لبنان والعلاقات الاقتصادية مع سورية
الدكتور لويس حبيقة - باحث ومحلل اقتصادي من لبنان
يقدر
الجميع صعوبة الأوضاع الاقتصادية اللبنانية، لم تعد هنالك قواعد تبنى عليها
العلاقات السياسية الداخلية، إذ يساهم الجميع في ضرب الدستور وخلق أجواء القلق
والتشاؤم، هنالك انقسام حول شرعية الحكومة وشرعية رئاسة الجمهورية وشرعية المجلس
النيابي، فريق أساسي يطعن في شرعية الحكومة التي استقال منها طوعا كل الوزراء
الشيعة، هذا قابل للجدل إذ أن المستقيلين هم أعضاء أو حلفاء لتجمعين سياسيين
رئيسيين هما "حركة أمل وحزب الله"، ولو تم تمثيل التجمعين المذكورين بوزراء غير
شيعة، لاستقالا أيضا، إذاً من خرج من الحكومة ليس الشيعة وإنما ممثلو حزبين كبيرين
كانوا من المذهب الشيعي، هذه المقاربة الأخيرة تعني أن استقالة الوزراء لا تصيب
العيش المشترك لأن خروجهم كان بسبب انتمائهم الحزبي والحركي وليس المذهبي أو
الطائفي، فهل هذا يخالف مقدمة الدستور؟ في كل حال من الضروري أن تتمثل كل المذاهب
في الحكومة، وهذا الخروج الوزاري وإن كان لا يخالف الدستور فهو سيئ وغير صحي وتجب
معالجته بكل الوسائل الديمقراطية المتاحة.
يجب أن لا نخشى القول بأن الأوضاع في لبنان لن تستتب بوجود خلاف عميق وكبير بين لبنان وسورية، لسورية تأثير كبير على جزء من اللبنانيين، شئنا أم أبينا، هنالك علاقات تاريخية حميمة مع جزء لا بأس به من الشعب، قسم من العائلات هو نفسه وينتشر في الدولتين، هنالك أحزاب وقوى سياسية وشعبية بنت علاقات قوية مع سورية منذ زمن بعيد، الاستقرار اللبناني بحاجة إلي التعاون من قبل السوري كما هو بحاجة إلى تعاون الدول الأخرى، وإن كان بنسب أقل، من مصلحة الاقتصاد اللبناني أن تكون العلاقات مع سورية جيدة، وجميعنا يعرف الضائقة التي مرت بنا عندما أغلقت الحدود السنة الماضية، إذا استمرت الأجواء على ما هي عليه، لا شيء يضمن عدم إغلاق الحدود مجدداً وبالتالي أزمة اقتصادية إضافية، لذا نطلب من جميع سياسيينا أن يستعملوا الكلام الهادئ عندما يتكلمون عن سورية وحتى عندما يهاجمونها أو ينتقدونها، كما لبنان بحاجة إلى سورية، والعكس صحيح أيضا إذ لا مصلحة لسورية في معاداة نصف الشعب اللبناني الذي لا يطمئن إلى سياستها وأهدافها في لبنان وربما يحملها مسؤوليات ووقائع كبرى جرت خلال وما بعد وجودها في لبنان، ليس من مصلحة سورية دعم مجموعة من اللبنانيين ضد أخرى، إذ لا يمكن لسورية إلا أن تبنى علاقات صحية مع كل اللبنانيين وليس مع مجموعة منهم.
بينما كان لبنان يعاني الكثير من جراء حرب تموز (يوليو) وما تبعها من دمار وخسائر في الأرواح والممتلكات والإنتاج، كانت سورية تنمو بخطى ثابتة وقوية، ذكر تقرير "صندوق النقد الدولي" الذي نشر في 16/5/2007، أن الاقتصاد السوري غير النفطي نما بين 6 و7% السنة الماضية مقارنة بانحدار قدره 6% للاقتصاد اللبناني، بالرغم من أن حصة الاقتصاد النفطي السوري انخفض من 14,7% من الناتج المحلي الإجمالي في سنة 2003 إلى 4,5% في سنة 2006، زاد الدخل غير النفطي ليبقى عجز الموازنة تحت السيطرة، ويشيد التقرير بالاقتصاد السوري وبحسن أداء مقرري السياسات الاقتصادية علي اختلافها، أصبحت سورية اليوم دولة جاذبة للاستثمارات، وهذا يفيد لبنان أيضا لو كانت العلاقات صحيحة وطبيعية، في سنة 2006 كان لبنان يخسر أفضل شركاته التي انتقلت جزئيا أو كليا إلى دول الخليج وأفضل شبابه وشاباته الذين تركوا بلدهم بحثا عن العيش الكريم والحياة السليمة والمنتجة.
