ما الذي يحصل في فلسطين؟

د. هشام البستاني*

ما يحدث في فلسطين هو نتيجة لقصر نظر شديد من جانب حماس، واستراتيجية فعالة من جانب الصهاينة (ومن خلفهم الولايات المتحدة) وعملائهم المحليين.

حماس كانت مقاومة – العدو كان واضحا: الكيان الصهيوني. الاستراتيجية كانت واضحة: لا اعتراف بأي حال من الأحوال بالاحتلال، كل الاحتلال (بما في ذلك احتلال الأراضي العربية عام 48، بعكس الموقف الرخو والمتواطئ الذي يقبل الاحتلال قبل عام 67 وهو ما تتبناه السياسة التقليدية على المستوى الدولي، وفتح).

عندما ذهبت حماس إلى الانتخابات وقبلت الدخول في صراع حول الحكومة، سقطت في الفخ (سواء أكان ذلك عن قصد أو بدون قصد):

السلطة الوطنية الفلسطينية، والحكومة الفلسطينية، والمجلس التشريعي، كلها مؤسسة على وتستمد شرعيتها من اتفاقات أوسلو، وهي الاتفاقات التي لا تعترف بـ"اسرائيل" فقط بل تعطيها مطلق التحكم الفعلي بالضفة الغربية وقطاع غزة. إن هذه الكيانات "السيادية" ليس لها سيادة على الإطلاق، وليس لها جيش، ولا تحكم على المعابر الحدودية، ولا دخل مستقل، ولا أي شيء. هكذا، قامت حماس وبشكل غير مباشر بالتخل عن استراتيجيتها من خلال المشاركة بالمنتجات المادية لاتفاقات أوسلو، رغم أنها (في البداية) تمسكت بموقفها النظري الرافض للاعتراف بشرعية "اسرائيل".

"اسرائيل"، الولايات المتحدة، وأوروبا وجدت الفرصة المناسبة لإشعال حرب أهلية طالما انتظروها وربما خططوا لها.

الأدوات بسيطة: قطع جميع المساعدات المالية عن الفلسطينيين تحت ذريعة أن (حماس) منظمة "إرهابية"، هذا سيؤدي إلى حالة عصيان مدني يؤججها مجموعة من العملاء داخل الضفة الغربية وقطاع غزة من المعروفين بولائهم طويل المدى لـ"اسرائيل" والولايات المتحدة، وبحيث تقوم هاتان الأخيرتان بدعمهم وتمويلهم وتقديم السلاح وتسهيلات أخرى لهم، النتيجة: الحرب الأهلية - المرحلة الأولى.

بعد هذه المرحلة الأولى، تقوم الأنظمة العربية (وبالتحديد: النظام السعودي) بالتدخل للحفاظ على "الدم الفلسطيني"، طبعا الجميع يعلم أن الأنظمة العربية تتلطخ أيديها بالدماء الفلسطينية، إضافة إلى أنهم "حلفاء" مقربين للإدارة الأمريكية (وبالتالي "اسرائيل")، كان الغرض من هذه المناورة هو سحب (حماس) إلى وسط المستنقع بدلا من البقاء على إطرافه، هكذا ولد "اتفاق مكة"، ولم تعد (حماس) تتحدث عن تحرير فلسطين، الآن أصبحت (حماس) تتحدث عن الدولة الفلسطينية على حدود 67.

من الواضح أن هذا لم يكن كافيا، لدى "اسرائيل" والولايات المتحدة وأوروبا فرصة ذهبية لحرب أهلية فلسطينية، فلماذا إيقاف العربة؟

المزيد من الاستفزاز الداخلي كان كفيلا بأن يقود إلى انفجار داخلي كبير أدى إلى أن يقتل الفلسطيني أخاه، لمصلحة "اسرائيل" والولايات المتحدة، وضمن المخطط الأكبر "لشرق أوسط جديد" أو "أوسع"، النتيجة: الحرب الأهلية - المرحلة الثانية.

