المدعي العام في تظاهرة طائفية

بقلم: حمدان حمدان / كاتب من فلسطين المحتلة يقيم في سوريا

كنا نعرف قبل الإعلام والإعلان، أنه كان يقطر طائفية من مفرق شعره إلى أخمص قدميه، إذ ليس مصادفة أمريكية سعيدة، أن يأتي قضاة المحكمة للرئيس الشهيد، إما من الإثنية الكردية أو من الشيعة الصفوية بآن.

لم نكن بحاجة إلى الذي نشرته جريدة الحياة اللبنانية الأصل واللندنية الصدور، يوم الخميس الواقع في السابع من حزيران 2007، حيث يحكي الخبر قصة شريط فيديو ظهر مؤخراً لمدة دقيقتين وهو يصور نائب المدعي العام في محكمة الدجيل والمدعي العام في محكمة الأنفال، القاضي المشرئب بعنقه المدعي منقذ آل الفرعون، وهو على رأس تظاهرة طائفية تدور حول جثة الرئيس الشهيد وهو مُسجّى بقماش أبيض فيما تهتف التظاهرة مع قاضي الحق والعدالة !.. (منصورة يا شيعة حيدر) فهل كان هذا المشهد هو انتصار لشيعة حيدر حقاً؟

ومتى كانت شيعة حيدر تنتصر بيهود العصر من الأمريكيين؟

فلو أن النصر كان لشيعة حيدر حقاً، لكان نصراً لنا وللعرب أجمعين، لأن حيدر عربي ابن عربي، من أب قرشي وأم قرشية، وما كان له أن ينتسب إلى ما وراء سستان ورفسنجان وهندستان..

متى كانت شيعة حيدر في وضعية الذليل المسالم لأعداء الله وهم يقتحمون ديار المسلمين ويطأون أعراضهم وينهبون أموالهم وثرواتهم؟

هل تقبل شيعة حيدر بفتوى السستاني السلامية مع الاحتلال وقد قال رسول الله (من لم يجاهد أو لم تحدثه نفسه بالجهاد فقد مات ميتة جاهلية) وهل يكون جهاد الدفع غير فريضة عين على كل مسلم ومسلمة بامتشاق السلاح في وجه غزاة ديار الإسلام .. أم أنه دين آخر بفتاوى مستحدثة ؟!

هل تقبل شيعة حيدر بمبدأ الرقص (الهوسة) حول روح انتقلت إلى بارئها وهي من عادات الوثنية وما قبل الإسلام والتاريخ الإنساني ..

فإذا كان المدعو أو المدعي العام لا يعرف تاريخه مع شيعة حيدر الحق، فإننا نسوق له هذه الرواية من الثقاة المُتقدّمين وماذا قال حيدر كرم الله وجهه، بحق قاتله ابن ملجم وهو يعاني سكرات الموت:

(أطيبوا طعامه وألينوا فراشه، فإن أعش فأنا لي دمي، عفو أو قصاص، وإن أمُتْ فألحقوه بي أحاكمه عند رب العالمين، نفس بنفس، ولا تزر وازرة وزر أخرى) وجعل يردد الآية ثلاث مرات. فأين حيدر منكم يا أنغال السبأية والكيسانية ويا أوجار البويهية والصفوية والقاجارية..

أين حيدر منكم، وقد أبى صاحب الأنفة من صلب أهل البيت، أن يقتل خصماً فارساً بطلاً من أبطال الجاهلية في منازلة الخندق، بعد أن تمكن منه وأطاح بسيفه وأنزله عن حصانه لأن الفارس الجاهلي بصق في وجهه.

ولما سئل علي عن سبب العفة في القتل وهو من فرسان الشرك، أجاب بلغة بحر الحكمة، خشيت أن يكون القتل لسبب شخصي (كونه بسق في وجهه) وأنا أصارعه لدعوة الحق والإيمان بالله الواحد الأحد .

وهذا هو حيدر العربي القرشي المنصور، وليس (حيدرة) المُلفّق والمصنوع في منقوع الضغينة والحقد والإنتقام.

ما فتئت فارس تُصارع لاسترداد عرشها المفقود على يد العرب منذ المأمون الخليفة العباسي ابن هارون الرشيد، حين بدت محاولة نقل العاصمة من بغداد إلى مرو عاصمة خراسان، محاولة أثيرة لدى المأمون وبتحريض من أخواله لفيف فارس.

غير أن الصراع لاسترداد العرش هذه المرة، يأتي من خلال التسلل عبر إسلام آخر، يتحدث بلغة الخرافات عن علم الغيب والمعصومية وتعيين النص وقدسية الإمامة البشرية علماً بأن الإمامة في قريش .. وهو حديث نبوي شريف، لا احتمال في تأويله أو تبديله ..

وهكذا إلى أن حانت الفرصة في (ولاية الفقيه)!.

