من سيكون كبش الفداء للفشل الأمريكي؟

د فيصل الفهد

تزداد الأوضاع في العراق من فوضى إلى فوضى كل يوم، ومع ذلك فأن لا أحد يقف عند قضية أساسية وهي أنه حان الوقت الملائم لمحاسبة أولئك الذين دفعوا بالأميركيين إلى هذا المأزق. وبالطبع فأنه يسهل توجيه أصابع الاتهام مباشرة إلى إدارة بوش، والسبب أن هذه الإدارة لجأت إلى استخدام أكاذيب وتلفيقات لتبرير عدوانها على العراق واحتلاله، ومن ضمن تلك التبريرات استغلالها أحداث الحادي عشر من أيلول ما خلفته من حالات الذعر التي ألمَّت بالجمهور الأميركي، واستخفافها بمن كان يعارضها، ومحاولة إقناع الجميع لاسيما الرأي العام الأمريكي المؤيد لإدارة بوش أن بالإمكان إعادة تشكيل "منطقة الشرق الأوسط"، بالشكل الذي ينسجم والمصالح الستراتيجية الأمريكية بشتى السبل بما فيها استخدام القوة العسكرية.

ولا يخفى على أحد أن الكونجرس كان هو الآخر قد مد يد العون للرئيس بوش، في تنفيذ مخططه، واضطر عدد لا يستهان به من أعضائه وقادته، إلى كبت معارضتهم للاتجاه العدواني للإدارة على العراق، إلى أدنى معدلاتها ومستوياتها، والسبب وراء ذلك هو الخوف من اتهامهم بالضعف أو الرخاوة في القضايا المرتبطة بالأمن القومي، وبدافع الحرص على المصالح الذاتية الخاصة، تخلى هؤلاء عن مسؤوليتهم الدستورية وتقاعسوا عن لعب دورهم كقادة ومشرعين، ولذلك فقد استحقوا النقد والتوبيخ على هذا التقصير وقسم منهم كانت تضحيته اكبر حيث تسبب هذا السلوك غير المسؤول إلى فقدانه لمنصبه في الكونجرس في الانتخابات التي جرت نهاية العام الماضي والبعض الآخر يحاول أن يتفادى هذه النتيجة الآن عبر إعلانه الصريح أنه لم يعد يثق بوعود وكلام بوش بل أن بعضهم رفع صوته معارضا شرسا لبوش ومنهم ثمانية من الأعضاء المهمين الجمهوريين في مجلس الشيوخ الأمريكي.

غير أن هناك جهات أخرى ضلعت في مساعدة الإدارة على جهودها العدوانية غير المبررة تلك، في مقدمتها مؤسسات الدعاية التي جعلت من عملها، ونفسها بوقاً في الترويج للمبررات والذرائع المُلفقة التي استخدمتها الإدارة الأمريكية في عدوانها على العراق، ولم يلتفت أحد إلى الدور الخطير لهذه المؤسسات بل لم توجَّه إليها الانتقادات لاسيما بعد الحوار المحتدم الذي يدور منذ فتره في أوساط كل من "الجمهوريين" و"الديمقراطيين"، بل يمكن القول كذلك، أن هذه المؤسسات لم تبادر لممارسة النقد الذاتي على ما ارتكبته من أفعال مشينة لم يكن وقعها السيء أقل مما فعلته الآلة العسكرية المدمرة بل ربما أكبر وأخطر فهذه المؤسسات لم تكتفي بالترويج لأكاذيب بوش بل ضللت الرأي العام الأمريكي والعالمي وعتمت واخفت ما ترتكبه قوات الاحتلال الأمريكي وعملائها من جرائم بحق الشعب العراقي يوميا.

