"يا ضحايا الاحتلال اتحدوا"..

كمال القيسي / عمان

اتفق الجمهوريون والديمقراطيون على صيغة غير معلنة تتضمن مقايضة النفوذ السياسي والاقتصادي بالانسحاب العسكري من العراق، والمقصود بالمقايضة هنا،هي مقايضة أقرار "قانون النفط العراقي" المقدم حاليا إلى قبة البرلمان مقابل عودة البعثيين إلى الحكومة وأجهزتها من خلال إقامة "ائتلاف معتدل جديد" يشترك في الترويج إليه وتشكيله قنوات دبلوماسية ومخابراتية واسعة من خلال اتصالها بالجماعات والقيادات العراقية المناهضة للاحتلال بهدف تعبئة الشخصيات الوطنية(النخب) القادرة على وضع الخطوط التفصيلية للجوانب السياسية والاقتصادية والإنسانية التي تحتاجها العملية السياسية، وتبدأ عملية تحقيق ذلك من البرلمان، وذلك بسحب الثقة من الحكومة أو الانسحاب منه والعمل على إقامة ائتلاف جديد لاختيار رئيس جديد للوزراء، ولغاية تحقيق ذلك تقوم الإدارة الأمريكية بالضغط على "حكومة المالكي" ومداهنتها لكي تدفعها باتخاذ خطوات وإجراءات رئيسة باتجاه المصالحة السياسية وتنفيذ جملة مطالب منها تمرير "قانون المحروقات"، ومن الشروط الأمريكية الثابتة لأي حكومة يؤتي بها:ضمان السيطرة على النفط العراقي لصالح الشركات النفطية الأمريكية وعقد اتفاقية "أمن وتعاون ستراتيجية" على غرار اتفاقية اليابان أو كوريا الجنوبية تتيح للولايات المتحدة التدخل السريع عند الطلب"، ولتنفيذ تلك المطالب تحتاج الإدارة الأمريكية إلى رجل قوي محاط برجال عسكريين أقوياء مجربين من الجنرالات الكبار الموجودين حاليا في الخارج. بعبارة أخرى إلى نظام سياسي عسكري على غرار " تركيا"، بعدها يبدأ الخروج على شكل خفض للقوات الأمريكية وإعادة الانتشار، أي سحب القوات إلى القواعد التي تم إنشاؤها في داخل العراق لهذا الغرض، أو إلى قواعدها في الكويت أو البحرين أو الإمارات، أو الانتشار على طول الحدود العراقية إذا استدعت الظروف لذلك، إن آليات الانسحاب وإعادة الانتشار المقترحة تحقق أهداف كلا طرفي المعادلة بشكل متوازن، حيث يؤمن فرض الأمن الكلي وتثبيت الحكومة المركزية الجديدة والحد من الخروقات الخارجية، معنى ذلك إن الإدارة الأمريكية تسعى إلى حكومة مركزية قد لا تكون بالضرورة أن تكون ممارساتها ديمقراطية، وأنها تقبل بتطبيق مبدأ قديم لها يقضي بوجود قائد قوي إلى جانب برلمان متوازن نسبيا، كما أن ذلك يحقق لها الإخراج السياسي المقبول في تطبيق الديمقراطية في العراق، وقد لخصت إستراتيجية الخروج في تصريح بوش وبلير مؤخرا بالقول بأنهما يساندان "عراق موحد وغير طائفي"، وأن شروط تحقيقه ذلك جاءت على لسان ديك شيني في مخاطبته "الحكومة العراقية" بالقول "إن لم تقدموا شيئا فلن نستطيع الدفاع عنكم؟!".

في خضم الفوضى السائدة منذ أربعة سنوات من الغزو، لا تزال القوى اللاعبة الفاعلة في ميدان الصراع العراقي- الأمريكي جهتين رئيسِتيَن: الاحتلال والمقاومة، وهناك أطراف أخرى تدور حول تلك القوتين، من تلك الأطراف تيار "الانفصاليين" الذين لا يريدون عراق موحد ولا حكومة مركزية قوية وتدعو إلى تقسيم العراق، لذلك فهي تعترض على الحكومة الأمريكية من أن تضع خططها للانسحاب ويطالبون بالمزيد من وجود القوات الأمريكية في العراق لحمايتهم، كما يدعون إلى خصخصة الاقتصاد العراقي، خاصة قطاع النفط والغاز ولا مركزية العمليات النفطية الإستراتيجية وتوزيع العوائد النفطية بين المناطق لتحقيق إضعاف الحكومة المركزية لصالح نزعتها الانفصالية، في الجانب الآخر، هناك أطراف جرى إقصائها فعليا وعمليا من العملية السياسية وحوربت وحجِمت في داخل وخارج العراق، منها: الأغلبية المصمَتة من عامة الشعب ونخب الداخل والخارج وقيادات الجيش العراقي وبعض الأحزاب والتجمعات والجبهات المناهضة للاحتلال، والتي يتركز الحد الأدنى من مطالبها في:

* تحديد سقف زمني لانسحاب القوات الأمريكية، يتضمن المدى الزمني الذي يقتضيه ذلك الانسحاب، وقيام قوات الاحتلال بمسك الحدود الدولية للعراق في المراحل الأولى من الانسحاب.

* عدم تجزئة العراق، وتعطيل الدستور وكافة القوانين التي صدرت تحت الاحتلال وفي مقدمتها (قوانين بريمر).

* إلغاء المليشيات ومظاهر التسلح بكل أنواعه وإلغاء "قانون اجتثاث البعث".

