اللجنة المصرية لمناهضة الاستعمار والصهيونية
صراع "حماس وفتح" ومقتضيات المسألة الفلسطينية حاضرا ومستقبلا
تابعت اللجنة المصرية لمناهضة الاستعمار والصهيونية أنباء تطور الصراع بين "فتح وحماس" والاشتباكات العسكرية التي استمرت في الاندلاع بينهما بصورة متقطعة وعلى فترات متقاربة طوال الشهور الماضية إلى حرب طاحنة في قطاع غزة خلال الفترة من 10 إلى 15 يونية الجاري حسم الصراع فيها عسكريا لصالح "حماس" وهزيمة الأجهزة الأمنية واستيلاء "حماس" على مقارها وسلاحها وانفرادها بالحكم الذاتي لقطاع غزة.
كما تابعت ما نجم عن ذلك من قيام رئيس السلطة الفلسطينية بإعلان الطوارئ وحل حكومة "الوحدة الوطنية" التي تقودها "حماس" برئاسة اسماعيل هنية وتشكيل "حكومة طوارئ" برئاسة فياض وغيرها من القرارات التي اتخذتها "السلطة" وحركة "فتح" ورفضتها "حماس" وحكومة هنية مما أسفر عن قيام سلطتين وحكومتين للحكم الذاتي الهزيل وغيرها من ردود الأفعال والتطورات التي أحدثت شقا عميقا لم يحدث له مثيلا من قبل في الصف الفلسطيني وانصراف أكبر فصيلين فلسطينيين إلى مقاومة بعضهما بدلا من مقاومة الاحتلال.
وفي ضوء ذلك، ومن واقع متابعة ما جرى منذ فازت "حماس" بأغلبية المجلس التشريعي وتشكيلها للحكومة، بل ومن قبل ذلك منذ قرار شارون سنة 2004، بالانسحاب من غزة وظهور ما سمي "إشكالية السيطرة الأمنية على غزة" بعد انسحاب "اسرائيل" منها، ترى اللجنة في هذا الأحداث والتطورات ما يلي:
1 - تخطى نزاع "حماس وفتح" وعلى أسوأ صورة ممكنة المحظور الأول الذي يجب عليهما معا التقيد به وهو عدم اللجوء إلى السلاح لحل أو معالجة الخلافات بين قوى وفصائل الشعب الفلسطيني، فعدم اللجوء للحل العسكري للخلافات بين القوى الوطنية قانون أساسي من قوانين أي حركة تحرر وطني في العالم يأخذ في الواقع الفلسطيني أهمية مشددة وقصوى ويصبح قضية حياة أو موت لأنه مهدد باحتلال استيطاني أصبحت له الغلبة السكانية على أراضي فلسطين بعد إجبار أكثر من نصف الشعب الفلسطيني على اللجوء والعيش في الشتات. لذلك فإننا من حيث المبدأ ندين وندعو جميع الوطنيين فلسطينيين وعرب لإدانة من بادر إلى استخدام السلاح ومن أمعن في رده المسلح على العدوان بدلا من الاقتصار في أسوأ الظروف على مجرد الدفاع عن النفس والحرص على محاصرة الفتنة وإنهاء الاقتتال بأسرع وسيلة وأقلها ضررا بالعلاقات بين قوى ومصالح الشعب الفلسطيني.
2 - ألأجهزة الأمنية التي تسيطر عليها "فتح" تتحمل مسئولية بدء واستمرار هذا الأسلوب لمعالجة الخلاف مع "حماس"، فهي تعمل بدأب منذ قرار "اسرائيل" بالانسحاب من غزة على فرض هيمنتها على الوضع الداخلي في غزة توطيدا لسلطة ونهج أوسلو، كما دأبت منذ فازت "حماس" في الانتخابات على زعزعة سلطة الحكومة الفلسطينية المنتخبة وهي المسئول الأول عما يسمى الانفلات الأمني، وهي والتيار المهيمن على قيادة "فتح" حركا مظاهرات الموظفين ضد الحكومة المحاصرة اقتصاديا وماليا، ولقد تواترت الأنباء وكثرت المعلومات خلال الشهور الأخيرة عن تعبئة وحشد السلاح في أيدي الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية للتصدي لـ"حماس" استعدادا لحملها عنوة على الاندراج التام في نهج أوسلو بقبول شروط أمريكا و"اسرائيل" و"الرباعية" الثلاثة: الاعتراف بـ"اسرائيل"، والاتفاقيات التي عقدتها منظمة التحرير وترعاها السلطة الفلسطينية بقيادة عباس وفي مقدمتها "اتفاقية أوسلو"، ونبذ المقاومة المسلحة للاحتلال، وفي ظل هذه التصرفات للأجهزة الأمنية والأخبار التي روجت عن إعدادها لمعركة مسلحة حاسمة أو كبيرة مع "حماس" وجدت الأخيرة الفرصة أو الذريعة المناسبة لحسم الصراع عسكريا مدعية أنها سبقت في ذلك - ليس إلا - هذه الأجهزة التي كانت تعد نفسها لنفس الشيء.
