هل تنجح "حماس" في امتحان التاريخ؟

عوني فرسخ

منذ بروز "حماس" حققت جملة نجاحات أهلتها لأن تحتل المقام الأول في الضفة والقطاع المحتلين، فعلى صعيد المقاومة أكدت وجودها في مواجهة آلة الحرب الصهيونية وطابور المستعربين والعملاء الناطقين بالعربية.

وعلى الصعيد الشعبي يدل نجاحها الانتخابي المبهر على مستوى العلاقة النضالية التي أقامتها مع القوى المجتمعية الملتزمة بالمقاومة خيارا استراتيجيا والرافضة للفساد المستشري في أجهزة سلطة حكم الذات.

ولقد صمدت في صراع الإرادات برغم كثافة الضغوط الدولية والإقليمية لإعلان قبولها بالاشتراطات الأمريكية - الصهيونية المتبناة من "الرباعية" و"الاتحاد الأوروبي" وأنظمة "الاعتدال العربية"، وفريق أوسلو الفلسطيني.

ولقد ثبت بالممارسة العملية استحالة قهر "حماس" بالقوة العسكرية، وفي تحول النظامين المصري والسعودي لتبني دعوة الحوار دلالة تسليم النظام الإقليمي العربي بالأمر الواقع في قطاع غزة، واعتبار "حماس" شريكاً فاعلاً في الحراك الوطني الفلسطيني.

وفيما لو نجحت مساعي رأب الصدع، فالمرجح إعادة إحياء "اتفاق مكة" وتشكيل "حكومة وحدة وطنية" جديدة "لحماس" نصيب معتبر فيها، أما فيما لو فشلت المساعي العربية بتأثير الضغوط الأمريكية - الصهيونية فسوف تبقى "حماس" صاحبة الدور الأول في سلطة حكم الذات في القطاع، فضلا عن منازعتها "فتح" ومناصريها في الضفة وعلى مدى الشتات الفلسطيني، وهي في الحالين صاحبة دور في السلطة، ومعرضة بالتبعية لأن تصاب بأمراضها، وقديما قيل (السلطة مفسدة والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة)، وفي تراثنا العربي الإسلامي تعتبر المقاومة والحرب الجهاد الأصغر، فيما إدارة أمور الناس الجهاد الأعظم، ويذهب بعض المحللين السياسيين إلى أن من بين دوافع التسليم "لحماس" بدور في السلطة توريطها لتحقيق ما عجز عنه حصار التجويع و"مخطط دايتون".

والسؤال والحال كذلك هل تنجح "حماس"في امتحان التاريخ أم أنها لن تكون بأفضل حالاً من "فتح" التي بدد مفسدوها رصيدها الوطني الذي راكمه آلاف الشهداء والمعوقين والأسرى؟

أما إذا وضع قادة "حماس" في اعتبارهم أنهم مدينون فيما حققوه لدعم الصامدين في الضفة والقطاع، وأن الدولة في الفقه الإسلامي والتاريخ العربي مدنية تحترم حقوق المواطنين مسلمين وغير مسلمين، وإن هم استوعبوا تجربة فريق أوسلو الغنية بالدروس، أمكنهم تأصيل شرعيتهم على تأييد غالبية مواطنيهم وتجاوز اشتراطات أوسلو، وعلى ذلك فأن فشل قادة "حماس" لا يرتد بالوبال على حركتهم فقط، وإنما أيضا على الحراك الوطني الفلسطيني، إضافة لانعكاساته شديدة السلبية على مجمل الحركات رافعة الشعارات الإسلامية في عموم الوطن العربي، وكثيرون هم، عرباً وغير عرب، الذين يريدون هكذا فشل ويعملون له، ومن هنا تدرك المسؤولية التاريخية التي تتحملها قيادة "حماس" إن هي لم تعمل علي إنجاح دورها كقوة رئيسية في الحراك الوطني الفلسطيني الراهن.

وحين يتوجه خالد مشعل لكل من أمين عام المؤتمر القومي العربي خالد السفياني، والمنسق العام للمؤتمر القومي الإسلامي منير شفيق للمشاركة في الحوار الوطني الفلسطيني، ففي ذلك مؤشر على الإيمان بالبعد القومي والإسلامي للقضية الفلسطينية وبأن القوى الشعبية العربية الملتزمة بالمقاومة خياراً استراتيجياً هي الضمانة لسلامة الحوار ومصداقيته.

