أيها الحلّيون: لنتذكر السلف الذي قاتل البريطانيون في ثورة العشرين

ولنقاتل الأمريكيين وعملائهم ولنخرجهم من أرض الرافدين

د. محمد جواد فارس

في هذه المناسبة ذكرى ثورة العشرين لابد أن نستذكر الشيخ الجليل ابن الحلة الفيحاء وأستاذي القدير، الذي علمني القرآن والدين في مدرسة فيصل الثاني (الوثبة الآن) ونصير السلام، الشيخ العلامة يوسف كركوش الحلي، صاحب كتاب (تاريخ الحلة)، ووفاء مني لأستاذي الجليل أنقل وبالنص ما كتبه في تاريخ الحلة - القسم الأول – في الحياة السياسية الفصل العاشر (الحلة في عهد الاحتلال البريطاني).

"احتل الانكليز بغداد يوم 15 جمادي الأول سنة 1335هـ فانسحب من بالحلة من الجنود الأتراك، وعند انسحابهم منها اختطفوا بعض من أهليها تنكيلا بهم، ووصلوا بهم إلى ديار بكر ثم هناك أطلقوا سراحهم فهاموا على وجوهم، وكان هؤلاء هم الفوج الأخير من المنفيين وأخيرا وصلوا إلى الحلة في الرمق الأخير بحالة يرثى لها من الإعياء والجوع والخوف.

لما علم أهل الحلة الذين كانوا بأريافها خروج عسكر عاكف أسرع قسم منهم بالدخول إليها، وبالوقت نفسه دخلت الأعراب إليها بقصد النهب والسلب وأخذت خفاجة تعبث في الحلة فجرت مناوشات بين أهل الحلة وخفاجة فقتل أهل الحلة عبد الصاحب أحد زعماء خفاجة، ثم دخلت عشيرة الفتلة أصحاب الشيخ سماوي الجلوب جاءوا إلى الحلة لحمايتها من الأعراب وبالفعل قاموا بحمايتها وردوا عادية الأعراب عنها والحق أنها يد تذكر وتشكر لهم، قامت عشيرة خفاجة بقطع طريق النجف على الحليين بسب قتل أحد زعمائهم الذي ذكر آنفا، ولقي أهل الحلة كل عنت منهم.

لما تم الانكليز الاستيلاء على القطر العراقي أرسلوا الحكام السياسيين والعسكريين إلى الألوية ووزعوا جنودهم فيها فعينت الحكومة المحتلة (الميجر بولي) حاكما سياسيا على الحلة وكذالك أرسلت قسما من جيوشها إليها وكان قائد حامية الحلة (الكولينيل لوكن) وعندما دخلت الحلة في قبضتهم منعوا خفاجة من التعديات، لما استولى الانكليز على العراق أخذ العراقيون يطالبون بالاستقلال بناء على وعودهم التي قطعوها على أنفسهم للعرب حين أعلنوا الحرب ضد العثمانيين باستقلال البلاد العربية.

كان الحاكم السياسي في الحلة (الميجر بولي) يحمل روحا عسكرية يعتمد على القوة فقط على ما ظهر من أعماله، ولم يكن واقعيا في سياسته إذ لو كان واقعيا لعرف مكانة العلامة الشيرازي في نفوس أهل الفرات الأوسط والأخذ بنصائحه التي ضمنتها رسالته التي أرسلها من كربلاء، أرى من المناسب أورد رسالة العلامة الشيرازي التي أرسلها إلى الحاكم السياسي بالحلة وهاك أصلها:-

إلى حاكم الحلة السياسي الميجر بولي هداه الله

قرأنا كتابكم وتعجبنا غاية العجب من مضمونه حيث أن جلب العساكر لمقابلة الأشخاص المطالبين بحقوقهم المشروعة الضرورية لحياتهم من الأمور غير المعقولة، ولا تطابق أصول العدل والمنطق بوجه من الوجوه، ويحتمل أن الأشخاص الذين يقصدون الاستفادة من إيجاد الخلاف بين أهالي العراق والانكليز هم الذين غشوكم لينالوا مقاصدهم. والليلة الماضية أردت مقابلتكم لرفع الشك في نفسكم كي لا تغفلوا هذه النكتة ولكنكم امتنعتم من ذلك وأن نظريتنا في أمور المملكة أصلح وأنفع من مَنْ سوق الجيوش واستعمال القوة الجبرية وأدعوكم عجالة لأبلغكم أن توسلكم بالقوة في قبال مطالب البلاد واستدعائها مخالف للعدل ولإدارة البلاد وإذا امتنعتم عن المجيء في هذه المرة أيضا فستصبح وصيتي للأمة بخصوص مراعاة السلم ملغاة في ذاتها وترك الأمة وشأنها، وبهذه الصورة تقع مسؤلية نتائج السوء عليك وعلى أصحابك.

وفي الختام لي الأمل أن تؤثر فيك هذه النصيحة كي لا يقع ما يفسد النظام والأمن ولكي لا تكونوا سبباً لإراقة دماء الابرياء.

