حين يؤتمن الذئب على الغنم
د. عيدة المطلق قناة *
غادر توني بلير (10 داونينج ستريت) مخلفاً إرثاً سياسياً ثقيلاً ومتناقضاً ومخيباً لآمال الكثيرين. غادر ملتحقاً بسابقيه من صناع الحروب (أزنار إسبانيا وبيرلسكوني إيطاليا) من دون أن تشفع له معدلات النمو الاقتصادي المرتفعة التي سُجلت في عهده، أو تدني نسبة البطالة، أو الإصلاحات الواسعة النطاق التي أدخلها إلى الخدمات العامة ومنها النظام الصحي والتربية.
غادر مذموماً مدحوراً تلاحقه اللعنات والفضائح.. كذب وزيف ولفق ووزع المنح والرشى واشترى الألقاب وتستر على الفساد والصفقات المشبوهة، تعسف في استصدار القوانين والإجراءات الأمنية والمقيدة للحريات.
استبد وطغى حتى على زملائه في الحكومة، خاصة من تمتع منهم بدرجة كافية من المناعة ضد الصمت والانحياز الأعمى ومنهم من لم يقو على الصمت وابتلاع لسانه فاضطر للاستقالة.. (وها هي اليوم كلير شورت، تستعد للكشف عن بعض فضائح بلير)..
بلير اليوم يتنحى بعد أن لوث سمعته، وسمعة بلاده وجيشه في حروب بوش العبثية حتى أن اللورد غيدنس حث خليفة بلير (في مجلس اللوردات) بأن يبادر بإلقاء خطاب حول السياسة الخارجية والاعتراف بالأخطاء في العراق وإتباع سياسة خارجية متعددة أي ليست ملتصقة بطرف واحد مثل أمريكا.
غادر بلير غير مأسوف عليه إلا من قبل شيخ طريقته "بوش" الذي كشف بدوره للصحيفة البريطانية "ذي صن" بأنه طالب بلير بالبقاء "حتى نهاية ولايتي"!. فأي هوان يرتضيه زعيم حاز ثقة ناخبيه لثلاث دورات متتالية، ليخسرها دفعة واحدة، وهاهو اليوم يغادرها ويداه ملطختان بدماء مئات الآلاف من العراقيين والأفغانيين والفلسطينيين واللبنانيين، يغادرها وقد شهد له التاريخ في صفحاته السود على مشاركته في إبادة شعوب وتدمير دول، وحول دولاً ذات حضارات عظيمة على امتداد الزمان والمكان إلى دول فاشلة عنوانها الخراب والدمار والدماء والتفجير والتفخيخ، من أفغانستان إلى العراق فلبنان والصومال، استناداً إلى أكاذيب وترهات فبركوها لأغراض في نفس بوش و بلير ومن لف لفهما.. غادر وقد استحق زعامة "محور الكذب" من دون منازع.
لكن محور الكذب هذا يأبي الانصراف من دون مكافأة فسارع بوش بمكافأته بوظيفة "وسيط في الشرق الأوسط" وما ذلك إلا للدفاع عن الإخفاقات الذريعة في السياسة الأمريكية في المنطقة. إن بوش أرادها له نوعاً من المكافأة (المالية والسياسية) على خدماته الاستثنائية للإدارة الأمريكية في أسوأ طبعاتها اليمينية، وإلا فما هي الأهداف المتوقع تحقيقها من مهمة لا تمتلك أي فرصة من فرص النجاح خصوصاً وأن بوش نفسه قد حددها، على لسان الناطق باسمه، بـ"إعادة بناء المؤسسات الفلسطينية" (وكأن هذا البناء ممكن من دون زوال الاحتلال).
أما من حيث النزاهة والحيادية والموضوعية التي ينبغي أن يتصف بها شاغل هذه المهمة، فإن "بلير" لم يسجل في أي يوم من حياته السياسية موقفاً حيادياً، بل كان حريصاً على انحيازه الأعمى لطرف ضد طرف آخر، بل تولى دعم وإسناد "إسرائيل" في اغتصابها واحتلالها وقمعها وجرائمها ضد الشعب الفلسطيني، وفرضت حكومته تماهياً مع السياسات الأمريكية الصهيونية - حصاراً عنصرياً قاتلاً ضد الشعب الفلسطيني وخياراته الديمقراطية وحين قرر الانصراف من رئاسة الحكومة البريطانية و"حزب العمال" معها أراد أن يختم حياته السياسية بإيفاد مبعوث له للفلسطينيين يطالب الفلسطينيين بالإفراج عن الجندي الصهيوني الأسير شاليط.. لأسباب إنسانية فلشاليط، "أب وأم ينتظران خروجه بفارغ الصبر" من دون أن يتذكر أن هناك أكثر من أحد عشر ألف أسير فلسطيني، ربما يكونون - من وجهة نظر بلير- من دون آباء أو أمهات ولا زوجات أو أبناء، وبالتالي فإنسانية بلير لا تغطيهم ولا تشملهم برعايتها!!.
أما عن مواقف "بلير" إزاء القضية - التي سيتولى متابعتها فتتجلى من خلال حديث الأوساط "الصهيونية البريطانية" عنه باعتباره "زعيماً صهيونياً عالمياً"، وهو الذي أحاط نفسه بعدد من المستشارين الموالين ل "إسرائيل" مثل شنويل ولورد ليفي إلى آخره. وهو الذي ما فتئ يفاخر وأمام البرلمان بأنه من أكثر رؤساء الحكومة البريطانية موالاة ل "إسرائيل".
فكيف به يكون وسيطاً نزيهاً وهو يرى أن "إسرائيل مستهدفة من قبل حماس وحزب الله" وليس العكس (كما قال في محاضرة له في الصيف الماضي بمجلس لوس أنجلوس للشؤون الدولية في سبتمبر)؟
وكيف لصانع الحرب أن يتحول وبين عشية وضحاها إلى صانع سلام؟ ويحضرني في هذا السياق تساؤل روبرت فيسك القائل "كيف لرجل قدم أدلة زائفة عن "أسلحة الدمار الشامل" أن يكون نافعاً في الشرق الأوسط؟" وكذلك ما قاله دبلوماسي أوروبي وهو في حالة من الدهشة "عندما سمعنا أن بلير قد يشغل المنصب ظننا الأمر نكتة سمجة".
فأمام تاريخ "بلير" الحافل بالسوء لا يستطيع أحد أن يقنع العرب وخاصة الفلسطينيين بأنه وسيط نزيه وجدير بالاستماع، فالرجل فقد مصداقيته تماماً في المنطقة (بشهاده روبرت فيسك).
إن الغالبية العظمى من أبناء المنطقة ينظرون إلى مهمة "بلير" الجديدة باعتبارها جائزة ترضية، تكفل لشاغلها سياحة مجانية في ربوع "الشرق الأوسط"، وتبقي صورته القبيحة حاضرة في الإعلام، وربما ترضي بعض جشعه للثروة والمال الحرام، وربما قد تضطر الجيوب العربية للتكفل بدفعها.
فهل من المتوقع أن يصحو ضمير "الوسيط بلير" بعد هذا التاريخ الحافل من السبات أو الموت السريري؟ أم أن "جورج بوش" يريد مكافأة "بلير" على معاداته للعرب، ويريد أن يمعن في إذلالهم وإيذائهم؟ أم أننا اليوم في زمان بات يؤتمن فيه الذئب على الغنم؟
eidehqanah@yahoo.com
* عن (الخليج) الإماراتية