العراق عقدة المشكلة ومفتاح حلها

د. فيصل الفهد

مر عام على الحرب التي شنها الكيان الصهيوني على لبنان تلك الحرب التي أثارت جدلا كثيرا على مختلف المستويات الإقليمية والعالمية لما خلفته من نتائج اعتقد أصحاب قسم منها أنها ستعيد تركيب التحالفات والأوضاع في المنطقة بما سيؤسس لخارطة يغلب عليها طغيان لون معين على سواه من الألوان ولكن هل تحقق ما كان يأمله هؤلاء؟

ولكي نضع هذا التساؤل وغيره في إطاره الصحيح لا بد من ملاحظة بعض المعطيات سواء التي كانت موجودة أصلا قبل تلك الحرب أم التي تأسست بموجب تداعياتها اللاحقة ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

أولاً: أن تلك الحرب قامت وانتهت شانها شأن كل الحروب التي خاضها العرب ضد الصهاينة لتكون فرصة تستغلها (اسرائيل) ومن خلفها أمريكا لزيادة حجم التصدع في الجدار العربي وتعميق الهوة بين الأنظمة العربية وخلافاتها بما يخدم الأعداء.

ثانياً: لقد حقق (حزب الله) انجازا يحسب له إلا أن استثماره لم يكن بالطريقة والشكل الصحيح بحكم ارتباط هذا الانجاز بعوامل إقليمية فرضت بصماتها إلى الحد أن كثيرين جيروا الانجاز لتلك القوة الإقليمية الأمر الذي خلق انطباع لدى كثيرين أن (حزب الله) لم يكن أكثر من أداة أو وسيلة سيرتها تلك القوة الإقليمية لصالح أغراضها حصرياً.

ثالثاً: وتأسيساً على ذلك فأن تلك الحرب لم تكن سوى حرب بالنيابة بدل الاحتراب المباشر بين الأطراف المتخاصمة.

رابعاً: وإذا كنا نقر إن (حزب الله) قد حقق إنجازا لا يستهان به من الناحيتين التكتيكية والعسكرية فأنه من غير المقبول أمريكيا وصهيونيا أن يوظف ذلك لمصلحة أطراف إقليمية لم تكن بعيدة ميدانيا عن مسرح الأحداث في جنوب لبنان وبالذات عندما نتحدث عن إيران وهي أكثر من يعنيها أمر ما حدث وسيحدث لاحقا في المنطقة من نتائج لا تخلو من ضبابية للتأثير في خانة الترتيبات السياسية التي خطط لها منذ وقت سابق وأسس لها ومهد لها بما في ذلك العدوان العسكري الصهيوني على لبنان وما سيتمخض عنه من إفرازات ستترك بصماتها واضحة على كل الأطراف في المنطقة.

خامساً: وفي إطار ذلك قد يظن كثيرين أن النظام الإيراني يمكن أن يتراجع بخطوات - كثيرة - إلى الخلف بسبب ما تقدم مبتعداً عما خطط له قبل احتلال العراق وزاد عليه بشراهة بعد ذلك، لاسيما وأن هذا النظام كان أبرز المساهمين في جريمة احتلال العراق، إلا إن أصحاب هذا الظن واهمين جدا.

سادساً: إن النظام الحاكم في إيران خطط لاستغلال نتائج ما حدث في لبنان استغلالا بشعا في إعادة ترتيب أوراقه وتحديدا فيما يتعلق بالملف النووي وكذا الحال بالنسبة للتطلعات الفارسية التوسعية في الخليج العربي.

سابعاً: إن ما سيقوم به النظام الإيراني لمواجهة الضغوط الأمريكية هو استخدام الورقة العراقية التي يراهن عليها كثيراً ويعتبر دوره في أحداث لبنان بمثابة تعريف للآخرين بحجم ما يمكن أن يفعله من توظيف لكل ما يحصل في العراق، وفي إطار ذلك وكما هو متوقع سيحرك الإيرانيون ذيولهم في جنوب العراق للقيام بأعمال هدفها إزعاج الأمريكيين والبريطانيين والضغط عليهم باتجاه إيصال جوهر الرسالة التي يريد حكام طهران تعميق معناها في ذهن الإدارة الأمريكية والإقرار بها، وهي أن إيران لاعب أساسي في المنطقة يتوجب على أمريكا وأوربا الاعتراف به والتعامل معه في تنفيذ أي مشروع أمريكي في المنطقة ومنه على وجه التحديد ما يتعلق بإعادة ترتيب الخارطة الجغرافية والسياسية للمنطقة الذي تريد إدارة بوش الانطلاق بها من العراق المحتل.