في تقرير "صندوق النقد الدولي" عن لبنان والذي صدر في 28/5/2007، يشير إلى دقة الأوضاع وإلى صعوبة تطبيق الإصلاحات الموعودة في كل الميادين خاصة المالية وتحديدا الخصخصة، يقول التقرير بأن "الأوضاع السياسية المقفلة كما الأوضاع الأمنية المتردية تشكلان العائق الأساسي أمام النمو وأمام إصلاح المؤسسات والإدارة"، يطالب التقرير الدول التي حضرت "مؤتمر باريس 3" بدفع ما وعدت به "حتى لا تسوء الأوضاع الاقتصادية أكثر"، لا شك أن التباين واضح بين التقريرين بشأن الحاضر والمستقبل وحسن الأداء السياسي والإداري، بالرغم من أن الصندوق يبقى عموما "مساعدا للدول النامية الأعضاء وليس معيقا لها ولنموها كما يتصور البعض من بعيد".
هل استفاد الاقتصاد السوري مما حصل ويحصل في لبنان؟
حتما ولا بد من النظر إلى أرقام النمو وأسعار العقارات وانخفاض نسبة البطالة وارتفاع مؤشر التضخم وغيرها من الإحصائيات للتأكد من ذلك، يجب أن نعترف في نفس الوقت أن سوء إدارة الداخل اللبناني من قبل جميع الفرقاء هو المسبب الأول للضائقة الاقتصادية التي نعيشها والتي تفيد الدول المجاورة وليس سورية فقط، لماذا ننتظر المساعدة من الدول الشقيقة والبعيدة ونحن كلبنانيين نسبب عن قصد أو غير قصد تراجع اقتصاد دولتنا؟ لو كان هنالك حد أدنى من التضامن والتفاهم اللبنانيين، لما استمر التدهور الاقتصادي ولما استمر الخوف من حصول حكومتين ورئاستين ومجلسي نواب وهلم جرا، لا يمكن للمبادرة العربية ولأي مبادرة أخرى أن تنجح ضمن التشنج السياسي الحالي وغياب الحد الأدنى من الثقة، إذا لم يدرك اللبنانيون دقة أوضاعهم وخطورة ما يجري، نقولها بصراحة عندها فالج لا تعالج.
بعد أن تتصحح العلاقات اللبنانية - السورية في المستقبل، لا بد من بعض التنسيق في السياسات الاقتصادية والقطاعية، لم يكن أحد يتصور في الأربعينات أن العلاقات بين فرنسا وألمانيا ستكون على ما هي عليه اليوم، والهند وباكستان تحاربتا مباشرة ومرارا عدة، واليوم العلاقات لا بأس بها، لا شيء مستحيل في السياسة وبالتالي لا بد للعلاقات بين لبنان وسورية من أن تتصحح مستقبلا لمصلحة الشعبين والدولتين.
في الزراعة
الأراضي السورية أوسع والتكلفة أقل وبالتالي لا يمكن للبنان أن ينتج ما تنتجه سورية، يجب أن يتخصص لبنان في إنتاج السلع ذات القيمة المضافة المرتفعة والتي لا تناسب الأوضاع السورية، يمكن للزراعة في الدولتين أن تتكاملا.
أما في الصناعة
فالإنتاجية في سورية ضعيفة على ما تقوله المنشورات والتقارير الدولية وبالتالي هنالك فرص كبرى للصناعة اللبنانية بأن تصدر إلى سورية وعبرها إلى كل العالم، تأخرت الصناعة السورية للأسباب التالية مجتمعة:
أولا: ضعفت المبادرة السورية خلال العقود الماضية أي قبل الانفتاح الاقتصادي الذي بدأ مؤخرا مع القانون رقم 10 وغيره من القوانين والمراسيم. أما لبنان، فيبقى معتمدا على المبادرة الفردية التي لم تمس يوما بسبب العقيدة الاقتصادية الموجودة في الدستور والتي تسمى "الاقتصاد الحر كخيار وحيد للدولة".
ثانيا: ضعف التعليم التقني عموما في سورية والتعليم الهندسي والصناعي الجامعي مقارنة بالمؤسسات المماثلة في لبنان، الطلب على المتخصصين في العلوم والمهندسين ما زال ضعيفا في سورية مقارنة بحجم الاقتصاد وعدد السكان، كما أن الأجور في سورية لم تتطور مع ما يجري في الخارج وخاصة في الغرب، لا شك أن قوانين العمل في سورية بحاجة إلى "التحرير" كي تصبح جاذبة للعمل أكثر.
ثالثا: لا بد من تخفيف القيود الإدارية على الاستثمارات جذبا للمزيد منها، يحتاج لبنان كما سورية إلى تخفيف الإجراءات والقيود على الاستثمارات الجديدة بل إلى تسهيل قدومها إليهما دعما للنمو وتخفيفا للهجرة.
أخيرا في الخدمات يتكامل الاقتصادان ولا بد من تنمية السياحة الخارجية المشتركة تماما كما يحصل بين كل دول العالم، أملنا أن لا تطول الأزمة الحالية والوقت الضائع ويعود العقل والمنطق إلى الطرفين لمصلحة الشعبين.