والمثير في موضوع التغطية الإعلامية لأحداث العراق، إن كثير ممن تصدر المشهد وانبرى لتغطية ما جرى ويجري في العراق والتعليق عليه أن هؤلاء الخبراء الإعلاميين (لا يعلمون سوى النزر القليل عن العراق)، ومع ذلك لا يزالون يتربعون على كراسي الخبراء أمام الكاميرات التلفزيونية مصريين على أن يكيلوا بمكيالين في ممارسة النقد، الذي طالما أكثروا من توجيهه إلى المسؤولين المنتخبين وعلى رغم أن لهؤلاء الإعلاميين نصيباً وافراً من المسؤولية واللوم المستحق على ما حدث، إلا أنه لم يجرؤ أحد على مواجهتهم بهذه الحقيقة!! وكمْ هو مخجل أن تتحول تلك الترهات التي كان ينطق بها "الخبراء" المزعومون بداية حملات الدعاية الجنونية ضد العراق، وكذلك خلال الأيام الأولى لشن العدوان وبدء العمليات العسكرية، إلى حقائق لا يخشاها الباطل، لكون المتفوِّهين بها من رموز وأقطاب المطبخ الدعائي الأميركي وبدلاً من نقل المعلومات الدقيقة الصحيحة عن طبيعة وأهداف وجوهر القضية المفتعلة، اكتفى هؤلاء بمجرد اجترار المواد الدعائية الصادرة عن البيت الأبيض ووزارة الدفاع وقتئذ، وبذلك أسهم هؤلاء بدرجة كبيرة في تحويل مؤسسات الإعلام الأميركي إلى مجرد أبواق تردد صدى أكاذيب الإدارة الأمريكية والمؤسسات المدافعة عن وجهة نظرها، وبالنتيجة فقد حولت هذه المؤسسات الإعلامية أكاذيب السيد بوش إلى معلومات ذات ملامح فيها شيء من المصداقية والمشروعية وفي المقابل تخلت هذه المؤسسات، عن مسؤوليتها الأخلاقية والمهنية الصحفية!!.

وبما أن جدلاً جاداً بدأ يزداد حده في كل يوم لتقييم ما حدث ويحدث منذ شن العدوان على العراق واحتلاله، ولمحاسبة كافة الأطراف والجهات والأفراد المسؤولين عنها، فإن من الضروري جدا لاسيما للشعوب الأمريكية من تسليط الأضواء وتوجيه الانتقادات لتشخيص الأخطاء الفادحة التي ارتكبت من قبل الرموز والمؤسسات الإعلامية، والتوقع من هؤلاء أن يبادروا إلى انتقاد أنفسهم، أو مناهضة بعضهم لبعض من أجل إبراز وجه حقيقة جراء ما ارتكبوه من جرائم.

ولابد من الإشارة إلى دور بعض المؤسسات الإعلامية الأمريكية التي كان لها مواقف موضوعية وفيها درجة عالية من المصداقية ومنها ما قامت به مؤسسة "فير"، التي يعتقد أنها تحلت بالنزاهة والدقة في تغطيتها الصحفية، حيث عمدت هذه المؤسسة المختصة بالرقابة على الأداء الإعلامي، على إصدار تقرير شهري مفصل وعميق، لتحليل الأداء الصحفي لكبريات المؤسسات الإعلامية في الولايات المتحدة الأمريكية، مع التركيز على تحديد نقاط الضعف والخلل في عمليات التغطية الصحفية لتلك المؤسسات، لاسيما انتقادها للأداء الإعلامي قبل وأثناء شن العدوان على العراق، إن هذا الحراك الإعلامي يزداد احتداما في وقت لا يزال فيه "السيد بوش" وإدارته من جهة والأغلبية "الديمقراطية" في الكونجرس الأميركي من جهة ثانية غارقان في مستنقع من الفوضى المنذرة بأوخم العواقب في العراق، بعد أن أنهت الإدارة الأميركية أغلب المدة التي حددتها لتنفيذ خطتها باعتماد زيادة عدد القوات المسلحة كرد فعل سلبي على مقترحات "لجنة بيكر - هاملتون" والتي كانت محاولة يائسة من جورج بوش الأب (والتي رفضها الابن بطبيعة الحال) لإنقاذ ابنه والبلاد من المستنقع العراقي الذي غاص فيه.

