فرنسا تودع الديغولية وتحتضن الساركوزية

منير درويش - سوريا

ربما كان من السابق لأوانه الحديث عن توجهات السياسة الفرنسية في عهد ساركوزي وحزبه، "حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية"، فالرجل يتميز بالصمت والكتمان كما يصفونه، لكن ألان جوبيه رئيس الوزراء الأسبق وصفه يوما بأنه "أفضل السياسيين الشباب"، ويقال أن هناك نظريتان تتمثلان في سياسة الغرب، الأولى، والثانية، "للرئاسة يحتاج إلى 20 عاما من المعاناة والفشل والكآبة والهواجس ليصبح مرشحا"، كما يقول فرانسوا ميتران الرئيس الفرنسي الأسبق، والثانية، "إن قادة الدول الديمقراطية يعيشون معاناة كبيرة تتمثل في عدم معرفتهم نهاية ولايتهم ونفاذ صبر الناخبين حيالهم"، كما يقول جاك شيراك.

إن وجود ساركوزي في مناصب وزارية وممارسته السياسة فيها لا تعكس بالضرورة توجهاته الرئاسية، لكن الملامح العامة لسياسته ومنذ أن منحته أغلبية الفرنسيين ثقتها تؤكد على أن فرنسا تعيش مرحلة الشيخوخة وأصبحت رجل أوربا المريض ورئيسها شيراك هو أكبر الرؤساء سنا، وعليه أن يعيد إليها شبابها، فهي تعاني من مشاكل عميقة في الداخل والخارج، ويرجع ذلك للنهج الديغولي المستمر منذ 50 عاما، لا شك أنها شهدت في بعض مراحل هذه الفترة نوعا من الازدهار والرخاء الاقتصادي أدى إلى زيادة الخدمات الاجتماعية والمعونات التي تقدم للأوساط الفقيرة، لكن جيل الشباب اليوم يشعر أن فترة الازدهار تتراجع بشكل ملموس خاصة بعد أن فقدت مستعمراتها التي كانت تزودها بكثير من الموارد وتستهلك منتجاتها، ففرنسا الآن تعاني أزمة هوية حادة أمام الضغط الأمريكي في جميع المجالات، فاللغة الفرنسية رغم زيادة عدد دول الفرانكفونية إلا أن وسائل الضغط الأمريكي تجعلها غير ذي فائدة أمام المخترعات والتطورات العلمية، كما تعاني من انقسامات اجتماعية أظهرتها أحداث الضواحي والأحياء الفقيرة العام الماضي وبينت عمق الأزمة الاجتماعية والبنيوية التي تعيشها فرنسا بين السكان (الأصليين) والمهاجرين الذين لا زال قسما كبيرا منهم يعيش على هامش المجتمع الفرنسي.

هذه الأحداث التي كان  ساركوزي  بصفته وزيرا للداخلية على رأس الذين تصدوا لها بحزم وقوة  كادت تطيح بالديمقراطية التي يتمسك بها الفرنسيون، هذا فضلا عن البطالة وتراجع مستويات المعيشة والحماية الاجتماعية، والتخوف من المستقبل الاقتصادي في ظل تراجع معدلات النمو وزيادة الطلب على السلع والخدمات، إضافة لقضايا الإرهاب الذي جعلته الولايات المتحدة شبحا يقتحم كل بيت ويعشش فيه.