وقد ارتكبت الأجهزة الأمنية في مناورتها وقتالها لـ"حماس" وحكومتها أعمال قتل واختطاف وتعذيب وحشية كما حاولت عدة مرات قتل قادة من "حماس" بما فيهم اسماعيل هنية قبل وأثناء الصدام الأخير في قطاع غزة وارتكبت في الضفة الغربية بعد توقف القتال في غزة ومن جانب واحد أعمالا انتقامية وحشية من اعتقال وقتل لأعضاء "حماس" والاعتداء بالحرق والتدمير لمؤسساتهم وممتلكاتهم.
وعلاوة على ذلك فقد دأب قادة بارزين من "فتح" طوال الشهور الماضية على نقد المقاومة لقيامها بعمليات والاستهانة بها والتقليل من شأنها والمطالبة بوقف إطلاق الصواريخ على "اسرائيل" وغيرها من أعمال مقاومة الاحتلال.
3 - "حماس" شريكة لـ"فتح" والأجهزة الأمنية في المسئولية عن تطور الصراع وانفجاره الدامي بينهما وفي الأخطاء المشينة المرتكبة فيه، فهي شريكة في المسئولية عن استخدام السلاح لحل الخلافات السياسية وأعمال الانتقام والتنكيل الوحشية التي ارتكبتها في القتال بل وتفوقت في هذا المضمار أثناء القتال الأخير في قطاع غزة وبما لا يقاس بما ارتكبته "فتح" أو الأجهزة الأمنية، هذا بخلاف الأعمال الأخرى المنافية لحقوق المواطنة وحرية الفكر والإبداع والحريات الشخصية التي ترتكبها من قبل وأثناء ومن بعد القتال المذكور والتي تتضافر مع الأسلوب العدائي المسلح لحسم الخلافات السياسية في تفكيك الوحدة الوطنية وإهدار طاقات الشعب:
* وجهت "حماس" السلاح لصدور فلسطينيين لا يمكن لأحد اعتبارهم جميعا عملاء للعدو كالضباط والجنود الوطنيين داخل هذه الأجهزة أو المقاومين في "كتائب شهداء الأقصى" الذين قتلوا برصاص "حماس"، أو الذين أهانتهم بعرض صورهم مجردين من ملابسهم العسكرية وشبه عراة رافعين أيديهم استسلاما في التلفزيون، أو رفع علم "حماس" بدلاً من العلم الفلسطيني على مقار الأمن والسلطة الفلسطينية التي استولت عليها، أو أحكام الإعدام التي أصدرتها للتنفيذ الفوري دون تحقيق ومحاكمة على بعض أعضاء وقادة "فتح" والأجهزة الأمنية، أو التمثيل ببعض الجثث، والاعتداء على منزل ياسر عرفات وخليل الوزير أبو جهاد القائد الشهيد الرمز، والاعتداء على نصب الجندي المجهول الذي بناه الجيش المصري وهدمه الجيش "الاسرائيلي" عام 1967، وأعاد عرفات بنائه وسحل النصب وتجريفه في الشوارع بحجة أنه صنم، والاعتداء على المدرسة الوردية (مسيحية) وغيرها من الممارسات غير اللائقة وغير الجائزة والجاهلة والوحشية أثناء وقبل أحداث الحسم في قطاع غزة وفي عدد من مدن وبلدات الشعب المحاصر المعرض للإبادة من العدو الصهيوني، وحتى إن صدقنا نفي اسماعيل هنية لمسئولية "حماس" عن بعض هذه الممارسات كالاعتداء على المدرسة المسيحية أو النصب التذكاري للجندي المجهول ونسبته إلى جماعات دينية تكفيرية أخرى فأن الممارسات الأخرى وسياسة "حماس" الدائمة في إضفاء طابع ديني سلفي انعزالي على حياة الفلسطينيين، وممارسات وشعارات وأوصاف أعضائها لخصومهم في المنظمات الأخرى تكشف على نظرة رجعية تكفيرية تبرر قتل من تصفهم بالفئة الباغية (من يخالفهم في الموقف السياسي أو يعترض على أفكارهم وشعاراتهم وتصرفاتهم المعادية للوحدة الوطنية والحرية والعقل...) والاعتداء على المحال بل والحفلات الموسيقية في المدارس بالبنادق والقنابل والعداء لحرية الفكر والإبداع والموروث الأدبي والفني للشعب الفلسطيني كما تبدى في سحب حكومة "حماس" لأحد الكتب الدراسية وحرقه وهو كتاب (قول يا طير) الذي جمع حكايات شعبية، يعود بعضها لأكثر من أربعة آلاف عام، تؤكد الهوية الفلسطينية، إنها نظرة تعتبر مخالفيها أيا كانوا كأعداء للدين وخارجين عن الملة أو مرتدين عن الإسلام يستحقون في نظر غلاتهم - على الأقل - تطبيق حد الردة عليهم، وهي نظرة تضر بالقضية الفلسطينية في كافة أبعادها الداخلية والعربية والدولية، لأن تديين الصراع مع العدو والنظرة الإقصائية للتعامل مع الخصوم والفرقاء السياسيين والثقافيين، حتى وإن كانوا معادين للصهيونية والاستعمار وكذلك تناولها الجاهل لأمور الدين وشئون الدنيا لا تفيد في نهاية الأمر إلا أعداء شعوبنا وفي مقدمتهم العدو الصهيوني والاستعماري مهما كانت النتائج المؤقتة إلى يحرزها التيار الديني في هذا الصراع.