والواقع أنه لا أحد، ما عدا بعض الحمقى في صفوف الإدارة الأمريكية، كان يؤمن حقاً بأن زيادة عدد القوات الأميركية ستنجح في تحقيق أي تقدم في العراق، وهي لن تكون أكثر من مناورة (غبية) لتضليل الرأي العام المناهض لسياسو "بوش" والمطالب بسحب القوات الأمريكية من العراق، فالخطة في جوهرها لا تختلف كثيراً عن الخطط السابقة للإدارة الأميركية التي راهن أصحابها على الخيار العسكري لحسم موضوع العراق، ولن يسهم الانتظار لفترة أخرى في تبديل الأوضاع، حيث تشير اتجاهات التقرير الذي قدمته الإدارة الأمريكية إلى الكونجرس يوم الخميس 12 تموز الجاري والذي يعطي تصورا أولياً عن مراحل تطبيق خطة بوش بعد زيادة عدد القوات المسلحة الأمريكية في العراق، وأظهرت نتائجها الأولية أنها لم تتلمس طريقاً للنجاح، الأمر الذي أشعل من جديد حدة الخلافات بين الإدارة الأمريكية والكونجرس، وستزداد معها المواجهة إلى حين تقديم الجنرال "ديفيد بيتراوس" تقييمه لنتائج هذه الخطة بحلول شهر أيلول المقبل - في وقت تزداد فيه حالة التردي في العراق من سيء إلى أسوأ، لاسيما بعد إقرار الإدارة الأميركية الضمني بالفشل، وظهور مجموعة من الأهداف والمبادرات المتضاربة التي توحي ليس فقط بالتباس المواقف، بل أيضاً بالفوضى العارمة التي تجتاح العراق، ومن هنا أصبح طبيعيا (وهو أسلوب طالما تستخدمه الإدارات الأمريكية في حالات فشلها في الأزمات)، أن تبحث الإدارة الأمريكية عن كبش فداء لفشلها في العراق، رغم الأعباء الثقيلة التي سيتحملها من سيقع عليه حمل هذه المسؤولية الجسيمة، بمعنى أن إدارة بوش ستختار شخص معين يكلف بمهمة معينة رئيسية في العراق، وهذا الشخص هو من سيكون كبش الفداء الذي سيذبح قربانا للفشل الذي منيت به الإدارة الأمريكية في العراق.

كذلك تشيع ماكنة الدعاية المؤيدة لبوش عن وجود اتصال مع بعض الشخصيات العربية السُّنية، ممن يعتقد أن لديهم مواقف مناهضه ("للقاعدة" من الأجانب) لاعتقادهم أن هؤلاء مسؤولون عن ارتكاب أعمال عنف ضد المدنيين (فضلاً عن أنهم منافسون محتملون لسُنة العراق)، وفي هذه الأثناء قيل إن بعض القادة العسكريين الأميركيين يدفع لتسليح تلك الجماعات، رغم أن العديد من عناصرها من الجيش العراقي "السابق"، وفي الوقت الذي تقوم فيه الولايات المتحدة بتسليح وتدريب الجيش والشرطة المرتبطين بالحكومة المنصبة من قبلها، والذين هيأوا بهدف القضاء على المناهضين للاحتلال الأمريكي.