هذه المشاكل كانت في صلب برنامج "الحزب الاشتراكي"، وهو يمتلك رؤية أكثر شمولية وانفتاحا تجاهها من الآخرين، لكن الأمور لا تتوقف عند القضايا الداخلية بل تعاني فرنسا من سياستها الخارجية المتميزة إلى حد ما بنوع من الاستقلالية عن الولايات المتحدة وسعي لزعامة الاتحاد الأوربي وقيادته، وإيجاد أسواق عالمية وفق سياسة التوازن في المصالح التي اعتمدها ديغول وخلفاءه أكثر من سياسة الهيمنة، إضافة إلى بعض القيم التاريخية الرومانسية إلى حد ما،  مما يجعل اليسار الذي يرغب بالاحتفاظ ببعض هذه القيم عاجزا عن تحقيق برنامجه في ظل توجهات الرأي العام الفرنسي والأوربي الذي يسعى لهجر المباديء و القيم الأخلاقية السياسية لصالح المصالح الاقتصادية والاجتماعية وهي السياسة التي تبناها ساركوزي وحزبه ويعمل لها، خاصة وأن الانتخابات الفرنسية ونجاح ساركوزي وخسارة اليسار جاءت في ظل سياسة أوربية عامة كان لأمريكا دور في رسم ملامحها العامة وتوجهاتها الأساسية بعد العدوان على العراق ورفض كثير من الأنظمة الأوربية مساندتها فيها.

بدأت هذه السياسة بإزاحة شرويدر الاشتراكي عن السلطة في ألمانيا بعد معارضته الشديدة مع شيراك للحرب على العراق، وحلت محله أنجيلا ميركل من يمين الوسط التي تخلت إلى حد ما عن موقفه، وعانى اليسار في بلجيكا من خسارته في الانتخابات الأخيرة لصالح اليمين بعد ست سنوات قضاها في الحكم حقق فيها منجزات كبيرة في مجال مستوى المعيشة والدخل، ويعاني "الحزب الاشتراكي الأسباني" بزعامة بالاثيرو من ضغوط كبيرة بعد إعلانه عن سحب قواته من العراق وتحسين علاقته مع العرب وإيران فضلا عن الصين وروسيا وتتراجع شعبيته باستمرار رغم المنجزات التي يحققها أيضا، ويعاني الاتحاد الأوربي برمته من صعوبات كثيرة قانونية واقتصادية وثقل اليورو على بعض بلدانه بعد أن فقدت عملتها لصالحه، أو بعلاقة دوله بأمريكا والموقف من روسيا التي تشعر بالغبن الواضح نتيجة الهيمنة الأمريكية عليه.

هذه العوامل وغيرها تجعل اليسار في بلد أوربي لوحده عاجزا عن تحقيق أي برنامج يتبناه، وهو الموقف الذي عاناه ميتيران عندما فاز بالرئاسة الفرنسية، وشهدت فرنسا وقتها ركودا اقتصاديا وتراجعا في الخدمات العامة والمساعدات الاجتماعية رغم دعم الاتحاد السوفييتي له، ورغم برنامجه الانتخابي الطموح في مجال تطوير الصناعات الوطنية وتحسين مستوى المعيشة، واعتماده سياسة حاذقة في تحرير الاقتصاد والمجتمع، ولا زال الفرنسيون يذكرونه وينظرون من خلاله لبرنامج سيغولين رويال مرشحة "الحزب الاشتراكي" والتلميذة النجيبة لميتران.

لا شك أن السياسة الخارجية لا تدخل كعنصر أساسي في توجهات الفرد الفرنسي والغربي إلا إذا أصبحت عنصرا مؤثرا في أمنه ومعيشته، كما أفرزت الانتخابات التشريعية الأمريكية الأخيرة، حيث شكل احتلال العراق   مدخلا مهما في توجهات الرأي العام، أدت للتصويت "للحزب الديمقراطي"، لذلك فهو يقف إلى جانب البرامج التي تلامس مصلحته الداخلية كارتفاع الأسعار ومستوى المعيشة، وأمنه الذاتي الذي يحتل الآن مركزا متقدما في اهتمامه، وتأمين السلع والتعليم والسكن ومعالجة قضايا المهاجرين بحيث لا يشكلون عبئا على مستوى المعيشة والدخل تؤدي إلى مزيد من البطالة في صفوف المواطنين الذين ألفوا مستوى من رغد العيش جعلتهم لا يرتضون بمعيشة الكاف التي نرضاها نحن في بلدان العالم المتخلف، تؤمن لهم خبزهم اليومي ممزوجا بمسحات أخلاقية ودعاوى عن حقوق الإنسان في بلدان لم تعد تعنيهم بشيء، بل يطالبون بمستوى من المعيشة توفر لهم كافة احتياجاتهم المعيشية اللائقة إضافة إلى مستوى من الرفاهية والادخار للمستقبل.

