بعيدا، قريبا من عراقها رحلت
حياة الحويك عطية / كاتبة وباحثة من الأردن
بعيدا
عن عراقها رحلت.. وفيه ما هو أخطر من الكوليرا، تلك التي شكلت عنوانا للحظة من أقوى
لحظات الشعر العربي، حولتها إلى قصيدة موازية في تاريخ هذا الشعر لتلك اللحظة التي
تجرأ فيها أبو نؤاس، على ذلك التقليد الذي أصبح بسملة القصيدة العربية مذ وقف امرؤ
القيس على أطلال مملكة أبيه.
بسملة يلتزم بها الشاعر سواء وقف في حدائق الغوطة أم على شط دجلة، في قصور الأمويين الزاهرة أم في مدينة المنصورة الجديدة الفخمة.
"قل لمن يبكي على طلل درس
واقفا ما ضر لو كان جلس"
لم تكن لنازك روح أبي نؤاس المتهكمة، لكن كانت لها جرأته في التغيير، لجعل الشعر منسجما مع روح العصر، ومنسجما مع جوهر الفن كعامل تغيير وتحديث في الحياة البشرية، فهل كان من المصادفة أن يأتي هذا التغيير مرتين في تاريخنا الشعري، والمرتين من العراق؟!
هل من المصادفة أن تكون (الكوليرا) قصيدة في وصف وباء اجتاح مصر وأن تموت الملائكة في مصر، ووباء الاحتلال والتجزئة يجتاح العراق ويعمل على تحويله إلى "شظايا ورماد"؟ هل من المصادفة أن يقود هذا التغيير شاعران: بغدادي وبصراوي، وسط وجنوب، سني وشيعي، وباختصار كل ذلك عراقيان؟ وهل لنا أن نقرأ في ذلك رسالة إبداعية بأن قرار الموجة هو أن تبقى شجرة القمر وتنمو في الصباح تحت ضوء الشمس؟
هل يمكن لحضارة ليس هؤلاء إلا مجرد أشعة من أشعة شمسها التي أشرقت على العالم منذ فجر البشرية وما تزال، حتى ولو وزعها الضباب القاتل، والانفجار الكوني الرهيب على أجزاء المعمورة، أن تغرق إلى الأبد في الظلام؟
بعد أبي نؤاس والمتنبي وابن الرومي وجرير والفرزدق، بعد حنين ابن اسحق والفارابي وابن سينا، بعد الجاحظ وابن المقفع وسربهم.. كان هولاكو. وبعد نازك والسياب والبياتي والجواهري وجواد سليم وسربهم.. كان جورج بوش، مرتين اصطبغت مياه دجلة بالحبر والدم، ومرتين تحولت مكتبات العراق ومتاحفه إلى شظايا ورماد.. لكن التاريخ لم ينته هناك، ولن ينتهي هنا، وسيظل كل ما يسفك أو يحرق، بمثابة "حبة الحنطة التي إذا دخلت جوف الأرض أثمرت ثمارا كثيرة" كما قال السيد المسيح آخر تجليات ديانات الخصب التي بدأت فيما بين النهرين.
وعد يوجهه المؤمنون إلى روح نازك وروح كل هؤلاء، وعد وإيمان لن يرى فيهما أبناء حضارة المئتي عام، وتلاميذ حضارة السوق، وقيمها، وكل من استبدل دمه لينسجم معها، وغسل دماغه كي لا يفهم إلا خطابها - إلا كلاما من باب الرومانسية التي لا تفهم الواقع الميركانتيلي البراغماتي المكيافيلي، ولكن الذين يفهمون منطق الحضارات الألفية، التي اكتسبت طول نفسها من تراكم تجاربها الألفية هذه، ويفهمون أن طبيعة خط الحياة الحضارية للأمم تعرج يمر بصعود وهبوط، وأن ما يحدد المرحلة القادمة من هذا الخط، صعودا كانت أم هبوطا، هو عناصر دمار كامنة أو عناصر حياة كامنة، وظروف تؤدي إلى تفعيل هذه وإضعاف تلك، يعرفون أن الثقافة هي أهم المجالات التي يتحدد بها أحد هذين الخيارين.
أوليس ما يميز أمة عن الأخرى، هو خطها الثقافي المتكامل عبر أجيالها المتعاقبة؟ أوليس ما يخط ويرسم ويلون هذا الخط الثقافي هو مساهمات أبنائها؟ أولسنا أمة يشكل الشعر قاعدة ورافعة أساسييتين في تاريخها؟ وهل كانت ثورة التجديد في الشعر، وقيادة امرأة لهذه الثورة، إلا دليلا على ثورة تحديث لكل المجتمع، تجد في المخزون التاريخي طاقة المحركات البخارية التي تدفعها إلى الأمام؟ أوليس هذا التوق التحديثي، المتجذر في التراث والذات والمعانق للحاضر والآتي بكل تحدياتهما، هما ما أخاف الغرب ودفعه إلى تدمير المشروع قبل نضوجه، وعودة المارد العباسي، الأموي، البابلي، السومري، إلى احتلال مكانه على كراسي العصر؟
للتو نجحت العدو لكن الصراع لم ينته، وماتت نازك الملائكة منفية في مصر، لكن ثورتها التحديثية بقيت مخزونة في "عاشقة الليل" (1947) و"شظايا ورماد" (1949) و"قرارة الموجة" (1957) و"شجرة القمر" (1965) و"مأساة عاشقة الليل" (1947) و"مأساة الحياة وأغنية للإنسان" (1977) و"للصلاة والثورة" يغير ألوانه البحر" (1978)، إضافة إلى "قضايا الشعر المعاصر".
ذهبت المرأة التي أعطاها أبوها اسمها تيمنا باسم نازك العابد التي قادت الثورة السورية ضد الفرنسيين عام 1923، لتترك اسمها لآلاف الفتيات في كل أرجاء العالم العربي، تيمنا بامرأة قادت الثورة التحديثية ضد التخلف، ولتترك روحها لآلاف المناضلين العراقيين الذين يقاومون الإمبراطورية الجديدة التي ورثت الفرنسيين والبريطانيين.