ثامناً: لقد اعتقدت أطراف عديدة إن أحداث لبنان وفلسطين هي من سيعول عليها في رسم أوضاع المنطقة، ولكن الحقيقة شبه المطلقة إن ما يحدث في العراق هو العامل الحاسم في كل ما ستنتجه التصادمات أو التفاهمات بين أمريكا وحلفاءها من جهة وبين إيران وحلفاؤها في المنطقة من جهة أخرى.

تاسعاً: أن لبنان وفي ضوء تداعيات الحرب داخلياً ودولياً، لن يكون ذاته لبنان ما قبل العدوان الصهيوني.

عاشراً: و(حزب الله) كوجود عسكري لن يكون له ذات التأثير بعد العدوان بل ستعمل أطراف دولية وإقليمية ومحلية على نزع مخالبه وتحويله إلى منظمة سياسية داخل الهلامية السياسية المضطربة في لبنان.

أحد عشر: هناك أطراف وقوى سياسية داخلية ودولية قد وضعت في حساباتها تحجيم الدور السوري وإبعاد أصابعه بشتى الوسائل بحيث لا تمنح سوريا أي دور محسوب للتأثير في مجريات الأحداث القادمة في لبنان أو المنطقة، ولكن القيادة السورية تبذل جهودا سياسية بالسر والعلن (لا تخلو من الذكاء) مستثمره هي الأخرى ما حصل وسيحصل من نتائج في لبنان وبتنسيق واضح مع أطراف إقليمية لدفع أمريكا و(إسرائيل) لإعادة تقويم الدور السوري القادم في المنطقة لاسيما في العراق ولبنان وفلسطين.

اثنى عشر: نعتقد أن القيادة السورية ستمارس دورا أكبر في الضغط على أمريكا خلال المرحلة القادمة وربما التحول من أسلوب الدفاع إلى الهجوم ويحتمل أن تستخدم إطلاق المبادرات التي ستحتضن الأطراف المناوئة للاحتلال بشكل فعال في رسالة جوهرها أن السوريين يقولون أننا هنا ولا يمكن لكائن من يكون أن يتجاهلنا.

ثلاثة عشر: سيدفع ذلك القادة (الإسرائيليون) لأن يتبنوا منهجا آخر في فتح الملفات المعلقة بين الطرفين وهي حتما كثيرة جدا!!

إن الشيء الواضح اليوم والذي لا يقبل التأويل أو الاجتهاد إن الإدارة الأمريكية المتورطة في العراق، والمنبوذة في العالم، لم توفق في أن تمسك زمام الأمور في المنطقة إلا أنها لم تتوقف في محاولاتها، عدا أن الذي يحدث الآن هو عكس ما يتمناه الجوق السياسي في واشنطن، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة تخلي أمريكا عن خطتها لاعتماد العراق بؤرة لانطلاق مشروعها الكوني، فالعراق بعد احتلاله، بثرواته وموقعه الجغرافي الاستراتيجي (وفقا للمشروع الأمريكي) سيكون عماد الهيمنة الأمريكية ليس على المنطقة بل والعالم، فالإمبريالية الأمريكية وجدت ضالتها المفقودة في هذا البلد الذي حولته في ليلة وضحاها من بلد آمن مستقر إلى مرتع للموت والجريمة والخراب والدمار وجعلت من أعزة أهله بين جثث هامدة وبين معتقلين في غياهب السجون وملايين أخرى هجروا قسرا حتى غصت بهم المجتمعات الأخرى وسلطت على رقاب العراقيين مجموعه من الأراذل من شذاذ الآفاق والمجرمين والساقطين الذين لا يمتون للعراق وأهله بأي صلة.

