اللجنة المصرية لمناهضة الاستعمار والصهيونية

ليس بالانهزامية نتجاوز الحرب الأهلية الفلسطينية

(قراءة في بيان اتحاد "اليسار")

جاء بيان اتحاد اليسار: "لتتوحد القوى الوطنية والديمقراطية من أجل إنهاء وتجاوز الحرب الأهلية" معبرا عن انهزامية جديدة للفكر السائد في هذا الاتحاد حول المسألة الفلسطينية أضيفت للانهزامية القديمة المتمثلة في تسليم نسبة كبيرة من أعضائه بالاعتراف بـ"اسرائيل".

ولعل التلغيز والغموض الذي غلف صياغات هذا البيان ومحتواه يبدو لنا تمويها ربما مقصودا على التراجع عن المشترك - أو الثوابت على حد قول الفلسطينيين - بين تيارات وجماعات الحركة الاشتراكية المصرية حول قضايا الصراع العربي – "الاسرائيلي"، وهو رفض الصهيونية وتأييد المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها المقاومة المسلحة لتحرير الأراضي الفلسطينية المحتلة سنة 1967 على الأقل، هذا التراجع الذي أراده أصحابه تراجعا غير معلن بطريقة مباشرة، ومن المعلوم أن المشترك المذكور أبقى على الخلاف العميق الجوهري حول استراتيجية هزيمة الصهيونية وتصفية كيانها في فلسطين بين من يشيعون الوهم عن الاعتماد على تنامي ما أسموه بالحركة المعادية للاستعمار والصهيونية داخل الكيان الصهيوني "اسرائيل" والتقائها مع نضال الشعب الفلسطيني والشعوب العربية ضد الاستعمار والصهيونية، وبين من لا يرون داخل دولة المعسكر الصهيوني إمكانية لإنجاب مثل هذا الحركة المزعومة ومن ثم يرون ضرورة الاستمرار في التعامل مع اليهود المهاجرين لفلسطين في إطار الحركة الصهيونية أيام الانتداب البريطاني وتحت ظل الكيان "الاسرائيلي" كغزاة مستعمرين مستوطنين ومقاومتهم كما يقاوم كل استعمار وخاصة الاستيطاني بالمقاومة المسلحة كالوسيلة الرئيسية.

تمثل هذا التراجع - في ضوء قراءتنا للبيان المذكور- في:

أولاً: أسقط البيان الصهيونية من "القوى المعادية"، واستبدلها بالعنصرية وتجنب تماما تعبير "الكيان الصهيوني" واعتبر ما أسماه "العصب العنصرية" هي وقوى اليمين المتطرف مع الاحتلال "الاسرائيلى" والاستعمار الأمريكي كقوى تقود المؤامرات في المنطقة ونتائجها المريرة والدموية.

وبهذا يكون البيان:

أ - استبعد الصهيونية من القوي المعادية واستبدل العنصرية كقوة معادية بالصهيونية وجرد الاحتلال والكيان "الاسرائيلى" من عناصر الصهيونية العضوية والتي تميز الصهيونية عن أشكال العنصرية الأخرى: الاحتلال – الاستيطان – العدوان – التوسع - قاعدة وأداة قوى الاستعمار العالمي التي قامت بغرسه في فلسطين وتبنت تثبيته ثم توسعه سواء بضم الأرض أو عبر مفهوم الأمن الخارجي (تجريد الأراضي التي ينسحب منها من السلاح العربي كسيناء المصرية)، وأبقى فقط على الوجه العنصري من هذا الكيان ومن الصهيونية والذي تماهى -وفقا لسياق البيان - مع عنصرية "عصب" أخرى بالمنطقة، وهو بذلك يبرر القبول بالصهيونية و"حق اليهود في إقامة وطن لهم في فلسطين" ويرفض فقط وجهها العنصري مثل رفضه "العصب" والاتجاهات العنصرية علي الجانب الفلسطيني والعربي سواء بسواء، ويطرح شعار العداء للاستعمار و"العنصرية "بديلاً لشعار الاستعمار و"الصهيونية" متجاهلاً العلاقة العضوية بين عنصرية وصهيونية الكيان "الاسرائيلي" وحاجبا العلاقة العضوية بين تصفية الكيان الصهيوني وتصفية الاستعمار والعدوان الاستعماري تصفية نهائية في المنطقة.