وعلاوة على ذلك فقد فشلت "حماس"، برغم أنها فصيل مقاوم جذري على طريقتها الخاصة وأكبر الفصائل والحائزة على أغلبية الأصوات في الانتخابات، في توحيد فصائل المقاومة وجبهة رفض أوسلو و"خريطة الطريق" ولا شك أن نظرتها الدينية المنغلقة والمتسمة بالإقصائية قد لعبت دور هاما في هذا الفشل.
* قبول "حماس" تشكيل حكومة للسلطة الفلسطينية التي خلقتها "اتفاقية أوسلو" انطوى من بدايته على تناقض جلي في موقف "حماس" التي ترفض أوسلو وتقبل في ذات الوقت تشكيل واحدة من أهم مؤسساتها بل المؤسسة - الحكومة - التي تقرر إنشائها سنة 2003 بعد احتلال العراق وطبقا لـ"خريطة الطريق"، خريطة تصفية القصية الفلسطينية، ولتقليص سلطات عرفات بعد أن أبدى مقاومة للتنازلات المطلوبة فيما اعتبرته القوى الفلسطينية المختلفة ثوابت الحد الأدنى من مطالبها: القدس الشرقية، حدود 1967، حق العودة للاجئين، وربما انطوى أيضا على حساب غير صحيح لميزان القوى الفلسطينية لتغيير مرجعية السلطة الفلسطينية إن كانت قد فكرت في هذا الاتجاه عندما قبلت الاشتراك في انتخابات التشريعي وتشكيل الحكومة، فطالما لم تسارع "حماس" بعد تشكيلها الحكومة بالاندراج الواضح في نهج أوسلو بعد تشكيلها للحكومة المنشأة أصلا بناء على إرادة بوش الصغير لاستئناف طريق التنازلات بات تأجيج الصراع مع السلطة الفلسطينية المستعدة خاصة بعد اغتيال عرفات للمضي قدما في التنازل عما سمي ثوابت القضية أمرا لا مفر منه، فقد صار الصراع حول "سلطة الحكم الذاتي" تحت الاحتلال ومن يفوز بها القضية المباشرة في الصراع بين "حماس" وفتح" التي يعتبر الفريق المهيمن على السلطة ورئاستها أن هذه السلطة هي مكافأة نهاية الخدمة في الثورة الفلسطينية التي أجهضتها، ومن هذه الزاوية ساهمت "حماس" بتشكيلها للحكومة في دفع الصراع مع "فتح" إلى الصدام المسلح الذي استطاعت "حماس" المنصرفة لمقاومة العدو تجنبه منذ عقدت "اتفاقية أوسلو" التي حرمت على الفلسطينيين الكفاح المسلح لتحرير أرضهم.
حقا تمثل "سلطة الحكم الذاتي" تحت الاحتلال وبرغم الاحتلال غطاءا وسندا وأداة لمن يتولاها من القوي العاملة في منطقتها ، فكما يمكن أن تكون غطاء وأداة للمطبعين والمستسلمين يمكن أيضا أن تكون سندا وأداة للمقاومة الوطنية تحت شروط أخرى وخاصة، لكن للسلطة الحالية تحديدا بجهازها وصلاحياتها والتزاماتها دور محدد انشئت لتنفيذه هو منع الشعب الفلسطيني من مواصلة المقاومة للعدو، أما تغيير طبيعتها إلى سلطة أخرى تتولى شئون الحياة اليومية والمعيشية للشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع وتشكل في ذات الوقت غطاء وسندا وأداة للمقاومة فيقتضي الخروج من عباءة أوسلو، كما يقتضي من أجل هذا الخروج وقبله إلى تغيير سياسي على الأرض يعزل سياسيا وشعبيا أي قوة فلسطينية تساند الاستسلام للعدو وتدعو لترك طريق المقاومة، ودخول أو تسلل منظمات المقاومة إلى "سلطة الحكم الذاتي" تحت الاحتلال واستخدامها لصالح المقاومة يتأتي من الاستناد علي جماهير الشعب وحدها وفرض الأمر الواقع الجماهيري على المحتل.
