرير لا يقـل عـن دور الرجل فـهي مصنع الأبطال والموجهة والمربية لهم.

وللفـن في رأيهم ضوابط ومقـاييس بها يمكن أن يُعرف هل هو فـن إسلامي أم جاهـلي، وقضايا التحرر الإسلامية بحاجة إلى الفـن الإسلامي الذي يسمو بالروح، من كتب مواعظ وزجل وقـصيدة وأنشودة ومسرحية فهي من لوازم التعبئة الفـكرية.

والتكافـل الاجتماعي مطلوب في المجتمع عملاً بقـول رسول الله صلى الله عليه وسلم "نعم القـوم الأشعريون كانوا إذا جهدوا في حضر أو سفـر جمعوا ما عندهم ثم قـسموه بينهم بالسوية"، وتقـديم المساعدة لكل محتاج واجبُ  أكانت مادية أو معنوية وعلى عناصر الحركة أن ينظروا إلى مصلحة الجماهير نظرتهم إلى مصالحهم الخاصة، وبنظرة تحليلية للماضي يرد في "الميثاق" أن القـوى الاستعمارية في الغرب الرأسمالي والشرق الشيوعي تدعم العدو بكل ما أوتيت من قـوة مادياً وبشرياً وهي تتبادل الأدوار، وبعد كل هذا الاستعراض والمبادىء والأسس يحددون مواقـف لهم.

فالحركة تنظر إلى الحركات الإسلامية الأخرى نظرة احترام وتقـدير وإن اختلفـت معها في جانب أو تصور وستبقى رافـعةً لراية الوحدة، وهي تنظر إلى الحركات الوطنية الفـلسطينية التي لا تعطي ولاءها للشرق أو للغرب هـذه النظرة الإيجابية فإن ذلك لا يمنعها من مناقـشة المستجدات على الساحة المحلية أو الدولية حول القـضية الفـلسطينية مناقـشة موضوعية، ومنظمة التحرير الفـلسطينية من أقـرب المقـربين إلى الحركة فـفـيها الأب والأخ أو القـريب أو الصديق.

وعن الحكومات والدول العربية فجميعها مطالبة بفـتح حدودها أمام المجاهدين ليأخذوا أدوارهم ويضموا جهودهم إلى جهود إخوانهم ودور التجمعات الوطنية والدينية والمؤسسات والمثقـفـين والعالم العربي والإسلامي الوقـوف إلى جانب الحركة وتأييدها على مختلف الأصعدة فجميعها تشكل سنداً استراتيجياً لها، فالجهاد لا يقـتصر على حمل السلاح فالكلمة الطيبة والمقـالة الجيدة والكتاب المفـيد جميعها جهاد في سبيل الله.

إضافـة إلى أنها حركة إنسانية ترعى حقـوق الإنسانية وتلتزم بسماحة الإسلام في النظر إلى أتباع الديانات الأخرى لا تعادي منهم إلا من ناصبها العداء، أو وقـف في طريقها ليعيق تحركها أو يبدد جهودها.

وفي نهايات "الميثاق" يتحدثون عن أمن فـلسطين صبوة الأرض ومحل الطامعين مستشهدين بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف والذي يناشد به الصحابي الجليل معاذ بن جبل حيث يقـول: "يا معاذ إن الله سيفـتح عليكم الشام من بعدي من العريش إلى الفـرات رجالها ونساؤها وإماؤها مرابطون إلى يوم القـيامة فـمن اختار منكم ساحلاً من سواحل الشام أو بيت المقـدس فهو في جهاد إلى يوم القـيامة".

وفي النهاية تنبلج إشراقات القـيم وفي آخر مادة – الحركة لا تبغي شهرة ذاتية أو مكسباً مادياً أو مكانة اجتماعية، وأنها ليست موجهة ضد أحد من أبناء شعبنا لتكون له منافـساً أو تسعى لأخذ مكانته، ولا شيء من ذلك.

ومنذ الولادة الأولى وإعلان الميثاق التزمت القـيادات به فـقـام مجهادوها في الجناح العسكري بعمليات عدة، كانت تتزايد فـترة بعد فـترة وإلى جانب ذلك جهدوا في برامجهم الاجتماعية في بناء المدارس والمستشفـيات والمعاهد الدينية ومساعدة أبناء مجتمعهم عبر وسائل اجتماعية ودينية، لذلك كان نصيب الكثيرين الاعتقال أو الاغتيال على يد الأعداء فـمع انطلاقـة الانتفاضة الأولى اعـتقـلت سلطات الاحتلال مائة وعشرين من قادتها كان من بينهم الشهيد الرنتيسي 1987 - 1988، وفي عام 1989، اعتقـل الشهيد أحمد ياسين ومعه 260 من خيرة قـياديه، وفي عام 1990، اعتقـل من الضفـة الغربية وقطاع غـزة حوالي 1700 من كوادرها وقـياداتها وعام 1992، أبعدت "إسرائيل" 400 من قـيادات الحركة إلى (مرج الزهور) في جنوب لبنان وبعد عام من الإبعاد عاد المبعدون وأودع العديد منهم في السجون.