* تشكيل قوات مسلحة وطنية احترافية يشرف على تشكيلها نخبة من قيادات الجيش العراقي السابق، كما تقوم تلك القيادات العسكرية الوطنية، بالأشراف والتنسيق مع قوات المحتل على تنفيذ آليات الانسحاب بشكل متزامن مع إحلال القوات المسلحة مكانها.

* تعيين حكومة مؤقتة لمدة سنتين، يتم خلالها كتابة دستور جديد وإجراء انتخابات حرة منظمة يشرف عليها مراقبين دوليين عن منظمة الأمم المتحدة، المجموعة الأوروبية، جامعة الدول العربية والمنظمة الإسلامية وبعض دول الجوار.

* إطلاق العملية السياسية بعد سنتين من تعيين الحكومة المؤقتة.

ترى العديد من التجمعات السياسية الوطنية ،ضرورة إرجاع قضية العراق إلى أروقة الأمم المتحدة من أجل تنفيذ ما جاء في أعلاه، إذا ما أصرت الإدارة الأمريكية على الاستمرار في استخدامها للوسائل الحالية المتبعة التي تمعن في إضعاف العراق وتفكيكه وتعظيم كوارثه. لقد ثبت لدى جميع المراقبين الدوليين تقهقر الإستراتيجية الأمريكية وفشلها في استدراج المقاومة الوطنية أو فصائل رئيسية منها إلى مستنقع المساومة على ما لا يجوز قطعا المساومة عليه، وقد تبين ذلك التقهقر والفشل في تزعزع ثوابت الاحتلال:

* لقد فشل الاحتلال في تعبئة قوات محلية قادرة على النهوض بأعباء العمليات القتالية، نيابة عن قوات الاحتلال.

* فشل الاحتلال في فرض حرب أهلية واسعة تؤدي إلى التركيع الكلي لعموم الشعب وتقسيم العراق. كما عجزت القوى المحلية والإقليمية عن إشعال الحرب وإجراء التقسيم.

* عدم رغبة الشعب في التعامل مع قوات الاحتلال، والدليل على ذلك ،عدم استتباب الأمن لمؤسسات الاحتلال المحلية والأجنبية.

* تدهور القطاع النفطي العراقي وتفاقم المشاكل الفنية التي أدت إلى انخفاض إنتاج النفط والفوضى العارمة في عرض المنتجات النفطية وظهور الأسواق السوداء واستفحال الفساد والإفساد المالي والإداري على مستوى الدولة قاطبة، مما لم يتح للإدارة الأمريكية الفرصة في التعويض عن تكاليف الحرب المتصاعدة.

* في ظل هذه الأجواء أصبح من الصعوبة بمكان الحفاظ على قواعد أمريكية ضخمة ثابتة ومستقرة ودائمة، كما أن تنفيذ المشروع الأمريكي الهادف إلى احتواء المنطقة الممتدة من بحر قزوين وإلى الأطلسي بات من الصعوبة بمكان أن ينهض أو يقبل في ضوء ما حدث ويحدث في العراق.

* احتضان الشعب للمقاومة الآخذة في التمركز والتوسع والتطور في الأساليب اللوجستية والقتالية.

أمام تقهقر وتدهور الإستراتيجية الأمريكية، نجحت المقاومة في إبقاء ثوابتها راسخة لم تتغير: التحرير الكامل للعراق، والسيادة التامة للشعب العراقي الواحد.

إن المعارك العسكرية والسياسية تشتد كل يوم بفضل صمود الشعب العراقي العظيم وإصرار المقاومة الوطنية وعناد النخب السياسية في فضح ورفض كل أشكال الاستعباد والتركيع والمحاولات البائسة في مصادرة واحتواء السيادة الوطنية الحرة. إن دماء شهدائنا المسفوكة، وأعراضنا المنتهكة، وموارد أجيالنا المنهوبة، وهويتنا ومعتقداتنا المسلوبة والمقهورة تدعونا جميعا (نحن العراقيين) بالتوحُد ضد الاحتلال وأعوانه والوقوف صفا واحدا أمام أساليبه ومطالبه، من خلال جبهة عراقية عريضة لا تعرف العنصرية ولا الطائفية تقودها نخب وطنية معروفة بنزاهتها والتزامها، جبهة لا يعرف رجالها "الاتجار السياسي" ولا محاباة المحتل وأعوانه، جبهة قادرة على التنظيم والإبداع في آليات إدارة الأزمات التي أوجدها لنا المحتل الغاشم، جبهة ترجع العراق للعراقيين وتزرع الحب في قلوبهم.

جبهة تتجاوز عمن أنحرف بجهل أو ضعف، وتحاسب من لم يرحم الوطن وأهله من الضعفاء والمساكين الذين لا يعرفون لموتهم سببا.

نريد جبهة يمثل بها الرافضين لاستباحتنا وتركيعنا وإلحاقنا بالغير.

نريد أحفاد ثورة العشرين الذين حافظوا على العهد والعهدة طيلة سنوات ظلمهم ولم يخونوا ولم يجبنوا ولم تختلط في ضمائرهم وعقولهم الأصوات والألوان.

نريد أكراد وتركمان سادة في وطنهم محبين غيورين على العراق وأهله.

نريد جميع أهلنا في الشمال والوسط والجنوب وفي الخارج، الذين لولاهم لما كان العراق عزيزا عظيما بين أهله وجيرانه والعالم أجمع.

نريد وطنا يغار على دماء العراقيين وأعراضهم ونزوحهم وهجرتهم وكرامة عيشهم ومستقبل أبناءهم.

((اللهم إني أسألك العافية لوطني وأهله، سبحانك فيما قضيت، وأن وعدك الحق، والله أكبر))

7 تموز 2007