أما ما فعلته "حماس" - ومن الناحية الأساسية = فهو الدخول من بوابة أوسلو حتى ولو لم تعترف رسميا بذلك، فقد دخلت الانتخابات وشكلت الحكومة وفقا لنظام سياسي حددت معالمه وهدفه "اتفاقية أوسلو"، وفي ظل "السلطة الفلسطينية للحكم الذاتي" واسعة الصلاحيات في النظام السياسي المقرر لها برئاسة أبو مازن الذي فرضه الأمريكان رئسا للوزراء على ياسر عرفات لتنفيذ "خريطة الطريق" التي تشترط أول ما تشترط تصفية المقاومة كنقطة بدء، وفي ظل توازن قوى لا يسمح بتغيير طبيعة "سلطة الحكم الذاتي" والأسس التي قامت عليها وأهدافها التي حددتها "اتفاقية أوسلو"، فـ"حماس" إن كانت تعلم سلفا أنها قادرة على حسم التوازن في غزة لصالحها وصالح استمرار المقاومة، فالمفترض علمها أيضا بعجزها عن هذا الحسم في الضفة الغربية، لذلك فقد خشي أنصار المقاومة الحقيقيين من انزلاق "حماس" إلى "طريق أوسلو" وإن تدريجيا أو غيره من طرق التسوية الاستسلامية عندما شكلت الحكومة بعد فوزها بأغلبية التشريعي، ومن أن تكون الحكومة وتمسك "حماس" بها مهما كانت الضغوط لإزاحتها ممكنا فقط على حساب دورها في المقاومة المسلحة للاحتلال، وقد حذرنا وغيرنا من الحدود الضيقة لإمكانية الجمع في الوضع السياسي الفلسطيني الراهن بين الحكومة والمقاومة ومع التهديد الذي يتزايد بصورة ملموسة وخطيرة لقادة وكوادر "حماس" - إذا واصلت نشاطا فعالا في ميدان المقاومة المسلحة - جراء العلنية المتزايدة والأضواء التي ستسلط عليهم مع توليهم للوزارات والمناصب الرسمية، وفي الواقع العملي لم تصبح الحكومة الفلسطينية غطاء وأداة للمقاومة وخط المقاومة والتحرير بقدر ما أصبحت، قيدا إضافيا على فعالية المقاومة المسلحة الأسلوب الرئيسي لتحرير فلسطين، في ظل الاقتتال الداخلي ومحاولات "حماس" المستميتة لإيجاد فرصة لاستمرارها في الحكم ببعض التنازلات التي لم تشفع لها حتى الآن كالاعتراف في "اتفاق مكة" و"بقرارات الشرعية الدولية والعربية"، ولن يتغير هذا الواقع بحسم الصراع في غزة ضد "فتح" أو ضد جماعة المستسلمين للعدو وإقصاء هذه الجماعة والذي لم يقتصر عليها بل طال "فتح" كلها وغيرها من منظمات المقاومة، بل ربما يزداد سوءا طالما لم يحسم الصراع سياسيا لصالح قوى المقاومة والتحرير في الضفة الغربية وغزة وجميع مواقع تواجد الفلسطينيين في الشتات وتتحد كل قوى الشعب الفلسطيني وتنصرف "حماس" وغيرها إلى الساحة الرئيسية للنضال وهي المقاومة المسلحة.