ب - جعل "العصب العنصرية" قوي متمايزة عن الاحتلال "الاسرائيلى" ومستقلة عنه، وبذلك يعني البيان بتلك العصب – وكما سيتأكد لاحقا أيضا - القوى والأحزاب الإسلامية والقومية التي تقود (أو تشارك بثقل كبير في المقاومات العربية المسلحة الراهنة في كل من فلسطين ولبنان والعراق) وبعض "العصب" في الكيان الصهيوني والتي أدمج عنصريتها مع عنصرية العصب العربية في كل واحد، وافتعل البيان بذلك وجها للتشابه بين طبيعة الكيان الصهيوني وبين طبيعة مجتمعات العالم الطبيعية في إفرازها - لأسباب عارضة أو خاصة أو طبقية استغلالية - بعض "العصب العنصرية" إلى جانب قواها وحركاتها الاجتماعية والسياسية وتياراتها الثقافية غير العنصرية!.

ج - خلوه حصرا من لفظ الصهيونية (وكيانها)، وخلوه حصرا من لفظ المقاومة، وبذلك وبالغموض المضروب على مفهوم العنصرية وعصبها، يحيلنا البيان بالضرورة إلى الاعتراف العربي بالمجتمع "الاسرائيلى " و"بقوميته اليهودية"، ويصبح الكفاح الفلسطيني والعربي السلمي المدني، و"الكفاح الاسرائيلي" السلمي المدني أيضا، الأسلوب الرئيسي للتخلص من احتلال الضفة والقطاع ومن عنصرية "اسرائيل" ولـ "بناء دولة ديمقراطية علمانية (ذات قوميتين عربية ويهودية) على كامل التراب الفلسطيني"، وذلك كما هو معروف ومتداول في أراء وكتابات بعض أعضاء هذا الاتحاد عن رفض عسكرة الانتفاضة (رفض الكفاح المسلح) ورفض العمليات الفدائية ضد ما أسموه "المدنيين" الصهاينة خلف الخط الأخضر (أراضي فلسطين المحتلة سنة 48) والقول "بقومية يهودية" والدعوة لدولة واحدة ثنائية القومية يهودية فلسطينية في فلسطين.

ثانياً: جاء البيان محملا بعداء واضح للمقاومة الفلسطينية عجز عن إخفائه - بل على العكس أكده - تجاهله لها ولموقعها من أحداث الاقتتال الفلسطيني في الأسباب والنتائج وكذلك عدائه للمقاومة اللبنانية والعراقية ولاستراتيجية المقاومة والتحرير عامة.

يتبدى ذلك في:

أ - الهجوم على النظام السوري ودوره في دعم تلك المقاومات دون أن يذكره بالاسم ولا ندري لماذا؟.. هل خوفا من ملاحقة البوليس المصري المتضامن مع النظام السوري ودوره؟!! أم مناورة على غضب محتمل من الحزب الشيوعي السوري والحزب الشيوعي اللبناني المناصرين للمقاومة؟.. فقد نص البيان على "....أو خواء الادعاءات الوطنية لبعض هذه السلطات (والواضح أنه يقصد سوريا أساسا) وانتهاجها لسياسات قمعية ضد شعوبها ومثقفيها.. وأحيانا محاولتها مد سلطتها القمعية إلى بلاد عربية مجاورة (والواضح أنه يقصد بهذه البلاد لبنان والعراق والأراضي الفلسطينية في الضفة والقطاع) بالتحالف مع أصوليات دينية أو قومية أو عرقية ومذهبية"، ومن المعلوم بل المعلن أن النظام السوري يدعم المقاومة اللبنانية بقيادة "حزب الله" سياسيا وعسكريا ولوجستيا، ويؤمن لقيادات ومكاتب وإعلام أغلب منظمات المقاومة الفلسطينية وجودا في سوريا ويدعمها سياسيا على الأقل، كما يبدي تحفظا على المتطلبات الأمريكية في حصار المقاومة العراقية ويدعمها إعلاميا، وتوضح الفقرة السابقة للبيان رغم غموضها موقف البيان الرافض لا لدور النظام السوري فحسب بل والرافض للمقاومات التي يدعمها هذا النظام والذي وصفها بالأصوليات الدينية أو القومية أو العرقية والمذهبية لتشكل بالبداهة مفردات "العصب العنصرية" العربية التي يعنيها.

ب - قرن البيان بين تحالف النظام السوري مع "أصوليات دينية أو قومية أو عرقية ومذهبية"، والذي لم نجد له ترجمة إلا في دعم النظام السوري للمقاومات العربية المسلحة الراهنة، وبين قوله "أن جوهر الهجوم الإمبريالي على المنطقة يستهدف تفكيك البنيان الاجتماعي..".

