بوش.. منطق أعوج.. وعدالة عرجاء..!

محمد ح. الحاج - سورية

لأنه رئيس الدولة "الأعظم" ولأنه وحيد القرن والعصر والزمان الرديء، ويمتلك القوة الأكبر على وجه الكرة الأرضية، ليست العسكرية فحسب، وإنما في كل المجالات، وحصلت عليها بلاده بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة، لأجل كل ذلك تلقى أحاديثه وتصريحاته الاهتمام، ولو كانت ممجوجة ومقيتة، منطقه أعوج منذ بداياته وحتى نهايته القريبة، ومع ذلك ولأنه يقترب من هذه النهاية التي سيركن بعدها في زاوية ما من مزرعة نائية مخلفاً أسوأ الذكريات في ذاكرة الشعب الأمريكي أولاً وشعوب العالم تالياً فإنه يحاول الظهور شكلياً بأنه يبحث، ويعمل للسلام، والعدالة "والحرية والديمقراطية " لكنه يثبت فشله المرة تلو الأخرى، ويؤكد لكل من لا زال يعتقد بأن النظام الأمريكي قد يحقق العدالة لأحد، أو الأمن والسلام للعالم، أنه الأبعد عن فعل ذلك.

يتجسد منطق بوش الأعوج في كل سلوك يسلكه، أو حديث ينطق به، أو عمل يخطط له، من مثل إيمانه بأنه يمثل المصالح الحقيقية للشعب الأمريكي وأنه الأدرى بهذه المصالح، كما أنه يرى في حصوله على 50% وجزء بسيط من الواحد فوقها.. قمة الديمقراطية..!!، لكنه لا يقر مثل هذه الديمقراطية في دول وبلدان أخرى طالما تتعارض ومصالحه الخاصة، ومصالح شركائه في الاحتكارات ويعمل على إسقاط مثل هكذا ديمقراطية (ولو تجاوزت 60% أو أكثر)، كأن يهدد بتجويع الشعب الذي يمارس ديمقراطيته الحقيقية كما في فلسطين أو لبنان، أو حتى العراق.. الديمقراطية حسب نظرة بوش الصغير هي اصطفاف الشعوب إلى جانب إرادته.. أوامره، وهكذا على أغلبية الفلسطينيين أو، كلهم أن يقفوا ضد حماس، أن يعترفوا بقاتلهم، وحقه في استمرار عمليات القتل والنهب، والسيطرة على كل شيء بما في ذلك طرد من بقي منهم خارج الوطن.. برأي بوش هذا هو المنطق، وأما العدالة العرجاء التي يؤمن بها فهي أن من حق العدو تنفيذ عمليات الإعدام العشوائية بحق كل من يعارض الاحتلال على قاعدة أن الاحتلال يدافع عن "نفسه" وأن من يقف ضد ذلك هو معتدٍ لا بد من تصفيته.. ودون محاكمة.. يكفي صدور الحكم من أية جهة تابعة، وأن لليهود حق امتلاك أرض الغير ولو بالقوة.!.

بوش وخلافاً لكل أعراف وقوانين العالم، يرفض الاعتراف بأنه قوة احتلال في العراق، وأفغانستان، وغيرها من المناطق، ويعتبر أن بضع مئات من أزلامه في العراق أو غيره يحق لهم قيادة الملايين، تماماً كحقه الموهوم.. والمزعوم بقيادة العالم، من هذا المنطلق يعتبر كل من يعارض في العراق إرهابي، ولا يقبل التمييز بين مقاومة لها الحق الكامل بالمقاومة حسب قوانين وشرائع الإنسانية، وبين إرهاب أنشأه، ورعاه، ودعمه، ويستثمره في مشروعه الكبير، ومن هنا يطبق عدالته العرجاء على الشعب العراقي، يقتل مليوناً ويشرد خمسة، ويدفع إلى ما تحت خط الفقر أكثر من عشرة ملايين، يهدم البنية التحتية اللازمة لقيامة الحضارة بعد أن كانت قائمة، ويتعالى على حضارة عمرها آلاف السنوات ويطمس معالمها، يرتكز إلى رضى أقلية ناقمة على النظام "السابق"، وهكذا يحقق عدالة لهذه الأقلية بطريقة ترفضها هي ذاتها لو أتيح لها حق بيان الرأي، ولأن الأمر في غاية الوضوح لشعب أمريكا، يرى العالم ويسمع صوت من يمثلون الشعب الأمريكي من ديمقراطيين وحتى جمهوريين يطالبون بالخروج من حمأة صراع أشعلته وغذته نظريات مطامع الشركات الاحتكارية بكل صنوفها دون اعتبار الدم المسفوح على أرض العراق من كل الأطراف، ودون اعتبار لإنسانية الإنسان في كل مكان تطأه القدم الهمجية.. حتى الأمريكان الذين يلقبون بوش بالبطة العرجاء، يدركون جيداً أن منطقه أعوج وعدالته هي العرجاء، وليس مشيته ومظهره المنفوش كديك رشقه أحدهم بقليل من ماء..

