الحرب السرية بين "القاعدة" وأمريكا تحط برحالها في لبنان

بقلم: محمد مصطفى علوش (كاتب ومحلل سياسي من لبنان)

في إطار حربه على الإرهاب خرج الرئيس الأمريكي جورج بوش مؤكداً تسجيل ضربة جيدة لتنظيم القاعدة خلال حديث له في حفل المتخرجين في أكاديمية خفر السواحل الأمريكية في 23 مايو/ أيار من العام الجاري، كاشفاً عن معلومات جديدة في ملف الحرب على الإرهاب نُزع عنها صفة السرية مؤخراً قوامها أن القاعدة كانت تحاول أن تبني لها قواعد آمنة في العراق لتوجيه ضربات للولايات المتحدة وحلفائها خارج العراق، وان القاعدة كانت قد أوفدت لهذه المهمة "عبد الهادي العراقي" إلا انه تم اعتقاله من قبل تركيا أثناء عبوره لحدودها وتم ترحيله إلى سجن غوانتانامو في كوبا، فهل حقيقة استطاع الرئيس بوش قصم ظهر "القاعدة" في العراق، وهل حقيقة أن هذا ما كانت "القاعدة" تنوي إنشاءه في العراق؟

 

القاعدة وبناء خلايا تعمل من داخل العراق

المعلومات المنتزعة من ملف أزيلت صفة السريّة عنه من نشرة الأمن الوطني الأمريكي في آذار/مارس 2005 تقول أن زعيم "القاعدة" أسامة بن لادن كلّف ممثّله في العراق، "أبو مصعب الزرقاوي"، بتشكيل خلية تكون نواة لبناء خلايا منظمة مهمتها شن هجمات مسلحة ضد أهداف للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها خارج العراق على اعتبار أن العراق بوضعه الحالي يوفر بيئة خصبة جداً لترعرع هذه الخلايا وحمايتها، وبناء عليه فقد أوعز بد لادن لرجل يدعى "حمزة ربيعة" بإطلاع الزرقاوي على الخطط الراهنة وقتئذ بعد أن اقترح المستشار الرفيع لـ"بن لادن" المدعو "أبو فرج الليبي" بإيفاد "ربيعة" إلى العراق للمساعدة في إعداد خطط الهجمات متكهناً بأنه "إذا تكلّل مجهوده هذا بالنجاح فقد يكون بمقدور القاعدة أن تعد العدة لغالبية عملياتها الخارجية داخل العراق في يوم ما."

إلا أن هذا المخطط لم ينجح حيث تم القبض على "أبو فرج الليبي" في أيار/مايو 2005م وتم ترحيله لـ"سجن غوانتانامو" فيما قتل "ربيعة" بباكستان في نهاية العام 2005 وقضى "الزرقاوي" نحبه جراء غارة جوية أميركية في العراق في حزيران/يونيو، 2006".

حاولت "القاعدة" استدراك ما فات وجبر تلك النكسة فأوفدت "عبد الهادي العراقي" من أفغانستان للعراق ليكون خليفة للزرقاوي في بناء تلك الخلية التي هدفها التخطيط لأعمال القاعدة خارج العراق إلا أنه تم القبض عليه في تركيا وتم تسليمه للولايات المحتدة الأمريكية كما بين "مصطفى أبو زيد" مسؤول تنظيم "القاعدة" في أفغانستان قبل يومين خلال شريط مسجل بث عبر الإنترنت.

الرئيس بوش اعتبرها ضربة قاصمة "للقاعدة" فذكر أمام خريجي أكاديمية خفر السواحل الأمريكية أن "نجاحات من هذا القبيل هي بمثابة ضربات توجّه للقاعدة، وهي تشهد على الخطوات التي اتخذناها لتعزيز نشاطات استخباراتنا والعمل عن كثب مع شركائنا في الخارج، وإبقاء الضغوط على العدو من خلال محافظتنا على وضعنا الهجومي".

لكن بوش أكد أن "القاعدة" لا زالت مصممة على مرادها محذراً من أنه "إذا أفلحت القاعدة في العراق فأنها ستتابع أهدافها المعلنة بتحويل العراق إلى قاعدة من حيث ستنطلق للإطاحة بحكومات معتدلة في المنطقة، وفرض عقيدتها الحاقدة على الملايين، وشنّ هجمات جديدة ضد أميركا وأمم أخرى". مسلطاً الضوء على عدة مؤامرات "للقاعدة" ضد الولايات المتحدة تم تعطيلها، بما فيها إلقاء القبض على علي الخبير الكيميائي "صالح الماري" الذي كان يخطط مع "خالد شيخ محمد" لتسميم خزانات مياه أميركية واستهداف سوق الأسهم بنيويورك، وان "أحداث 11 أيلول/سبتمبر، 2001 ما هي إلا دفعة على الحساب في سلسلة أعمال عنف لم تكتمل."

"أبو اليزيد" في رده على الرئيس الأمريكي بعد أيام من خطاب بوش، أكد أن التنظيم استأنف نشاطاته على الأراضي الأفغانية بعد تعينه مسؤولا له في أفغانستان حيث "إن مقاتلي القاعدة تلقوا تدريبات خلال الشتاء من أجل شن هجمات كبيرة خلال هذا الموسم". نافياً في الوقت نفسه أن يكون مقتل أو اعتقال أي قائد في التنظيم قد أثر على بنية التنظيم أو قوته.