وهم يدركون أن حزبا بعينه لا يمكنه تحقيقها لذلك لجأت الرئاسة في مرات عدة إلى إشراك المعارضة في رأس الحكم انطلاقا من نظرية، (الوقوف على قدمين اثنتين لتحقيق التوازن) فقام ميتيران "الاشتراكي" عام 1980 بتكليف جاك شيراك "اليميني" بتشكيل الوزارة، وأسند شيراك رئاسة الوزارة ليونيل جوسبان "الاشتراكي" ومنافسه في انتخابات الرئاسة وهو يعلم أن رئيس الوزراء له صلاحيات يمكن من خلالها أن يعمل على تحقيق أجزاء هامة من برنامج حزبه طالما أنه يرضي الرأي العام ولا يتدخل في الشؤون الخارجية والدفاع.

ضمن هذه الظروف والمشاكل، أين يقف ساركوزي؟

لقد تضمن برنامجه الانتخابي (رؤيته لفرنسا الجديدة على أساس الثقة والاحترام والنزاهة والصراحة، وكل شيء قابل للتحقيق) ورفض الليبرالية المحافظة، وإعادة (الديناميكية الشابة) بدل (الاستمرارية) التي تبناها شيراك طوال سنوات حكمه.

وفق ذلك يسعى ساركوزي لإعادة اللحمة للمجتمع الفرنسي بإشراك مختلف الفئات في الحكومة بمن فيهم الاشتراكيون، ومنهم النساء اللواتي وعدهن بالمساواة بالرجال حتى في المناصب العليا، وقد ضمت حكومته الأولى نصف العدد منهن لكنه تراجع عن هذا البرنامج أثناء تشكيل حكومته الثانية التي تلت الانتخابات التشريعية، وهو يحاول أن يعيد الشباب للسياسة الفرنسية على حساب المباديء الديغولية التي يعتبرها قد شاخت، أخذا بالاعتبار توجهات الرأي العام الذي لم تعد غالبيته متمسكة بتلك المباديء كما يبدو لصالح مصالح فرنسا المباشرة والآنية.

وعلى صعيد الهجرة فقد اعتمد على سياسة الحد منها واقتصارها على الكفاءات العلمية والمهنية النادرة التي يحتاجها المجتمع الفرنسي، وكان قد أصدر مثل هذا القانون عام 2006 وهو وزيرا للداخلية، ولاقى معارضة من دول الفرانكفونية التي تعتمد في كثير من مواردها على تحويلات مواطنيها المهاجرين.

كما يسعى لمعالجة مشاكل الهجرة التي بات المواطن الأوربي يرى أنها تؤثر ليس على مستوى معيشته بل على وجوده العنصري والعرقي أيضا، إذ يرى بعض الباحثين أنه لو استمرت الهجرة على هذا النحو بما تسببه من زيادة في عدد السكان عند المهاجرين فإن العرق الأبيض سيتلاشى خلال مئة عام قادمة.

لكن المواقف الأكثر وضوحا في سياسة سلركوزي هي تأييده للسياسة الأمريكية مخالفا بذلك كل الأعراف التي سارت عليها السياسات الفرنسية السابقة، وبرز موقفه الواضح في تأييده لمشروع الدرع الصاروخي الذي اقترحته الولايات المتحدة في أوربا، معارضا بشدة سياسة روسيا تجاه هذا المشروع.

