في الذكرى الخامسة والخمسين لثورة 23 يوليو المجيدة
هوامش على دفتر الثورة....!!
بقلم: محمد علي الحايك (أبو تمّام) - دمشق
في ظلمة ليل عربي حالك الاستبداد، وبعد عهودٍ طويلةٍ مثقلةٍ بالخيبات والمرارات، بانتظار نقطة الضوء في آخر النفق، يعيشُ شعبٌٌ بكامله حياةً قلقةً، يختزنُ في نهاره إحساساً عارماً بالقنوط، وفي مسائه حُزناً يأكل ما تبقى من ومضات الضوء، ينتصفُ ليله على لسع الإشاعات داخل أسوار الفقر، وينام على وسادة التخلف محاصراً بالخوف والمؤامرات، يلتحفُ القهرَ والظلمَ بحقوق منتهكةٍ وثروةٍ منهوبة، يستيقظُ على ضبابٍ كثيفٍ وقد تداخلت آلامُه وتحشرجت أحلامُه بالتحالف غير المقدس بين الاحتلال وقواته ومندوبه السامي وبين القصر السادر في عبثية الحكم، يلهبُ بسياط القمع ظهرَ النضال الشعبي واندفاعاته ورموزه الوطنية وحركته الدائبة من أجل الحرية..
وعلى وقع صفعات النكبة المؤلمة باغتصاب واسطة العقد العربي ودرّة بلاد الشام (فلسطين 1948)، استيقظت الجراحُ في مصر، ونهضت الأحلامُ تفتش في دفاتر الانتصار عن يومٍ وبطلٍ لهما كبرياءُ السنديان ووفاءُ التراب، تستحضرُ بهما مثالَ الماضي عبوراً إلى أهداف المستقبل، فلبست القناعات النبيلة عباءةَ الغضب الثوري، واستشاط الدم في القلوب المؤمنة، يحسم المواقف بعد اعتكاف طويل في محراب الصبر الذي بلغ مداه، وبدأت رحلة الإبحار إلى عودة الروح، فوقفتْ إرادةُ الطليعة الثورية تقدّمُ أوراق اعتمادها بين يدي الطموح الوطني والقومي، ليستفيقَ الحلمُ العربي على حلمٍ آخر يجدّدُ ذلك الميراث العريق من الرجولة والبطولة والريادة.
وهكذا استقبلتْ صباحات الحرية في الثالث والعشرين من يوليو 1952 قلائد الضوء تزيّنُ المبادئَ الستة، وباقاتِ الشمس تهنئُ فلسفة الثورة، ووابلَ من حفنات النصر تروي الأرضَ في مصر والوطن العربي بالنجاحات والإنجازات، وقلوباً من أجيال ٍمختلفة تلتقي على قلب رجلٍ واحدٍ، تشمّرُ السواعدَ وتشحذ الهممَ وهي تكتبُ بعرق العمل وحبر القلوب لحظات الانتصار، وتتبادلُ نوباتِ الحراسة حول أشجار الحلم المروية بدماءِ الحب لفلسطين والمعمدة بماء الطهر العروبي الآتي من رباط الاستشهاد الذي راح جول جمال وبور سعيد يقدمانه وفاءً لعطش البحر والأرض إلى الحرية ...يومها أشرقَ الفرحُ في عيون أطفالنا، وتفتحت الدنيا زهوراً في أحلام شبابنا، والتمع البأسُ وعداً في عزائم آبائنا، واخضوضرتِ الآمال في صدور أمهاتنا، واغرورقتْ دموع النصر في زغردات جداتنا، وهي تحتضن الفروسية القادمة من أحياء بني عبس، والشهامة الطالعة َ من مضارب بني مُر، والبطولة المتألقة من يوميات القادسية واليرموك، والريادةَ الوحدوية الحاضرة للتوّ من صفحاتِ الشجاعة التي خطّها صلاحُ الدين في حطين......