4 - بادرت "حماس" إلى عملية حسم الصراع عسكريا - وكما يبدو لنا - دون قرار مماثل لدى أصحاب القرار في "فتح" والأجهزة الأمنية أو على الأقل قبل أن يأتي توقيت تنفيذ هذا القرار إذا كان قد اتخذ حقيقة. فمن واقع متابعة أحداث القتال كان أداء الأجهزة الأمنية على نفس نمط اشتباكاتها السابقة تقريبا ونفس سلوكها السابق في زعزعة استقرار الحكومة والضغط عليها كما حدث مرات عديدة سابقة، ولا يدل أداؤها أو استعدادها السابق مباشرة على الأحداث المذكورة أنها بدأت تنفذ خطة جديدة لحسم الصراع مع "حماس" عسكريا في قطاع غزة. يبدو أن "حماس" كانت قد اتخذت مسبقا قرار الحسم العسكري تحسبا واستباقا لسلطة عباس وأجهزتها الأمنية أو لحسابات أخرى تعنيها. ورغم أن البعض ممن يؤيدون استراتيجية المقاومة والتحرير قد رأوا في الحسم العسكري تنظيفا لقطاع غزة من أسوأ "أنصار أوسلو" والاستسلام للعدو، فإننا نرى أن ما أقدمت عليه "حماس" سابقة خطيرة قد يزعزع احترام وحرمة أسلوب حل الخلافات بين فصائل المقاومة حصرا بالوسائل السلمية وبالرجوع لجماهير الشعب الفلسطيني، وكان يتعين عليها باعتبارها فصيلا مقاوما للاحتلال رافضا الاعتراف بـ"اسرائيل"، التريث والانتظار مع اليقظة ولا تكون هي البادئة في انتهاك أو الاستهانة بانتهاك أكبر المحظورات وأهم مرتكزات الوحدة ضد العدو ومقتضيات النضال الطويل الذي لا يزال ينتظر الشعب الفلسطيني تحريرا لأرضه المغتصبة. إن دعم خط المقاومة والتحرير وتحقيق المزيد من التفاف الشعب الفلسطيني حوله كان يلزم "حماس" أن تعتمد على العمل السياسي لرفع يقظة الشعب إزاء ما تردد والأخبار التي تواترت عن مخطط جماعة عباس والمهيمنين على الأجهزة الأمنية بدلا من قرار الحسم العسكري ودون أن يثبت أنه خيار لا مجال للفكاك منه ودفاعا عن النفس.
لذلك تتحمل "حماس" المسئولية الأولى عن كارثة الصدام المسلح المأسوي الأخير في قطاع غزة وما نجم عنه وما قد ينجم عنه من تداعيات خطيرة على واقع ومستقبل مقاومة الاحتلال ومشروع التحرر الوطني الفلسطيني إضافة إلى مسئوليتها عن أسوا أعمال الوحشية والكراهية والجهالة التي تخللت وصاحبت هذا الصدام ونجمت عنه.
5 - "حماس"، ورغم التراجعات الجزئية التي تندرج حتى الآن في مجال "التكتيك" كقبولها تشكيل الحكومة الذاتية وإعلان احترام الاتفاقيات التي عقدتها منظمة التحرير الفلسطينية مع "اسرائيل" أو اعترافها بالشرعية الدولية والعربية (اتفاق مكة) أو استعدادها لعقد هدنة طويلة مع "اسرائيل" (دون اعتراف بها) مقابل الانسحاب إلى حدود 67 والقدس وحق العودة، لا تزال من فصائل استراتيجية المقاومة والتحرير وفي الواقع العملي الميداني أبرز وأقوى الفصائل، فهي لم تعترف بـ"اسرائيل" وترفض "اتفاقية أوسلو" وترفض وقف المقاومة ولم تغير برنامجها لتحرير فلسطين. لذلك لا يجوز أن تكون أيديولوجيتها الدينية، رغم مخاطر تديين الصراع والممارسات الخاطئة الناجمة عن ذلك، حائلا دون اعتبارها مقاوما وطنيا وحليفا طالما استمرت تقاوم الاحتلال والصهيونية. وكما هو معروف لا يلغي التحالف حق الحلفاء في نقد الممارسات الخاطئة لحلفائهم وكذلك أيديولوجياتهم ومطالبتهم بتصحيحها أو إصلاحها لتلاءم على الأقل استمرار التحالف والعمل المشترك ضد العدو.
فحق كل التيارات الفكرية والسياسية في مقاومة الاستعمار والصهيونية غير قابل للمصادرة وواجبها في المقاومة غير قابل للتقاعس أو التخلي، ولن تنتصر شعوبنا علي الاستعمار والصهيونية إلا إذا اتحدت كل فئات الشعب وقواه وأحزابه السياسية الوطنية للمقاومة والتحرير.
أما مسألة المرجعية السياسية التي تنتشر وتسود أو النظام الاجتماعي والسياسي بعد التحرير فالعودة فيهما للشعب المصدر الوحيد للسلطة الشرعية، وهي مسألة نضالية يكسبها التيار والفصيل الأكثر نشاطا وتأثيرا في الجماهير والأكثر إخلاصا والأفضل أداء في مقاومة العدو.