إن هذا التوجه اليائس يتزامن مع مقترح أميركي شامل يقضي بتعزيز نفوذ إقليمي، مؤيد أو متوافق مع السياسة الأمريكية ومنها إعادة تأهيل العلاقات بين دول من مثل إيران وسوريا مع الولايات المتحدة وإجراء مباحثات أو حوارات هدفها ترميم أو إصلاح التداعيات بين هذه الأطراف وستكون قضية العراق محور هذه المباحثات، في حين تلقى هذه السياسة رفض قاطع من الكيان الصهيوني حليف أمريكا!!!، وأكثر من ذلك هدد هذا الكيان بإطلاق العنان لجماعات الضغط داخل أميركا، فضلاً عن استخدام ماكنة الدعاية لمحاربة التوجه الأميركي الجديد في المنطقة، الذي أزعج "الرئيس بوش" وعقد العزم بأن يرد على الحكومة الصهيونية المعارضة لخططه، وفي غضون ذلك تسعى الإدارة الأمريكية إلى تنفيذ خطة تكتيكية تقضي بسحب جزء من القوات الأميركية بدأ الحديث عنها بداية العام الحالي، لكنها تجاهلت ما إذا كانت الزيادة في عدد القوات قد نجحت في تحقيق أهدافها، أم لا، وتقضي الخطة التي يجري تداولها بسحب القوات الأميركية إلى قواعد عسكرية عملاقة، بينما يتم إرجاع الباقي إلى الولايات المتحدة لتهدئة الرأي العام الأميركي، وليس واضحاً بعد ما إذا كانت السفارة الأميركية الأكبر في العالم - الموجودة في بغداد - ستكون واحدة من تلك "القواعد" التي يتعين حمايتها، ونفس الشيء فيما يتعلق "المنطقة الخضراء" التي تحتضن مقر الحكومة المنصبة وتتعرض لهجمات المقاومة في كل يوم.

ويتوقع أن تخرج القوات الأميركية المخفضة من قواعدها وتتدخل لحماية الحكومة المنصبة (على افتراض أنها نجحت في البقاء)، وللدفاع عن المنشآت النفطية في العراق، فضلاً عن مواجهة القوى المقاومة للاحتلال"، ويبدو أن الخطة الجديدة تنص على مغادرة مدن العراق دون مغادرته حقاً، وهي ترتكز على الفرضية الخاطئة بأن القواعد الأميركية الحصينة ستكون بمنأى عن الهجمات، أو الحصار، على رغم اعتماد تلك القواعد العسكرية على خطوط الإمدادات الطويلة.

ومن الأفكار الأخرى التي يتم الترويج لها تشبيه التواجد الأميركي البعيد الأمد في العراق بالتواجد الأميركي في كوريا الجنوبية الذي دام طيلة نصف القرن الأخير، غير أن المروجين لهذه الفكرة ينسون أن ما جرى في كوريا الجنوبية لم يكن تمرداً، بل كان حرباً استعرت بين جيشين نظاميين.

وقد صرح الجنرال "دوغلاس لوت"، (كبش الفداء) المعيَّن والمنوط به الخوض في تلك التناقضات واجتراح الحلول القادرة على معالجتها بعدما رفض العديدون تولي المنصب إدراكاً منهم لاستحالة نجاح المهمة، قائلا: "أنه لم يؤمن قط بجدوى الزيادة في عدد القوات الأميركية"، وحتما سيندم دوغلاس على قبوله بهذه المهمة المستحيلة.

وهكذا سيكون دوغلاس ومن سبقه ومن سيلحق به ضحايا لأخطاء إدارة بوش وصلفها وغبائها لاسيما في تعاملها مع قضية العراق الذي لن يجد بوش ومن وقف معه إلا خياراً واحداً لا بديل عنه وهو الانسحاب السريع من العراق، وبخلاف ذلك فأن النتائج ستكون أكثر كارثية ومأساوية ليس على العراقيين حسب بل على إدارة بوش والشعوب الأمريكية والعالم.

أما كبش الفداء الثاني فهو كبير عملاء أمريكا في العراق "نوري المالكي" وبطانته فكل المؤشرات تدلل أن الإدارة الأمريكية لن تجد أفضل منه كبشاً سميناً لا حول ولا قوة له لأن يتفادى هذه المسؤولية، فهنيئاً له هذا الشرف الكبير من أسياده.