وباختصار شديد فإن هذه الولاية هي التي صنعت الحل السحري كي تخطف الإمامة (من قريش العربية) كي توضع في (ضرورة) الإنابة عن الإمام المُغيّب، إلى حين ظهوره .. ولا نعلم تماماً كم هو عدد الغائبين من الأئمة أو الأنبياء الذين انتظرت شعوب الأرض عودتهم لإنقاذ البشرية، منذ الإنتظار الكبير لعودة (الميسي) اليهودي الذي هو مكافئ عودة السيد المسيح هابطاً من سماء القدس، فإلى عودة محمد ابن الحنفية (ابن علي من غير فاطمة) إلى عودة المختار الثقفي الذي قتله مصعب ابن الزبير في أزقة الكوفة .. ثم إلى آخر سلسلة المسرحية العالمية العظيمة (في انتظار غودو) للكاتب المسرحي العملاق برخت.

ففي جلسة من مسرحيات الدجيل أولى محاكمات الرئيس سيؤتى بشهود الدفاع من الدجيل، وليؤكد ثلاثة منهم حضور المدعي العام جعفر الموسوي، احتفالات طائفية بمناسبة مرور الذكرى الثالثة والعشرين على واقعة اغتيال الرئيس الشهيد عام 1982، وكان المدعي الموسوي قد جلب إلى المحكمة شبيهاً له اعترف بأنه هو الذي كان يحضر الاحتفال وليس الموسوي – كما ظن الشهود – فما كان من القاضي رئيس المحكمة رؤوف الهارب لجوئاً إلى لندن، إلا أن أمر بسجن الشهود واقتيادهم فوراً من قاعة المحكمة إلى السجن، وحين سُئل فيما إذا كان تصرف رئيس المحكمة شرعياً أم ماذا؟!.

أجاب: نحن لم نسجنهم لكننا تحفظنا عليهم؟!..

واقعة حضور الموسوي الصارخ لوجه الحق والعدالة، لاحتفالات الدجيل في العام 2005، أمكن إنكارها فهل للسيد آل فرعون، أن ينكر شريط الفيديو بعد حضوره عملية إعدام الرئيس الشهيد بدقائق معدودات، فإذا كان الأمر كذلك، أي أنه يستطيع إحضار الشبيه كما فعل مُعلّمه الموسوي..

فلماذا لا يرفع دعوى قضائية ضد الجريدة التي تفتري عليه، مثلما افترى شهود دفاع الدجيل على الموسوي؟.

غير أن الموسوي لم يكن بحاجة إلى رفع الدعوى ضد (شهود الزور) لأن السيد رئيس المحكمة أراحه منهم، حين ألقى بهم في غياهب السجن من فوره!.

فإلى أي مدى يتمسك هذا النوع من الناس بحالة إنكار مفضوحة، فهم ضد الإحتلال اليوم، فيما كانوا من أشد مناصريه بالأمس، وحين سئل عن التظاهرة الرعاعية الهاتفة مقتدى .. مقتدى فيما الأنشوطة العار، تلف رقبة الشهيد صدام، أنكر التيار الصدري أن هذه الفئة الفلاشوية، تابعة له، أو أنها مكيدة من التيار الحكيمي (جماعة بدر)، لكي تلقى المسؤولية التاريخية على تيار الصدر وليس الحكيم .

جمعيهم كانوا هناك، فأول (مسيلمة) المدعو موفق الربيعي أشار قبل شيوع فيديو التصوير لعملية الإعدام، بأن (صداماً) كان منهاراً أمام مشهد المشنقة، فما أن شاع فيديو التصوير حتى بهت الذي كذب، هذا إن لم يكن الربيعي صاحب أمن العراق، هو الذي ظل يرتجف من مجرد مرأى المشنقة، أما صدام فاستشهد واقفاً كنخلة عراقية باسقة لا تعرف الإنحناء.

لقد أماتهم صدام باستشهاده كما أمات الغرانق في حياته، فما لحقوه حيّاً ولا شهيداً، فصدام ظل يعاند في سبيل قضيته التي نذر حياته لها، بل كان يعرف جسامة مخاطرها مع كل خطوة على طريق استنهاض أمة غافية بين الأقدار والأسحار ..

أما أنتم يا أوجار التاريخ وقذى العيون الحولاء، فقد رصدنا لكم هذه الرواية على طريقة كليلة ودمنة، يقول أرنب لكلب صيد يطارده:

- إنك لن تلحقني .

ويجيب كلب الصيد باستخفاف:

- ولمَ وأنا أسرع منك أضعاف المرات؟

فيرد الأرنب:

- ذاك أنني أعدو لنفسي وأنت تعدو لصاحبك.

والحال فإن الجوقة الراقصة حول جثة الرئيس الشهيد، إنما هي جوقة تعدو لأصحابها، إما بدافع الأجر المأجور، أو بدافع الرطانة وعمق التخلف، لكن الفارق الذي قسمَ الجوقة بعد أن كانت واحدة، إنما يقع في فارق استحقاقات المرحلة، لحليفين باتا في خصام تقسيم الكعكة العراقية بين واشنطن وطهران.

أعان الله شعب العراق على اجتياز المرحلة الأردأ في تاريخ العروبة والإسلام.