في لبنان، وحسب المنطق البوشي.. أكثر من نصف اللبنانيين هم أعداء، "إرهابيون"، لا يمتنع بوش عن إطلاق النعوت والصفات السيئة بحقهم، يعتبرهم أعداء "لإنسانيته" التي تجسدت في منع العدو من وقف هجومه وتدمير بنية البلد الصغير التحتية، بل كان هاجسه أن ينجح هذا العدو في قتل أكبر عدد ممكن من المعارضة اللبنانية، وهكذا لم يخجل من دعم الأقلية الحاكمة باسم أكثرية وهمية، ولم يخجل أي من مندوبيه في إبلاغ دمشق وغيرها أن السنيورة هو رجل أمريكا في هذا الجزء من المنطقة وأنه غير مسموح إسقاطه.. حتى بالطرق الديمقراطية لأنها في نظر بوش طريقة "إرهابية" ويستمر بوش في التحريض والتدخل في كل شأن لبناني، ومشرقي، ويعيب على غيره الرد بالمثل، كأن يدافع عن مصالحه في بيته وبين أهله، أوليست هذه الحداثة في العدالة والمنطق غير مسبوقة ويستحق عليها بوش الثناء والتقدير.

في سوريا لا يجد بوش الصغير أكثر من بضع عشرات يعيشون في المنافي، بعضهم فار من وجه العدالة، وبعضهم الآخر يبحث له عن مكان وموقع للظهور، والبعض خرج لأسبابه، وقد يكون البعض تعرض لعسف أو ظلم بسبب آرائه المتشددة، أو المنفلشة، مع ذلك لم يقبل السواد الأعظم من هؤلاء أن يركبوا دبابات بوش ليدخلوا دمشق (وهو أمر عسير، بل مستحيل)، ثم يكونوا من الطراز الجلبي على قاعدة عرقنة الشام البوشية، ومن هنا لا يتورع بوش عن التمني.. حالماً بضرب دمشق وكل المدن السورية عقاباً لها على موقف يرفضه، بينما يرفض شعب هذه المدن والبلدات، بوش وإدارته، ونظامه غير الشرعي، وأحلامه وأوهامه الخرفة على أنه رسول جديد لتحقيق "إرادة إلهية... ربما يهوهية جديدة"، أسوأ ما في الأمر أن يحلم قائد من هذا المستوى، وفي هذا الموقع بالطريقة إياها، ليدرك العالم كله خطورة النتائج التي قد تترتب على أوهامه، ومن ثم قراراته إن لم يجد من يقف في وجهه، ويحد من قدرته على تنفيذ القرارات التي تقود إلى الخراب والدمار وليس إلى العدالة.

لا يقتصر أمر المعاناة على منطقتنا مع بوش المهزوز، فكل العالم يتعرض وبقدر متفاوت لمزاجيته حيث لا يكتم رغبته في إعادة صياغة الدول والعالم من جديد، على قاعدة أعلنها بعد أحداث الحادي عشر من أيلول وهي: "من ليس معنا فهو ضدنا"، وهذه قاعدة لا تقبل بالحياد كأن لا يهتم طرف ما بحرب بوش سواء كانت عادلة، أو غير عادلة، بل هو ملزم وحسب قاعدة بوش المذكورة بالوقوف إلى جانب "النبي الجديد" في رسالته المزعومة، في حين لم يقدم هذا النبي للعالم سوى الشر ونتائجه المريرة، بل وأثبت أنه الأكثر قدرة على إحداث أكبر قدر من الدمار والاضطراب في كل أنحاء العالم، العصر الأمريكي الجديد، بقيادة بوش، هل يطول، وهل تسقط رموز تبعيته بعده..؟ المؤكد.. حتماً.