6 - الأزمة الفلسطينية التي تجد اليوم أبرز وأكبر تعبيراتها في الصراع الدامي بين "حماس" و"فتح" (وللدقة أحد تياراتها بصفة أساسية) ليست جديدة، ولم تنشأ جراء تشكيل "حماس" للحكومة أو بسبب الانفلات الأمني أو الفساد الإداري والأخلاقي لبعض القادة والمسئولين، فكل ذلك وغيره ليس إلا تجليات ومظاهر للأصل والسبب الرئيسي والأعمق للأزمة وانعكاسا لتفاقمها المستمر، جوهر الأزمة أو أصلها ناجم عن انسداد الآفاق أمام التسوية السياسية طالما تمسك الجانب الفلسطيني الذي يؤيدها بحدود 1967 والقس الشرقية وحق العودة، فكما تأكد في "كامب ديفيد الثانية" سنة 2000 وتأكد مرة أخرى في وعد بوش الجديد الذي صدق عليه الكونجرس الأمريكي وصار سياسة دائمة للإدارات الأمريكية القادمة القائل: لا تفكيك لكتل المستوطنات، لا عودة لحدود 67، لا عودة للاجئين، لا عودة للقدس الشرقية بحدود 67، (حتى بعد موافقة السلطة الفلسطينية على ضم "اسرائيل" للحي اليهودي)، أصبح الاستمرار في طريق التسوية مشروطا من جانب العدو بتنازل الجانب الفلسطيني فيما تعتبره أغلب - إن لم يكن كل - القوي الفلسطينية "ثوابت" الحد الأدنى: حدود 67، القدس، عودة اللاجئين لديارهم.
لذلك فأن الاستمرار في طريق التسوية و"أوسلو" و"خريطة الطريق" لا يعني اليوم إلا الاستعداد لقبول التنازل في "الثوابت"، ويؤدي هذا إلى شق عميق في الصف الفلسطيني، وهذا هو جوهر أو أصل الأزمة الحالية الذي لن يتأتي تجاوزه إلا بإعادة تأكيد "الثوابت" أو القواسم المشتركة السابقة مع التأكيد المشدد على الثابت الأعلى والأهم المقاومة المسلحة وبناء إجماع شعبي حول ذلك كحد أدنى في المرحلة الحالية.
7 - إن مقتضيات اللحظة الراهنة وأهمها منع تعمق الشق في الصف الفلسطيني واستعادة وتوطيد الوحدة الوطنية للشعب على أساس القواسم المشتركة في حدها الأدنى المشار إليه وبناء إجماع حول مواصلة المقاومة المسلحة مع التجاوز المؤقت عن تباينات الهدف منها بين الفصائل المختلفة والذي يتراوح ما بين اعتبار المقاومة عامل مساعد للمفاوضات أو الأسلوب الرئيسي لتحرير الأراضي المحتلة 67، أو الأسلوب الرئيسي لتحرير فلسطين، نقول:
إن مقتضيات كل ذلك يجب ألا تحجب عنا ضرورة وراهنية الجهد الفكري والسياسي الدؤوب الصبور المطلوب لإعادة بناء خط أو استراتيجية المقاومة والتحرير بناء شاملا من جميع الوجوه وتصحيح التشوهات التي أحدثتها منظمة التحرير بتراجعاتها السياسية الاستراتيجية في مشروع التحرر الوطني الفلسطيني والعربي.
يجب إحياء وبعث وتجديد روح ومفاهيم الثورة الوطنية الديموقراطية الفلسطينية والتي لا يمكن فصلها عن الثورة الوطنية الديموفراطية العربية علي الاستعمار والصهيونية والتبعية، وإعادة الاعتبار لشعار تحرير كامل التراب الفلسطيني وشعار الدولة الفلسطينية الوطنية الديمقراطية العلمانية المعادية للاستعمار والصهيونية والتي يتعايش فيها المسلمون والمسيحيون و"اليهود" وغيرهم من المواطنين أيا كانت معتقداتهم الدينية، وتنبع هذه الضرورة من اعتبارات استراتيجية وعملية نوجزها كما يلي:
* سكان "اسرائيل" من الذين جاءوا ولا يزالوا يجيئون في هجرات مخططة منظمة بمعرفة الحركة الصهيونية ليسوا أصحاب حق تاريخي أو سياسي في أرض فلسطين وإنما هم غزاة مستوطنون مقاتلون للاستيلاء على أرض شعب آخر وتحويل أغلبيته إلى لاجئين مشردين، ولو طالب كل شعب وطائفة دينية مثلهم في ذلك مثل الطائفة اليهودية بالأرض التي عاش فيها لفترة قصيرة أو طويلة أسلافها الأولين الحقيقيين أو المزعومين وتحقق له أو لها هذا المطلب أو الفرض العبثي لاختفت الخريطة السياسية الحالية للعالم وما يسبق ذلك ويصاحبه ويلحقه من حروب الجميع ضد الجميع.