والمواقـف الثابتة مستقـرة، ورئيس المكتب السياسي السيد خالد مشعل وفي كلمة له يوم الجمعة 10/2 2006 في قـطر يقـول: "لقـد جاءت لحظة الحقيقة حين أجبرت مقاومة الشعب الفـلسطيني الصهاينة على الرحيل من غـزة، عندها كان الجواب الكبير إن كان الزمان زمن المقـاومة أم لا وأكدنا بالدم والتضحيات أن الزمن يحتمل المقـاومة بل الزمن لا يحتمل إلا المقـاومة فلا نصر بلا مقـاومة ولا تحرير بلا مقـاومة ولا عـزة بلا مقـاومة، فـمع المقـاومة سياسة واقـتصاد ودبلوماسية وإعلام وحركة جماهير وسلام حقـيقـي".

ويكمل: "السلام الذي ينشد البعض يغدو استسلاماً وتسولاً على أعتاب الأقـوياء الذين لا يرحمون، نعم إننا ندرك أننا ننحت في الصخر وأننا نمخر عباب بحر متلاطم بالأمواج لكن نحن على ثقـة أننا سننتصر وسندير المرحلة بكل مستلزماتها دون مساومة أو تفريط".

وفي الخرطوم ويوم الثلاثاء 14/2/2006، يقـول السيد خالد مشعل في كلمة له: "ما هذا الذعر؟!..فأنتم وضعتمونا على قـوائم الإرهاب وتحرضون العالم علينا، نحن لدينا مثل يردده فـلاحو فـلسطين ويقول هذا المثل: اللي خايف ماشي طول الصحراء أو في منطقـة قـفـراء عندما يكون خائفاً يبقـى يحدث نفـسه، نحن شعب غـلبان في فـلسطين وشعوب عربية غـلبانة وأمة ترونها ضعيفـة ليس لديها شيء إلا القـليل ومع ذلك فالعالم يكون مذعوراً عندما الأمة تقـول لا إلـه إلا الله محمد رسول الله نريد فـلسطين ولا نعترف "بإسرائيل"، وهي غريبة رغم مضى 58 سنة على احتلالها وتشعر أنها منبوذة، مرفـوضة تطالب السجين أن يعترف بها وتطالب المعتدى عليه الضحية أن يعترف بها، وكيف لنا أن نعترف بعدو مغتصب للأرض والشعب الذي أعطانا هذا التفـويض والتأييد، هل من المعقـول أن نخون الأمانة؟!.. أمعقـول أن نخذله ونذهب ونعترف بـ "إسرائيل"، حاشا لله، إننا سنعتمد على أنفـسنا بعد الله لأنكم مجتمع دولي لا يحترم إلا القـوة فمن أجل 200 ألف في تيمور الشرقـية انتفـضتم لهم وانتصرتم لهم مقـابل 200 مليون مسلم في اندونيسيا ودارفـور في السودان وكأنها قـضية القـضايا".

الأيام التي نعيشها حالياً قـاتمة مظلمة الكثيرون يحاولون النيل من أمتنا في جميع الحالات وبأساليب متعددة، كان القـتل والتشريد والتعذيب والسلب والنهب والسجون والمعتقـلات وتدمير الحرث والنسل، وعمر هذا العذاب بدأ من مطلع القـرن الماضي وإن سبقـته عذابات أخرى، لكن ورغم كل هذه الآلام وعمرها المديد تكبر الأماني وتظهر المعجزات في كل بقـعة من بقاع أرضنا والتاريخ يثبت ذلك والشعب العربي الفـلسطيني هو المعجزة والرمز والوفاء، وفي عصر المعجزات تظهر معجزات و معجزات خارج إطار العقـل والفـهم العاديين.

هل سمعتم بكرامات الشهداء إنها حكايا تزرع اللوز الأخضر في أرضنا، والخضرة دليل الحياة والنضرة منهم الشهيد المهندس يحيى عياش يقول بدران أبو عصية رفـيقـه ومساعده: "رأيت المهندس يحيى في نومي وقـلت له إني أشتاق إليه كثيراً وسألته أليس الشهداء أحياء؟!.. ولكني لا أراك فأجابني هل ترى الحمامة البيضاء تقـف على شباك أطفـالي؟!.... إنها أنا وظللت أراقـب بيت يحيى فنحن من قـرية واحدة وبالفـعل كانت هناك حمامة بيضاء لا تفـارق منزله وحدثت والدتي بقـصة الحمامة فـتابعت دور ابنها بدران بعد أن لحق بيحيى شهيداً وذات يوم لم تجد الحمامة فـسألت عن أولاد يحيى فأخبروها بأن والدتهم أخذتهم إلى بيت أهلها".