والأمر المؤكد أنه غير مجد تأسيس الحوار على إرجاع الأمور إلى ما كانت عليه غداة قيام "حماس" بانقلابها الاستباقي الذي أجهضت به الانقلاب الذي كان يخطط له "دايتون" ومرتزقة "الأمن الوقائي والحرس الرئاسي"، لأن في ذلك إبقاء جذور الأزمة على ما كانت عليه، والحل المجدي إنما يكون في توسيع دائرة الحوار بحيث يشمل الفصائل كافة وهيئات المجتمع المدني المتحررة من الارتباطات الخارجية والشخصيات الوطنية، ويؤسس لمؤتمر وطني عام يضع آلية إعادة تشكيل المجلس الوطني واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وجميع مؤسساتها على قاعدة الانتخاب حيث أمكن والمشاركة الوطنية العامة وليس المحاصصة الفصائلية، واعتماد العمل بالميثاق الوطني للعام 1968، باعتباره المرجعية الفكرية الوطنية، واغتنام مبادرة رجال الأعمال الفلسطينيين لمصالحة "فتح وحماس" بدعوتهم لعقد مؤتمر يضع آلية اعتماد التمويل الوطني للمنظمة ومؤسساتها لتحرير القرار الوطني الفلسطيني من الارتهان لـ "معونات" الحلفاء الاستراتيجيين للعدو الصهيوني.

ويعلمنا التاريخ الإنساني أن التفرد بصناعة القرار دون بقية شركاء المسيرة والمصير، كان ولا يزال مقتل العمل السياسي، وبخاصة في مرحلة التحرر الوطني، وفي مواجهة الاستعمار الاستيطاني العنصري على الخصوص، ذلك لأن الاستجابة الفاعلة في مواجهة العدو غير مستطاعة إلا بحشد جهود مختلف القوى، وكبح التناقضات الثانوية فيما بين القوى الوطنية لصالح تناقضها الرئيسي مع العدو والقوى الداعمة له، ولطالما كان الافتقار للقيادة الجماعية أبرز المآخذ على "فتح" منذ سيطرتها على قرار منظمة التحرير الفلسطينية في العام 1969، و"حماس" بيقين أحوج لمشاركة جميع القوى، خاصة تلك التي لا تتفق ورؤاها السياسية والاجتماعية، والتي انحازت في غالبيتها لفريق أوسلو، لا عن اقتناع بنهجه السياسي وإنما تحسبا من نهج "حماس" الاجتماعي والثقافي.

ويظل استقلال القضاء الوسيلة المثلى لإشاعة الشعور بأمن المواطن على نفسه وحقه بالتعبير الحر عن إرادته، فضلاً عن دوره في مقاومة الفساد، و"حماس" التي عانت من افتقاد استقلالية القضاء وغياب العدل سنوات طويلة تدرك الآثار السلبية على الضحايا وما يؤصله لديها من حقد ورغبة بالثأر، وهي بالتالي بحاجة لأن تحصن سلطتها بتعزيز واحترام استقلال القضاء وتمكين المحاكم على مختلف درجاتها من أن تكون صاحبة القول الفصل في مختلف القضايا، وفي تقديري أن هناك أربع قضايا مطلوب عرضها وبأسرع وقت مستطاع على القضاء:

أولها، العدوان الآثم على بعض الكنائس في قطاع غزة وإنزال العقاب الصارم بحق الجناة وإظهار هويتهم.

وثانيها، ملفات الفساد التي كان قد جرى التعتيم عليها، واتهمت "حماس" بالتواطؤ في ذلك بعد امتلاكها الأكثرية في المجلس التشريعي.

وثالثها، تهم العمالة المسلطة على رقاب الكثيرين وقد حازت "حماس" ملفات التعامل مع العدو.

وآخرها، ما جرى مؤخراً من اقتحام القوة التنفيذية لجامعة الأزهر واستيلائها على بعض الأجهزة.

والسؤال الأخير: هل سيمضي قادة "حماس" في مراكمة نجاحاتها أم أن تقديمهم مغانم السلطة على مغارم المقاومة سيعصف بما راكمته من نجاحات بحيث تلحق بـ"فتح" في سقوطها التاريخي؟!!.