5 شوال 1338

محمد تقي الشيرازي

كان جواب الحاكم السياسي على هذه الرسالة أن أحضر الشيخ محمد رضا مع جماعة من وجوه كربلاء إلى الحلة ثم نفاهم إلى هنجام.

في شهر رمضان سنة 1338هـ نادى مناد في أسواق الحلة:-

إن الليلة يقام اجتماع في الجامع الكبير يتلى فيه كتاب العلامة الشيرازي.

ما أن حل الوقت المضروب حتى هرع الناس إلى الجامع فغص الجامع – على اتساعه – بالحاضرين وقد حضرت هذا الاجتماع ولا يزال مرتسما بذاكرتي. ارتقى الخطيب الشيخ محمد الشهيب وتلا رسالة الشيرازي، وكانت تتضمن حث العراقيين على المطالبة بحقوقهم المشروعة بالطرق السلمية. ثم ألقيت بعض الخطب والقصائد الحماسية فألهبت نفوس الجماهير بالحماس الوطني.

أمر حاكم الحلة السياسي (الميجر بولي) في اليوم التالي لهذا الاجتماع بإحضار كل من رؤف الأمين والسيد احمد السالم وتوت، والسيد عبد السلام الحافظ إمام الجامع وجبار علي الحساني وعلي الحمادي الحسن والسيد خيري الهنداوي، وكان قد ألقى في هذا الاجتماع قصيدة وطنية  ونفاهم خارج العراق.

أخذت الحكومة المحتلة في الحلة تراقب الأحرار الوطنيين في حركاتهم وسكناهم، وغمرة هذا الوضع في الحلة هاجر الشيخ (الدكتور اليوم) مهدي البصير إلى بغداد بدعوة من أهلها وما أن حل في بغداد حتى التف حوله البغداديون وأخذ يخطب الخطب الوطنية يثير حماس الجماهير، فرأت السلطة الانكليزية أن وجوده خطر على نفوذها فنفته خارج العراق إلى هنجام.

أخذ يشتد ضغط ضباط الانكليز على أحرار العراق فثار العراقيون بوجه الانكليز وبدت طلائع الثورة في الرميثة فأرسلت إليها النجدات العسكرية من الديوانية والسماوة والحلة ولكنها لم تفلح في مهمتها.

في صباح الليلة التي هجم فيها الثوار على الحلة أذاع القائد العام في الحلة منشورا يطلب فيه إلى أهل الجامعين أن يتركوا دورهم وينتقلوا إلى محلة أخرى للتمكن قوات الاحتلال من تفتيش الدور، وبذلك تتمكن من القبض على الثوار الذين اختبأوا في الدور، ولكن خاب فألهم فلم يتمكنوا من قبض أي رجل منهم فقد اتخذ الأهلون مختلف الأساليب لإخفائهم، وإليك الحادثة التالية:

أن بعض مريدي الانكليز من الحليين كان يصحب القوات التي تفتش عن الثوار عثر على جماعة كبيرة منهم مختبئين في دار من دور الجامعين فأبت له وطنيته وقت الشدة أن يخبر عنهم ، فموه على القوة القائمة بالتفتيش بخلو الدار من أي شخص من الثوار.

إن حادثا وقع أمام عيني لا يزال مرتسما في ذاكرتي يثير في نفسي اللوعة والألم كلما مر بخاطري، ذلك أني رأيت بعض أفراد الجيش الانكليزي قبل خروجنا من محلة  الجامعين قد دخلوا دارا بالقرب من دارنا وقتلوا من كان فيها ظنا منهم أنهم من الثوار، والحقيقة أنهم لم يكونوا من الثوار بل هم من أهل الحلة والذي أوقعهم في هذا الخطأ هو مشابهة سحنة هؤلاء لسحنة الثوار لأنهم كانوا فلاحين فكانوا يشبهون رجال القبائل من حيث السحنة. (انتهى الاقتباس)

إننا في هذه الأيام ونحن على أعتاب ثورة 30 حزيران / يونيو1920 حيث تم تحالف كافة طبقات الشعب في المدن والقرى من شمال العراق حتى جنوبه، ونظرا للنفوذ الذي كانت تتمتع به طبقة رجال الدين بين القبائل فقد تم إعلان الجهاد في كافة أنحاء البلاد لمقاتلة المستعمر الأجنبي.

إن ثورة العشرين كانت بحق بالنسبة للعراقيين حرب تحرير شعبية ووطنية، ففي هذه المناسبة المجيدة نهيب بالسلف لمحاربة الاحتلال الأمريكي – الصهيوني وطرده من أرض الأجداد شعلان أبو الجون، الحبوبي، وعبد الواحد الحاج سكر، وأبو التمن، والضاري، والحفيد، والخالصي وغيرهم من غيارى العراق العظيم والنصر آت لا محال، والمقاومة الوطنية الباسلة مستمرة.