والشهيد أحمد المشهراوي ومن دمه النازف كتب على الوسادة (لا اله إلا الله شهداء الله) ورأى الكثيرون ما كتب وتم تصوير ذلك.

وقد استجاب الله جلّت قدرته لدعاء الشهيد القـائد صلاح الدين دروزه والذي كان دعاؤه المأثور (اللهم ارزقـني الشهادة تنال بها جميع بدني) وكان أن قـصفـت سيارته بعدة صواريخ ولم يبق من جسده سوى ساقـه وجزء من لحيته.

وماهـر أبو غـزالة نال الشهادة وهـو صائم وكان وجهه يتصبب عـرقا ويبدو عـليه الفـرح، وبقـي الشهيد سمير بهلول عابداً لربه فـبعد إصابته في منطقـة الحرش في نابلس وجده أحد جنود العدو ساجداً فـظنه يصلي فـركله فـوجده شهيداً، ورواية مؤكدة لزميل شهيد "بقـي إصبعه مرفـوعاً بالشهادة بعد استشهاده وكلما أرادوا إعادته إلى قـبضة يده أعاده كما كان".

قـلت وفي مطلع ما كتبت عندما يمتزج الألم بالأمل ويتحدان تولد البطولات وتخلق الكلمات العاشقـة لها، آمل أن أكون قـد وفـقـت فـيما هدفـت إليه.

ومن رأيي في المجاهد العربي العراقـي الأصل السوري الإقـامة الشهيد في فـلسطين - المرحوم عـزّ الدين القـسّام - فـليدع له ولجميع المجاهدين وليصلّ على روحه وروح الشهداء، وأملنا بالله أن يستجيب لهذه الأدعيات والصلوات وتصل إلى قـبره في قـرية بلد الشيخ الواقـعة في حيفـا على بعد 5 كم جنوب شرق المدينة  ذلك القـبر الذي شوهه الصهاينة بالدهان والأقـذار.

الرحمـة لروحـك الطاهرة أيها الرمـز والأمـل المعـقـود بمريديك من كتائبك ورفـاقـهم في السلاح في فـلسطين وفي أرجـاء الأمـة العـربية.

إنها كلمات ووثائق وحكايا توضح لتا وبجلاء وعمق لماذا الحملة الشديدة على حماس ونعتها بالإرهاب ولماذا يصر على نزع سلاح أفرادها بينما من يطالب بذلك  يوافق وزير أمنه "عمير بيرتس" على إدخال 5000 بندقية من مصر والأردن إلى الأجهزة التابعة للرئاسة، ويدرس طلبا أمريكيا بإدخال (لواء بدر) التابع لمنظمة التحرير إلى غزة تحديدا، وفي ذلك تنفيذ لحطة الجنرال الأمريكي (كيت أيتون) التي عرضها في جلسة "الرباعية" في لندن ووصلت تفاصيلها إلى "إسرائيل" والتي تهدف إلى أن "تسليح وتدريب قوات حرس الرئاسة الفلسطينية الموالية لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بهدف إعدادهم لمواجهات محتملة مع "حماس" في قطاع غزة، وطلب إدخال لواء مسلح تابع للمنظمة من الأردن إلى غزة  كان بالأصل طلبا مقدما من السلطة ذلك ماكشفت عنه صحيفة "هاأرتس الإسرائيلية" (3).

إذن فلا حاجة لتحليل الأحداث الجارية فالجواب واضح والتأييد الأمريكي والفرنسي لإجراءات الرئاسة من حل الحكومة وإعلان حالة الطوارئ يؤكد ويثبت عدم سلامة النوايا.

 

(1) الجرمق جبل في شمال فـلسطين فـيه أعلى قـمة وارتفاعها 1208م، ويروي شيوخ المنطقـة أن فـيه فـتحة مملؤة بالـماء فإن رمي بها قـش فإنه يخرج من ينابيع عـدة في الجنوب، وفي سفـح الجبل وادي الطواحين، وسمّي بهذا الاسم لوفـرة المياه فـيه والتي كانت تحرك الطواحين العـديدة.

 

(2) المصدر مركز المعلومات حول الاستخبارات والإرهاب في مركز تراث الاستخبارات م. ت. س.

 

(3) المرجع موقع أخبارنا بتاريخ 1 - 11- 2006.