قيادة أمريكية موحّدة لقارة إفريقيا

محمد خليفة / كاتب من الإمارات 

أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش عن إنشاء قيادة موحّدة للقوات العسكرية الأمريكية في إفريقيا مخصصة كما قال  لتعزيز السلام والأمن في هذه القارة، وسوف تكون مدينة شتوتغارت الألمانية مقراً مؤقتاً لهذه القيادة على أن يتم نقل هذا المقر في وقت لاحق إلى إفريقيا. ويأتي إنشاء هذه القيادة الجديدة في إطار مساعي الولايات المتحدة للهيمنة على العالم وجعله كله تحت أمرها وإرادتها. فهناك قيادة أمريكية موحّدة لأوروبا، وأخرى للشرق الأقصى والمحيط الهاديء، وثالثة للشرق الأوسط وآسيا الوسطى. والآن تأتي هذه القيادة لتخصص للقارة الإفريقية. ومهمة هذه القيادة  كمثيلاتها الثلاث الأخرى- مراقبة الأوضاع العسكرية في دول القارة الإفريقية ووضع الخطط المناسبة للتدخل في أية دولة في اللحظة المناسبة من أجل القضاء على نظام معادٍ أو القضاء على تمرد على نظام موالٍ.

ولم تكن إفريقيا ذات شأن في الاستراتيجية الأمريكية، لأنها تضم دولاً ضعيفة وشعوباً مغلوبة تعيش في ضياع وحروب أهلية ومجاعة، ولذلك لم تركّز الولايات المتحدة عليها خلال صراعها مع الاتحاد السوفييتي السابق بعد الحرب العالمية الثانية. فقد كان للاتحاد السوفييتي حضور كبير في هذه القارة، لكنه كان غائباً بالكامل عن مناطق أخرى من العالم مثل منطقة الخليج العربي وأوروبا الغربية واليابان، لأن هذه المناطق كانت ولا تزال شريان الحياة للولايات المتحدة. فمنطقة الخليج غنية بالنفط، أما في أوروبا واليابان فهناك شعوب متقدمة لديها القدرة على الخلق والإبداع، وخروج منطقة الخليج وأوروبا واليابان عن سيطرتها، كان سيُلحق هزيمة كبرى بمشروعها الامبريالي. لذلك كان اهتمامها منصبّاً على هذه المناطق، غير أن ذلك لا يعني أن الولايات المتحدة لم تكن تقاتل في أماكن أخرى مثل إفريقيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، لكن قتالها في هذه المناطق كان يأتي في إطار إثبات الوجود، ولم يكن ليرتقي إلى مستوى القتال للاستئثار ووضع اليد بالكامل.

وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق عام 1991، أصبحت الولايات المتحدة قوة عظمى وحيدة في العالم، لكن سرعان ما بدأت القوة الصينية في الظهور، وراحت تبحث عن مناطق نفوذ لها، ووجدت في إفريقيا المكان المناسب لبسط هذا النفوذ. وترافق ذلك مع ظهور إفريقيا كمصدر مهم للنفط في العالم، حيث أصبحت من أكثر القارات التي تضم دولاً منتجة للنفط في العدد، إذ إن عدد الدول في هذه القارة التي تنتج نفطاً يزيد على عشرين دولة من بين 54 دولة. ويتميز النفط الإفريقي بجودة نوعيته بسبب انخفاض نسبة الكبريت فيه، كما يتميز بمعدلات إنتاجه المرتفعة بسبب حداثته في الإنتاج، فدخلت الصين إلى هذه القارة باحثة عن النفط وعن التحالفات الاستراتيجية، وأصبحت لديها علاقات واسعة مع مجموعة من دول جنوب الصحراء، هي السودان، وتشاد، ونيجيريا، وأنغولا، والغابون، وغينيا الاستوائية، وجميع هذه الدول منتجة للنفط.

والعلاقات التي تبنيها الصين مع دول إفريقيا تصنع سياجاً حول كل سبل التنمية في هذه الدول، فمثلاً، تصدّر أنغولا 25 في المائة من نفطها إلى الصين، وفي الوقت نفسه، فقد أمّنت الصين موقفها كساند رئيسي في المستقبل الاقتصادي في هذه الدولة وبالخصوص في قطاع إنتاج النفط، وذلك عن طريق إعطاء القروض والمنح المالية الكبيرة، وتضمنت هذه التسهيلات قيام شركات صينية ببناء سكك حديدية ومدارس، وتعبيد طرق رئيسية، وبناء مستشفيات وجسور ومجمعات للمكاتب ومقرات للمؤتمرات ومكوّنات شبكات الاتصال، ويستتبع ذلك ضرورة إجراء صيانة دائمة لكل هذه المشروعات. وهذا يفسّر ضرورة الارتباط الوثيق بين الصين وأية دولة تقام فيها مثل هذه المشروعات في المستقبل مما يضمن وجود الأولى المستمر والدائم وتأثيرها في الاقتصاد المحلي للبلد الذي تتم فيه تلك المشروعات.

وفي عام 2006 وقّعت الصين صفقة مع نيجيريا بلغت قيمتها أربعة مليارات دولار مقابل تراخيص حفر وتنقيب في نيجيريا، كما وقّعت اتفاقاً آخر مع كينيا للتنقيب عن النفط في 12 موقعاً محتملاً فيها، وطبقاً لهذا الاتفاق، فإن الصين تتحمّل كل التكاليف والخسائر إذا لم تعثر على النفط. أما إذا تبيّن وجود احتياطيات نفطية كافية، فسوف تعقد اتفاقيات أخرى لبحث كيفية الاستفادة من المشاركة في الإنتاج.

ومن أجل تحصين وجودها في دول إفريقيا، تعمد الصين إلى نسج علاقات مع القادة الأفارقة من خلال بيع الأسلحة لهم واحتساب قيمة هذه الأسلحة من ثمن النفط المشترى. وقطعاً، أن ذلك يمتن العلاقات بين الطرفين، ويجعل تلك الدول تقف إلى جانب الصين في المحافل الدولية، مما يساعدها على تحقيق أهدافها السياسية وخصوصاً في نزاعها مع تايوان وتنافسها مع الولايات المتحدة، ولذلك فهناك فائدة كبيرة للصين من وراء هذه العلاقات.

لقد ظلّت الولايات المتحدة تراقب، عن كثب، هذا التغلغل الصيني في دول القارة الإفريقية، وكانت تكتفي بالمراقبة مع التحرك الدبلوماسي السياسي لكسب الحلفاء في إفريقيا، لكنها وصلت الآن إلى مرحلة لم يعد يكفي معها الفعل الدبلوماسي، بل لا بدّ من التلويح بالعصا الغليظة لكي ترتدع الصين، وترتدع من ورائها الدول الحليفة لها في إفريقيا، ولذلك قررت الولايات المتحدة إنشاء قيادة عسكرية موحّدة لإفريقيا.

لا يُستبعد أن تكون هذه القيادة مقدمة لتدخل عسكري أمريكي في مناطق معينة من إفريقيا، مثل السودان تحت مسمى إصلاح الأمور في إقليم دارفور، في حين أن الهدف الحقيقي هو وضع اليد على السودان، ومن ثم إفهام الدول الإفريقية الأخرى بأنه لا مستقبل لها إن لم تبتعد عن الصين، وإن لم ترتبط بعلاقات دائمة معها هي لا غير.

medkhalifa@maktoob.com