وإنه ضحك كالبكاء
بقلم: د. علي محمد فخرو - البحرين
لماذا
خلق أنف الإنسان؟ لكي يحمل النظارات، ولماذا خلقت أرجله؟ لكي تلبس الأحذية.
هذا المنطق الساخر جاء على لسان حكيم قصة (كنديدا) التي كتبها فيلسوف فرنسا فولتير في أواسط القرن الثامن عشر، ولو عاش فولتير إلى أيامنا الحالية لكتب رواية مماثلة عن كوميديا "فتح" – "حماس" أو غزة - رام الله.
إن حكيم رام الله، المدعي بأنه حكيم عصر الأنوار والذي يفهم الحياة على أنها اختيار للأفضل من أحسن عوالم الممكنات، لا يفهم منطق حكيم غزة، الموصوف بحكيم عصر الظلام والذي يفهم الحياة على أنها خلق الممكنات وليس الاختيار من بين ما هو متوافر منها، إنه لا يستوعب منطق حكيم غزة عندما يصر على أن الأنف لم يخلق لحمل النظارات وإنما ليشم الروائح وخصوصا الكريهة منها، وليرمز للأنفة والكبرياء ورفض الانحناء، وكبطل فولتير، يبقى بطل رام الله مرددا عبر السنين والعقود أن لدينا الكثير من النظارات التي يجب أن يحملها الأنف العربي والأنف الفلسطيني، حتى ولو كانت تلك النظارات قميئة مشوهة في كبريات عواصم العالم صنعت لكي يحملها منقار بومة وليس أنف إنسان، وكذا الأمر بالنسبة إلى الأرجل، فحكيم غزة يعتقد عن خطأ وتعسف، بأنها خلقت للمشي بصلابة بحيث تهز الأرض التي تمشي عليها، بينما يبقى حكيم رام الله مخلصاً لفلسفة الحكيم "بانجلوس" في رواية (كنديد)، الذي يردد أن الأرجل خلقت لتلبس النعل حتى ولو كانت نعلا ممزقة ومغموسة في الوحلين، وحل التربة ووحل العار.
لقد حل فولتير نهاية بطله بقبوله فواجع وآلام الحياة كما تأتي، فبعد مغامرات ذاق البطل أثناء خوضها الأمرين وتحمل الصعاب والكوارث انتهى بإقناع نفسه بأن يترك بذل الجهد والتعب ويتفرغ في النهاية لفلاحة حديقته.
بالنسبة إلى روايتنا العربية ستكون حديقة عربية صغيرة في حي قديم من أحياء رام الله، أو حتى غزة، حيث ستنمو باسقة في أرجائها أشجار الزيتون والبرتقال العاقرة التي لن تحمل زيتونا لتسد به معدة جائعة، ولا برتقالا لتطفئ به شفة عطشى، وعند ذاك سينحني الأنف وتضعف الأرجل وتصبح الكوميديا الفرنسية تراجيديا إغريقية.
المفجع المضحك أن هذه الكوميديا، التي تقول ساخرة إن نتائج الأحداث والكوارث هي التي في الواقع كانت سببا في حدوثها، فتجعل الدنيا مقلوبة تمشي على رأسها، هذه الكوميديا تمثل يوميا على مسرح الوطن العربي الكبير، فأسباب مأساة العراق هي الاقتتال بين سنته وشيعته وتمكن الفاسدين من حكمه وشح كهربائه وماله وإصرار مقاومته الوطنية على تحرير الوطن وليس احتلال الغزاة لأرضه وتآمر مجلس الأمن على شعبه، وفي لبنان فإن مقاومة جنوبه للبربرية الصهيونية وتفضيل شعبه أن تتدمر بنية بلاده التحتية على أن يستسلم للصلف الأمريكي هو سبب مأساته الحالية، وليس التدخلات والمؤامرات الأجنبية لإضعاف مقاومته وتركيعه في طين الاستسلام مثل الآخرين.
عمى العين الفولتيري المضحك لم يقتصر على أرض العرب، بل تعداه إلى مسرح الأمم المتحدة، فمنذ يومين أعلن أمينها العام أن "الاستقرار" العراقي الحالي يعود فضل تحققه إلى الاحتلال الأمريكي، وهكذا كتب الحكيم الكوري كوميدية جديدة مضاعفة، فالفوضى المأساوية العراقية أصبحت استقرارا والاحتلال الأمريكي، ويعكس ما يقوله الكونغرس الأمريكي وثلاثة أرباع الشعب الأمريكي وبقية العالم كله، أوجد فوضى مستقرة فاستحق المدح والثناء.
في هذا المشهد الذي صاغته عبقرية السياسي الكوري المحنك اختلطت الصور والمفاهيم والكلمات، فأين عبقرية فولتير في حياكة السخرية والعبث في هذا العالم من عبقرية الأمين العام للأمم المتحدة؟
منذ قرون التاعت نفس شاعرنا العظيم المتنبي فوصف الضحك على المبكيات بأنه ضحك كالبكاء، لا أدري إن كان العبقريان فولتير والمتنبي سيتقابلان في العالم الآخر ليضحك الاثنان على بكائيات غزة ورام الله وبغداد وبيروت وعواصم العرب والغرب وحاضرة الأمم المتحدة.