لقد كان طموح دهاقنة السياسة الأمريكية - ولازال بعضها قائما - أن يستغلوا كل ما يمكن استغلاله في العراق ومنها على سبيل المثال لا الحصر، تأسيس موطئ قدم لقواعد عسكرية استراتيجية – مجانا - بديلة عن تلك التي يدفعون مقابلها مبالغ كبيرة مثل قاعدة (انجرليك) في تركيا التي قرب موعد انتهاء عقدها، وتم اختيار موقع بديل في منطقة تلعفر شمال العراق بديلا مجانيا عنها، وكذا الحال في قواعد أخرى في وسط وجنوب العراق.

ومهما كانت نوايا الأعداء سواء كانوا من المحتلين الأمريكيين أم صهاينة أم إيرانيين، يبقى العامل الحاسم بيد أبطال العراق النشامى ورجاله الصيد في المقاومة الوطنية الذين عقدوا العزم على تحرير وطنهم العزيز الغالي مهما تطلب ذلك من تضحيات جسام يستحقها وطن وأرض وشعب مثل العراق.

إن الحقيقة التي يحاول أعداء العراق التعتيم عليها وهي أحد أهم مصادر قوة وصلابة المقاومة العراقية هي أن هذه المقاومة لا ترتبط بأي أجنده خارجية إقليمية كانت أم دولية، وهذا هو أحد أسباب قوتها ودعائم نصرها المحتم القريب إن شاء الله.

فعلى خلاف كل أشكال المقاومة الأخرى ونحن لا نقلل من قيمتها أو تقيمها فأن المقاومة العراقية كانت الوحيدة التي تدعم من قبل الشعب العراقي الذي يحتضن أبناؤه المقاومين ويمدونه بكل أسباب القوة والنصر، ورغم كل محاولات حجب الحقائق على الأرض في العراق، ومنها عملية التغييب الإعلامي الكامل لما يجري على أرض العراق من بطولات رجال المقاومة العراقية، وحجم الجرائم التي ترتكبها قوات الاحتلال وعملائها الإيرانيين على مدار الساعة ضد العراقيين، وهي من حيث العدد والبشاعة تفوق جميع الجرائم التي ارتكبها الصهاينة ضد شعبنا في فلسطين ولبنان، إلا أن المخطط الأمريكي الصهيوني الإيراني يسدل الستار عن كل ما يحدث في العراق، حتى أصبح العالم يتعامل مع بلد مغيب يجري التعتيم على ما يحدث فيه.

إن ما ترشح من نتائج وتداعيات بعد مرور عام من العدوان على لبنان لن يكون له وقعه المهم على الأرض ما لم تحسم قضية احتلال العراق، ومن هنا نؤكد أن مفتاح كل حلول المشاكل المستعصية في المنطقة، ستكون من العراق وليس من أي مكان آخر بما في ذلك موضوع الملف النووي الإيراني، وسواء غيب العراق إعلامياً أم سلط بعض الضوء عليه وبشكل محسوب ومقصود، فأن لا أحد يستطيع حجب النتائج التي تفرضها المقاومة العراقية التي حطمت ومرغت أنف أعتى قوه في العالم - دون أن تعتمد على قوه خارجية ومن أي جهة كانت - وهذا ما يفسر درجة إحباط الأمريكيين، أكبر الخاسرين في المواجهة مع العراقيين، وكذلك الصهاينة والإيرانيين الذين لا يريدون لشعبنا نيل درجات المجد لما يسطرونه من ملاحم في زمن قل فيه الرجال وزاد فيه أشباههم، فتحية عظمى للمقاومة العراقية الباسلة وهي تضع لمسات نصرها على أعداء الحق والإنسانية من أمريكيين وصهاينة وإيرانيين، ولتضع بين أيدي شعوب العالم أغنى تجربة وطنية حرة في الدفاع المشروع عن الأرض والعرض والإنسان، وهذا ما دعم صمود المقاومين الأبطال في فلسطين ولبنان، وما النصر إلا ثبات ساعة.