كما لم يبدي موقفا نقديا واحدا للاحتلال الأمريكي للعراق وموقفه من استمرار هذا الاحتلال، أما ما يتعلق بالإرهاب فهو إلى جانبها في مكافحته دون تحفظ. وهو بذلك يسير على خطى طوني بلير في بريطانيا الذي وقف بقوة مع السياسة الأمريكية زاعما أنها الوسيلة الوحيدة لإنعاش الموقف البريطاني.

لقد أصبح ساركوزي مؤمنا أنه بدون دعم الولايات المتحدة لن تسير بلاده على ما يرام، عله من خلال هذه السياسة (يعيد فرنسا الشابة إلى أفريقيا البكر)، بعد أن أزاحتها أمريكا من أغلب مستعمراتها فيها.

ولأول مرة منذ العدوان "الإسرائيلي" عام 1967 تلقى "إسرائيل" دعماً مباشراً من الرئاسة الفرنسية ورغبة في تحسين العلاقات معها دون الأخذ بالاعتبار سياستها العدوانية تجاه الفلسطينيين ودون الانسحاب من الأراضي المحتلة، أما القضايا العربية فلم يتطرق على نحو واضح عنها سوى تقديمه مشروعا لجمع الأطراف اللبنانية في باريس لمناقشة الوضع اللبناني، وكأنه بذلك يتملص من مواقف شيراك التي وقفت إلى جانب طرف دون آخر، وقد ينتظر منا أن نقدم رؤيتنا لمستقبل العلاقة مع فرنسا.

لقد خسر اليسار انتخابات الرئاسة في فرنسا رغم أنه يمثل الجهة الأكثر انفتاحا على مشاكلها الداخلية والخارجية ويمتلك رؤية أكثر شمولية خاصة على صعيد مكافحة الإرهاب الذي لا يرى أن قوى إرهابية فقط هي التي تمارسه، بل أن هناك أيدي خفية تحركه كي ترعب الشعوب به، لكن اليسار تقدم تقدما ملحوظا في الانتخابات التشريعية وحصل فيها على نحو 200 مقعدا من أصل 577 مقعدا بينما تراجع يمين ساركوزي بمقدار 30 مقعدا في أول اختبار سياسي له، وهو ما جعل زعيم "الحزب الاشتراكي" فرانسوا هولاند يقول (لقد استطعنا أن نجعل فرنسا تقف على قدميها الاثنتين بالحفاظ على التوازن والثقل المضاد اللازمين للديمقراطية)، وبالتالي فإن من مصلحة اليسار أن يبقى في المعارضة خلال هذه الفترة يراقب ساركوزي وحكومته وإجراءاتها في تنفيذ برامجها.

لا شك أن ساركوزي سيختار الساركوزية التي عرضنا بعض ملامحها  لفرنسا، بدل الديغولية، وهو سيسعى من خلال سياسته تحقيق المصالح الفرنسية على حساب أية مصالح أخرى، وعلينا نحن العرب أن نتعامل مع الوقائع منطلقين من مصالحنا لا من رغباتنا، وأن نبني علاقاتنا على أساس من التوازن والمصلحة المشتركة آخذين بالاعتبار أن عالم العولمة والهيمنة لا تعنيها مصالح الغير إلا بقدر ما تلامس مصالحها وتتفاعل معها، وأن الأخلاق والقيم في السياسة لا تأتي على حساب المصلحة.

لقد وقفت فرنسا مرارا مع قضايانا وعلينا أن لا نخسرها،  ولا يضيرنا الآن أن نعيد صياغة استقلالية مشروعنا الوطني والقومي عن الصراعات الدولية مستفيدين من علاقات التحالف التي توفرها لنا الدول التي تدعم قضايانا، لا شك أن هذا المشروع يبدو ملتبسا في سياساتنا الخارجية، لكنه بأي حال لن ينجح إلا إذا أصبحنا في موقع الحلفاء بدل الأتباع.