* المشروع الصهيوني في الأصل مشروع قاعدة دائمة للاستعمار الأوربي ثم الأمريكي الأوربي في المنطقة فكرت فيه وخططت لإقامته فرنسا وبريطانيا قبل نشأة الحركة الصهيونية بقيادة هرتزل قبل نهاية القرن التاسع عشر، والاستعمار البريطاني هو الذي أصدر سنة 1917 بموافقة مسبقة من فرنسا وأمريكا "وعد بلفور" وأشرف على تنفيذه قبل أن يؤول الإشراف ودفع التنفيذ قدما إلى الاستعمار الأمريكي سنة 1943، وحتى الآن، وبقاء الكيان الصهيوني ليس فقط اقتطاع لمساحة من الأراضي العربية وانتهاك لحقوق أحد شعوبها الصغيرة نسبيا وتشريده وإنما هو فوق ذلك تجسيد لاستمرار السيطرة الاستعمارية على البلاد العربية ووجود قاعدة دائمة لردع وإخضاع حركات التحرر من هذه السيطرة، ولو تخلى المستعمرون الأمريكيون والأوربيون عن واقع سيطرتهم الاستعمارية ومشروعاتهم للحفاظ عليها وتكثيفها وتوسيعها لتخلوا في ذات الوقت عن دعم وحماية الكيان الصهيوني باعتباره حسما غريبا على الأرض والمنطقة التي أقيم بها لا لزوم لبقائه.
* استحالة تحقيق ما يسميه البعض الحل الوسط التاريخي بين الفلسطينيين والصهاينة، وهو تسمية غير جائزة من الأساس في الحالة الفلسطينية، فاليهود المهجرين لفلسطين ليسوا أصحاب حق والكيان الصهيوني قاعدة للاستعمار والعدوان في المنطقة، الاستحالة قائمة سواء باقتسام فلسطين على أسس متكافئة أو متوازنة أو أقرب للتكافؤ والتوازن أو حتى في صورة قسمة شديدة الاختلال بالنزول بحق أصحاب الأرض إلى دولة في الضفة والقطاع، الصورة الأولى غيبها تماما ودفنها قرار مجلس الأمن رقم (242) لسنة 1967، والذي حول حدود الهدنة 1949، إلى حدود دائمة "لاسرائيل" لحين إبرام "اتفاقيات سلام وصلح" توسع بمقتضاها في بعضها خاصة في الأراضي الفلسطينية هذه الحدود مرة أخرى وبموجب القرار ذاته الذي نص على انسحاب "اسرائيل" من "أراض" محتلة سنة 67، وليس "الأراضي" بـ (أ ل) التعريف، ولم يعد أحد يتحدث ممن أصدورا قرار التقسيم أو غيرهم عن انسحاب "اسرائيل" من الأراضي المحتلة سنة 48، بالمخالفة لقرار التقسيم وعن حدود التقسيم بالقرار (181) لسنة 1947، وإنما عن حدود الهدنة التي صارت تسمى حدود 1967.
أما الصورة الثانية للقسمة فيتأكد يوما بعد يوم استحالتها أيضا اتفاقا أو تراضيا مع "اسرائيل"، ففي جميع الصيغ التي طرحت للتفاوض أعتبر نزع سلاح الدويلة الفلسطينية وسيطرة "اسرائيل" على حدودها وأجوائها ومياهها البحرية في قطاع غزة مسائل مفروغ منها وغير قابلة للتفاوض، فإذا أضفنا لذلك تقطيع أوصال الضفة الغربية بالمستوطنات والطرق الالتفافية والجدار واللاءات "الاسرائيلية" والأمريكية المذكورة سابقا لاتضحت حقيقة الدويلة الفلسطينية التي يتحدثون عنها في جماعة أوسلو و"مؤتمرات شرم الشيخ" بين رؤساء مصر والسلطة الفلسطينية والأردن و"اسرائيل" وغيرها من الدول العربية السائرة في ركب الاستسلام و اللجنة الرباعية الدولية، فهي ليست أكثر من كيان ذاتي إداري تحت سيطرة الاحتلال الصهيوني.
إن العقيدة الصهيونية تنكر الحق التاريخي والسياسي للشعب الفلسطيني في أرضه، ففلسطين عندها كانت قبل "اسرائيل أرض بلا شعب" ومن كان يسكنها هم عرب وافدون لا يتمتعون بهويه وطنية فلسطينية والهوية الفلسطينية التي ظهرت بعد ذلك كما يقول بعضهم مصطنعة.
الاستراتيجية الصهيونية التي تنفذ بثبات وبسياسة النفس الطويل هي اغتصاب كل فلسطين ووضع الفلسطينيين الذي تقبله "اسرائيل" تراضيا لا يتعدى وفي أفضل الفروض منطقة للحكم الذاتي ملحق بها خاضع تماما لها حتى وان سمي دولة. ولذلك فأن إقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة والقطاع لا سبيل له غير تحرير أرضها وإذا امتلك الشعب الفلسطيني شروط إقامة هذه الدولة الصغيرة وفرضها يكون قد امتلك في ذات الوقت شروط المضي قدما نحو تحرير كل فلسطين.