ولأن مدّ الفرح كاد يلغي جزر الحزن، فقد أطلق الخيالُ الشعبي لنفسه العنانَ وراح يستقبل العائد من انتصار السويس قائداً للوحدة العربية.. وكانت الوحدة لحظة انتصارٍ، اكتشفت الأمةُ فيها ذاتها وحقيقة وجودها مع قائدٍ له نخوةُ "المعتصم " وشمائلُ سيف الدولة واعتزازُ المتنبي ومروءةُ السيف اليماني ممزوجة بخصوبة النيل وعذوبة الفرات وسمرة رغيف الخبز البلدي، دخلت الأمة به عصر القومية العربية بلا منازع، مستجيبة ً لنداء التاريخ والجغرافية بدعم ثورة الجزائر وإسقاط حلف بغداد وتحرير اليمن، رامية ً وراء ظهرها لياليَ الأرق وسنوات الفرقة وأيامَ التجزئة إلى شعلة أملٍ تتوهّجُ في رحاب العصر فاتحة الطريقَ إلى فضاءاتِ الحرية وعوالم العلم والتقدم والتطوّر والعدل الاجتماعي.
ومن شرفات الأمل المطلّة على حقول الأماني التي يعتريها الحنينُ المشبع بالكرامة إلى حقائب الروح المسافرة على جناحي الحرية والحياد الايجابي إلى (باندونغ) حيث يقرأ العربي على مسامع الدنيا عشقَ الأهل للأرض وهواء فلسطين بعد أن خطف الاغتصابُ الصهيوني أرضَهم وعالمهم وأحلامَهم، ومع انطلاقة شمس النهار تطاردُ بقايا العتمة، كان الناس ينصتون إلى رجلٍ بحجم أحلام الوطن يتحدث لأول مرةٍ بالعربية في ندوات ومؤتمرات عدم الانحياز في (بريوني وبلغراد ونيودلهي والقاهرة ودورة الأمم المتحدة والقمة الإفريقية)، مؤكداً بأن على الاستعمار أن يحمل عصاهُ ويرحل فــ"حرية الشعوب لا تتجزأ" و"نصادقُ من يصادقُنا ونعادي من يعادينا"، وبينما الوطن الوحدوي يروي سنابل الإبداع بالعرق والفكر غامت الرؤيا وتعطّلتِ البوصلة ُ بين يدي صغار النفوس فراحوا يحتفلون بانطفاء شموع الوعي وقناديل الفرح وذبح الحلم الوحدوي إيذاناً ببدء زمن القُبح الانفصالي الذي ترك بصماته السوداء ندوباً بالغة َ القسوة على وجداننا وشغاف قلوبنا....!!
في هذا الأوان، وسط عالم كامل من الدهشة، دقتْ ساعة ُ العمل الثوري، إنها ساعة ٌ للعمل وليست ساعة ً للحزن، تخطّتِ الثورة فيها جدارَ الخوف إلى ربيع الحلم، تبني وطناً للعدل يغيبُ فيه استغلالُ الإنسان للإنسان، تنشرُ ضياءَ الحرية السياسية والحرية الاجتماعية، تعمل على تحقيق العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص في الاتجاهات الأربعة، تقيمُ مجتمعَ الكفاية والعدل وسيطرة الشعب على وسائل الإنتاج، تنفرج أساريرُ العامل بضحكةٍ أحلى من قطرة شهد تلامسُ شغاف قلبه، ويبتسمُ الفلاحُ لاخضرار الأرض بأحلامٍ يانعةٍ حان قطافُها، يتألّقُ الإبداع في مخيلة المثقف وقلمه، ويقاتلُ الجندي في كل أرض ٍ عربيةٍ معاركَ الحرية والحقِّ والعروبة، وفي موسم الحصاد تقتربُ المسافاتُ بين الناس وتذوبُ الفوارقُ بين الطبقات لينعمَ الجميع ببناء السد العالي المقدمة الأولى لحتميّة الحل الاشتراكي الذي أخذ على عاتقه وصولَ الأمّة إلى مكانةٍ حضاريةٍ لائقةٍ بها فوقَ الأرض وتحت الشمس.