ونحن إذ نؤكد على هدف الهجوم الامبريالي في تفكيك بنيان دول المنطقة نندهش من إصرار البيان على الخلط والدمج بين الأدوات والوسائط المذهبية والعرقية التي ارتكز عليها هذا الهجوم في تحقيق هدفه التفكيكي وبين المقاومة التي واجهت هذا الهجوم وأهدافه، والتي تقودها – أو تشارك فيها - قوى دينية أو قومية، فأدوات التفكيك المذهبية والعرقية - كما هو واضح لكل ذي عينين - هي ذات الأدوات والقوى والأحزاب المذهبية والعرقية (وكذلك قيادات بعض الأحزاب المدنية كقيادة الحزب الشيوعي العراقي الخائنة) التي تحالفت مع هذا الهجوم الإمبريالي بدءا بالعراق:

* فهل يمكن لبصير أن يدمج أو يخلط بين قوى المقاومة العراقية (متراس المنطقة) - والتي أعلنت أهم فصائلها بعد انطلاقها بفترة وجيزة برنامجا سياسيا تضمن ضمن ما تضمن: أن يصبح العراق دولة موحدة ديمقراطية بعد التحرير، ولم يتضمن أية إشارة لدولة دينية - وبين الأحزاب والجماعات المذهبية والعرقية التي تحالفت مع "الهجوم الإمبريالي" قبل وأثناء وبعد الغزو، سواء تلك التي دخلت العراق لتشكل هي والمرتزقة "فرق الموت" تحت إشراف قوات الاحتلال لتحريك الفتن الطائفية والحرب الطائفية لإضعاف وحدة الشعب العراقي لمقاومة الاحتلال كـ"المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، وحزب الدعوة" والحزبين الكرديين لبرزانى وطالبانى أو تلك التي تشكلت لاحقا بموافقة ودعم الاحتلال، ثم إدخال عناصر "القاعدة" المشبوهة؟

* وهل يمكن لعاقل أن يدمج أو يخلط بين قوى المقاومة اللبنانية - التي حمت ولا تزال أرض ومياه لبنان من الأطماع الصهيونية والاستعمارية والتي دعا قائدها إلى ما يمكن اعتباره "الجبهة العالمية المتحدة ضد الامبريالية" التي تمتد من طهران، حتى أخونا شافيز في فنزويلا - وبين "فتح الإسلام" و"جند الشام" أو "جند الست "وغيرهما من التنظيمات التي يعرف القاصي والداني في لبنان والمنطقة من يقف وراء تمويلها وتسليحها وإدخالها لبنان ودور "قوى 14 آذار" (مارس) وزعيمها الحريري الصغير.؟

* وهل يمكن لإنسان أن يدمج أو يخلط بين "كتائب شهداء الأقصى وسرايا القدس والقسام وأبو على مصطفى) وغيرها من فصائل المقاومة الفلسطينية الصامدة وبين أية منظمات أخرى مخربة يقف ورائها أو يوجه أداءها الكيان الصهيوني وعملائه؟!!.

ج - عزى البيان اختيار الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة (لحماس) في الانتخابات التشريعية الماضية إلى "أن ممارسات حركة (فتح) داخل السلطة وفساد بعض القيادات! أخرج (فتح) من قيادة حركة الكفاح الوطني الفلسطيني"، ولم يوضح أية معلم لتلك الممارسات، كي يستبعد – قسرا - إسناد هذا الاختيار الشعبي إلى مناصرة أغلبية الشعب الفلسطيني لنهج المقاومة وأكبر فصائلها حاليا (حماس)، أو إلى نبذ تلك الأغلبية لنهج أوسلو و(خريطة الطريق) ولتيار سائد داخل (فتح) وضع القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني في مأزق (أحد عناصره التأسيس لحرب أهلية).

وأخيرا فإن دعوة اتحاد "اليسار" لتوحد القوى الوطنية والديمقراطية لتجاوز الحرب الأهلية بين الفلسطينيين ليس له أية مصداقية مع الميول الانهزامية التي يكشف عنها بيانه، فليس خافيا علي أحد أن وجود مثل هذه الميول الانهزامية في السلطة الفلسطينية هي التي خلقت قي الأساس خطر الحرب الأهلية الفلسطينية.

 وإننا إذ نعرض قراءتنا للمحتوى الرئيسي للبيان، نهيب بالاشتراكيين المصريين، اليقظة للاتجاهات الخطيرة التي كشف عنها وللوقوف بموضوعية وحزم ضد الأفكار والمواقف المشوهة لتاريخهم ومواقفهم والضارة أبلغ الضرر بنضال الشعب الفلسطيني والمصري وكل الشعوب العربية.

اللجنة المصرية لمناهضة الاستعمار والصهيونية

7/7/2007