 

القاعدة وتمددها العنكبوتي

يبدو أن ما ذكره "أبو اليزيد" أقرب إلى الحقيقة من ادعاء بوش الباحث عن رافعة له ولحزبه في وسط الرأي العام الأمريكي الحانق عليهما هذه الأيام، فعلى سبيل المثال تورد "الفاينانشل تايمز" البريطانية مؤخراً تقريراً بعنوان "الوقت ضيق لوقف المد الجهادي" تؤكد فيه أن "جهاز مناعة الأنظمة العربية ينهار"، متابعة: "ورغم أن التفجيرات الإرهابية من الدار البيضاء إلى اسطنبول، ومن بالي إلى مومباي، ومن الرياض إلى عمان، ومن لندن إلى مدريد، كانت مروعة فعلا، فأن الخطر الجهادي الحقيقي يترعرع في الظلام كالفطريات السامة، لينتشر في كل الشرق الأوسط".

من جهته، ينقل" ديفيد بروكس" في صحيفة "نيويورك تايمز" 19/5/2007، عن خريج أكاديمية "قوة سلاح الطيران" الذي عمل ضابطاً في الوحدة الخاصة بمكافحة الإرهاب "جون روب" والذي كرس جزءاً طويلاً من وقته خلال السنوات القليلة الماضية، في الدراسة التفصيلية لسلوك هذه الجماعات، ونشر خلاصة ما توصل إليه في كتابه "الحروب الجسورة الجديدة" اعتقاده أنه ليس هناك من معنى لمحاولة قطع رأس هذه الحركة، أو لتفكيك بنيتها التنظيمية، لأنها تفتقر لمثل هذه العناصر والمكونات أصلاً في بنيتها الهيكلية، وبدلاً من ذلك، فإنها تتألف من مجموعات شتى يائسة ومصممة على تنفيذ ما تريد، ولها القدرة على تبادل المعلومات فيما بينها، وكذلك تبادل الخبرات والتجارب الميدانية، إلى جانب قدرتها على الاستجابة السريعة للتغيرات والمؤشرات البيئية الميدانية المحيطة بها. وعلى سبيل المثال، فقد أنفقت الولايات المتحدة مليارات الدولارات على محاولاتها الرامية إلى وقف الهجمات الموجهة إليها وإلى حلفائها بواسطة المتفجرات غير أن الذي حدث هو أن صناعة المتفجرات نفسها قد طرأ عليها تغير كبير في عالم اليوم، بفضل التحول الذي حدث على علم المعادن نفسه، ونتيجة لهجرة التكنولوجيا وسرعة دورة الابتكارات التقنية الجديدة، ولهذا السبب فقد ظل معدل الهجمات التي تستخدم فيها المتفجرات، ثابتاً طوال سنوات الحرب الأربع".

من أهم ما يسجله الكاتب من ملاحظات على سلوك هذه الجماعات، أنها ليست طامحة في تسلم زمام السلطة والقيادة في البلدان التي تنشط فيها، "وإنما يقتصر الهدف الوحيد الذي تسعى هذه الجماعات الحديثة لتحقيقه، على إضعاف الدول والحكومات، حتى يزدهر ويتسع نشاطها، في فضاء الفوضى واللاقانون، الذي تتعمد خلقه لنفسها هناك. وبما أن الهدف الاستراتيجي لهذه الجماعات، هو انهيار القانون والنظام، فإن ذلك هو الذي يفسر عدم حاجتها أصلاً لبناء أي شيء أو تحمل أية مسؤولية كانت".

 

القاعدة في مكان آخر

الولايات المتحدة الأمريكية التي نجحت بالحؤول نسبياً بين "القاعدة" وبناء "خلايا آمنة" لها في العراق لشن حملات خارجه لم تستطع التمتع بنشوة هذا النجاح طويلاً على الرغم من إعلان جورج بوش اعتقال "عبد الهادي العراقي" الذي كلف بهذه المهمة بعد موت سلفه، إذ لم يمض على كلام بوش أيام حتى ظهرت "القاعدة" في لبنان تحت مسمى" تنظيم القاعدة في بلاد الشام"، تهدد "بتنفيذ تفجيرات في لبنان وهجمات ضد المسيحيين ما لم تسحب بيروت قواتها من حول مخيم نهر البارد حيث تتم محاصرة عناصر من "فتح الإسلام" يشتبه بانتمائهم إلى القاعدة فكرياً ومنهجياً إن لم يكن انتماءً عضوياً".

وإذا صحت المعلومات التي وردت على لسان المسؤول عن العمل الخاص والإداري لتنظيم "عصبة الأنصار" الفلسطينية في مخيم عين الحلو جنوب العاصمة بيروت "طه محيي الدين شريدي" ، أنه في 17/3/2007 صدرت فتوى داخلية من أيمن الظواهري الرجل الثاني في تنظيم "القاعدة" تفيد "أن تنظيم فتح الإسلام هو جزء من تنظيم القاعدة"، وأنه صدرت تعليمات بمساندة شاكر العبسي قائد تنظيم "فتح الإسلام" في لبنان على أن يتم تأمين الدعم المالي والبشري للمذكور، وكذلك إلحاق كافة العناصر العسكرية في لبنان تحت قيادة "فتح الإسلام" تكون "القاعدة" نجحت في خداع الولايات المتحدة طيلة السنوات الأربعة الماضية بأنها تنوي بناء خلايا لها في العراق تحضر لأعمال خارجه في حين أنها في الحقيقة كانت تقوم ببناء هذه الخلايا في لبنان حيث الأرض الرخوة والبيئة الخصبة لترعرع مثل هذه الخلايا ، بل ربما قد صلب عودها كثيراً في لبنان إذا ما أخذنا بالاعتبار ما شكلته حركة "فتح الإسلام" من تهديد لبنيان الدولة اللبنانية خلال هذه الأيام.