وإذا كان الأخوةُ الأعداءُ قد ذبحوا الحلمَ الوحدوي قبل أن يشتدّ عودُه، فإن الإمبريالية العالمية قد اغتالتْ وطن الأحلام الجميلة دفعة ً واحدة ً، عندما أطلقتِ النارَ في حزيران/يونيه1967عل حضارة القرون وروايات التاريخ وفرح الفراشات وخلايا النحل ومواسم القمح وبيادر الحنطة وأشجار الزيتون وبيارات البرتقال، وأحلام الشعر، ونسمات الحرية، ... ولأن الشعبَ لا يخونُ نفسه فقد ادلهمّ الشعور الرافض للهزيمة من النجوع والبوادي والحقول والمصانع وارتفع لهيبُ الكلمات ورسائل الوفاء وقد اجتاحها شوقٌ عارمٌ إلى الصوت الدافئ الذي عاش العمرَ يبحث عن الحرية والكرامة لأمةٍ ضاربة الجذور في أعماق التاريخ مزّقها أعداؤها ضد إرادتها وضد مصالحها، يحملُ على ظهره وجعَ العصور وهمومَ الناس وآلامَ الفقراء، زاهداً في حطام الدنيا متعففاً عن زخارفها، وعندما رأوا في عينيه ازدحاماً شديداً بالتساؤلات، وقلبُهُ يقطر أسىً ومرارةً ولوعة ً، لما آلت إليه الأمورُ في ميدان القتال رغم تحذيراته، ضجّت الشوارعُ بمكنون الحنين تخرجُ من نبضات الجراح، وأردية الوقت، ورائحة الدقائق المتوترة وطعم الحزن الذي لا يموت، تدافعُ عن شرف الحياة وسيلة ً وغاية ً، وعن بقايا الحلم وخيوط الأمل بدمع القلب ودماء المعاني، وعلى ضفاف الدعوات الموصولة بأسباب التحرر من العجز واليأس والأسر إلى الأمل والفعل والانطلاق، ومع تراتيل حقول السنابل تحت أضواء الفجر وصبوات سهول القطن مع إشراقة الشمس، تعودُ الروحُ العربية التي بعثرتها الهزيمة ُ تلمُّ نفسَها من جديد حين استأنفت الدماءُ دورتها في الأفئدة، فـ((لا صوتَ يعلو على صوت المعركة)) و((ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة)) وعند كتف القناة راحت أسرابُ الحمام تعانقُ بشوق الوطن إلى الانعتاق الروحَ العالية لقائدٍ سقط وسط جنوده راسماً بدمه نقطة َ الذروة في الخط البياني لحرب الاستنزاف المجيدة التي مهرتْ صفحةَ الشرف الأولى في كتاب النهار الجديد بدم عبد المنعم رياض.. لقد تعلّقَ الناسُ بيوميات حرب الاستنزاف تعلق الأرض العطشى للمطر والبراعم بالندى والصدى بالصوت والضحك بالفرح، ودارت الأيامُ ورحل القائدُ دون أن يدركَ النصرَ الذي وهبه سنواته الأخيرة، رحل وفي حلقه غصّةُ الهزيمة ونزيفُ الدم العربي المهدور في الدروب الفرعية.
واليوم: وبعد هذه السنوات العجاف التي اشتدّتُ فيها الهجمة على الأمة وجوداً ومقدراتٍ وتغيّرتْ فيها مفاهيمُ الثورة والسياسة ومنظومة القيم، فهل هناك حقاً مَنْ يحملُ الرسالة ويكملُ المشوارَ بعدما سقط من سقط في مطبات الطريق؟! وخرجَ مَنْ خرج إلى الرصيف يتفرجُ على المارة...؟! وأما الفئة القليلة القابضة على جمر المبادئِ والثوابت فهي بحاجة إلى عرقٍ وجهدٍ ودماء تروي بها حقول الكرامة والمقاومة والوفاء...!!
يقول حكيم صيني (إن أردت ألا تموت اترك للحياة كتاباً وولداً وشجرة) فهل ترك عبد الناصر في أمته شيئاً من هذا؟! وهل يعيش الذين ينتسبونَ إليه لحظة احتضارٍ أم إرادةَ مقاومةٍ تملكُ القرار؟! سؤالٌ برسم الجواب في قادماتِ الأيام...!!
دمشق في الأول من تموز 2007م