* لا سبيل لتغيير الطبيعة الصهيونية الدينية العنصرية "لاسرائيل" ودورها كقاعدة وأداة الاستعمار ما بقيت هذه الدولة قائمة، والسبيل الوحيد لذلك هو هزيمتها عسكريا هزيمة نهائية وحاسمة، وهذا أمر صعب ولكنة جدير بالاستحقاقات التي يتطلبها وطالما هو ممكن التحقيق، فهو الطريق الوحيد للأمن والسلام العادل الدائم في المنطقة ولاستكمل استقلال بلادها وصيانته ولإزاحة أكبر عقبات تقدمها وتطورها المستقل.
أما إمكانية التحقيق فتتوقف علي اعتماد استراتيجية حرب طويلة يخوضها الشعب الفلسطيني بالتحالف مع "الشعوب" العربية وتعتمد في الساحة الفلسطينية على أساليب الحرب الشعبية والانتفاضات وفي الساحة العربية على الجمع بين أساليب الحرب الشعبية والحرب النظامية، وهو ما يقتضي تحول وطني ديمقراطي في الدول العربية يفضي لإقامة سلطات وطنية تقودها جبهات وطنية ديموقراطية لمقاومة الاستعمار والصهيونية ولالحاق الهزيمة النهائية والحاسمة بهما جنبا إلى جنب الشعب الفلسطيني، وقدمت المقاومة اللبنانية دليلا جديدا على إمكانية هزيمة "اسرائيل" وأقوى جيوش الاستعمار وتقدم المقاومة العراقية دليل ثانيا والمقاومة الفلسطينية ورغم كل شيء - كانحراف القيادة الفلسطينية السياسي الاستسلامي في بعض المنظمات بما فيها قيادات تاريخية "لفتح" والحصار والعداء من جانب الأنظمة العربية الحاكمة أو غياب القيادة الموحدة الجبهوبة والتراجع في صلابة الوحدة الوطنية ومعارضة جماعة السلطة الأوسلوية - قدمت دليلا ثالثا ، هذا فضلا عن الخبرة المؤيدة لهذه الإمكانية في حركة التحرر الوطني العالمية.
* إن توسيع القواسم المشتركة بين القوى الوطنية أمر ضروري لترسيخ الوحدة الوطنية، ولكي لا تنطوي عملية التوسيع على التراجع إلى مستوى أقل البرامج والتوجهات طموحا وتعبيرا عن الحقائق التاريخية والاستراتيجية يجب أن تستند إلى نضال فكري وسياسي دؤوب لتوسيع القاعدة السياسية الجماهيرية لاستراتيجية إلحاق الهزيمة النهائية والحاسمة بالكيان الصهيوني وإقامة الدولة الوطنية الديموفراطية علي كامل التراب الفلسطيني.
أما المطالب والمهام التي نراها بكل تواضع ضرورية وعاجلة ونتوجه بها إلى جميع القوي الوطنية الفلسطينية خاصة والعربية عامة فنراها كما يلي:
1 - إعادة بناء وتوطيد الوحدة الوطنية للشعب في غزة والضفة والشتات وعلى أساس:
* عدم الانفراد بالسيطرة أو القرار وتشكيل قيادة موحدة تجمع كل القوى والفصائل السياسية والعسكرية.
* التمسك بثوابت الحد الأدنى للمطالب الفلسطينية في هذه المرحلة: القدس الشرقية كاملة، حدود 1967، عودة جميع اللاجئين الفلسطينيين.
* حل الخلافات السياسية وحصرا بالوسائل السلمية.
* استمرار وتصعيد المقاومة المسلحة.
2 - انصراف جميع منظمات المقاومة والجذرية منها خاصة التي ترفض الاعتراف بـ"اسرائيل" قبل غيرها إلى ساحة العمل المقاوم المسلح ومناهضة الميول الاستسلامية التي تبثها الدول الاستعمارية والأنظمة العربية المستسلمة والمتخاذلة والقوى الفلسطينية الاستسلامية وبقاء هذه المنظمات الجذرية تحديدا وأيا كانت أوزانها الانتخابية حاليا في موقع المعارضة.
3 - العمل على اعتماد الحياة المعيشية واليومية لأبناء الشعب الفلسطيني على موارده الذاتية وتنميتها وعلى المعونات العربية ومعونات الدول الصديقة غير المشروطة بالخضوع للشروط الأمريكية و"الاسرائيلية" والدولية المعادية للشعب الفلسطيني ورفض قبول المعونات الأمريكية والأوربية المشروطة والتي لا يمكن ألا تكون مشروطة.
4 - الاتفاق بين جميع القوى والفصائل على أن تكون أجهزة الإدارة المدنية للسكان والشرطة مشكلة على أسس وطنية جامعة وليست فصائلية.
اللجنة المصرية لمناهضة الاستعمار والصهيونية
25 يونية 2007