واحدة من المناطق المقاومة الثلاث في المنطقة (فلسطين، لبنان، العراق) تم تحييدها، لب الصراع بين المشروع التحرري العربي والمشروع الامبريالي/الصهيوني تم تشويهه.

المنطق يقول: لا يمكنك أن تكون مقاومة/ثورة وحكومة/دولة في ذات الوقت، فماذا لو كانت هذه "الحكومة/الدولة" تحت الاحتلال وتحت التحكم الكامل لقوى وعوامل خارجية كما هي الحال في فلسطين؟

لقد اختارت (حماس) الانتحار السياسي من خلال دخولها معركة من أجل "حكومة تحت الاحتلال"، و(فتح) قررت التخلي عن النضال منذ زمن طويل، إضافة إلى أن من يتحكم بها هم قادة فاسدون وذوو عقلية عصاباتية، النتيجة هي ما نراه اليوم.

إن تحميل "الحرب الأهلية" على أسباب داخلية فلسطينية هو أمر بعيد جدا عن الموضوعية، هناك ديناميكية من التفاعلات بين العوامل الخارجية والداخلية، وبحيث تلعب الأولى الدور القيادي، وتلعب الثانية دور "الأرض الممهدة".

في هذه الأوقات الصعبة والمحيرة، يكون دور الحركات المتضامنة عربيا ودوليا مهما جدا، ففي حال فقدت بعض الفصائل في فلسطين نقطة التركيز، ورافق ذلك أمر مماثل خارج فلسطين، فأن القضية بمجملها ستنهار، وسنخسر جميعا.

إن الصراع في فلسطين هو بالمنطق البسيط صراع أممي: صراع ضد امبريالية وصهيونية عالميتان تصارعان بميكانزمات محلية، هناك استمرارية بين الداخل والخارج في النضال، ولهذا اشدد دائما على أن ما يسمى "حركات تضامن" لا يجب أن تتوقف عند كونها مجرد "داعم" للقضية، بل عليهم أن يعتبروا أنفسهم جزءا من القضية، وبالتالي جزءا أساسيا من المقاومة.

الآن توجد لحظة حاسمة لتكثيف النضال من أجل القضية الفلسطينية عربيا ودوليا، بناء على المشروع الذي يعمل من أجل تصفية الكيان الصهيوني الاستيطاني العنصري غير الشرعي، وليس على أساس الحلول الانهزامية من طراز حل الدولتين أو غيرها.

إذا سقطنا في الفخ الامبريالي/الصهيوني القائل: "انظر، أن الفلسطينيين يقتلون بعضهم البعض، فلماذا نهتم؟!"، فسنخسر صراعنا في فلسطين لا محالة، والوحيد الذي سيلملم أرباحه هو صاحب الفخ، وعلى حسابنا جميعا.

عندما يفقد شخص ما البصر، فان مسؤولية جميع الآخرين أن يقودوه في الطريق.

* د. هشام البستاني هو كاتب وباحث وناشط في قضايا مناهضة الامبريالية ومقاومة التطبيع، والحريات العامة؛ وهو عضو مؤسس في التحالف الشعبي العربي المقاوم، وعضو الهيئة الإدارية لمنتدى الفكر الاشتراكي الأردني.

للاتصال: hbustani2@yahoo.com

 

 

نشرت في صحيفة (العرب الاسبوعي) اللندنية، السبت 7/7/2007

http://80.175.160.225/alarabpreviouspdf/Arab%20Weekly/2007/07/07-07/w19.pdf

 

النسخة الانجليزية من المقال:

http://www.monthlyreview.org/mrzine/bustani210607.html

 

النسخة الفرنسية من المقال:

http://www.ism-uisse.org/news/article.php?id=6979&type=analyse&lesujet=Sionisme

 

النسخة الاسبانية من المقال:

http://www.rebelion.org/noticia.php?id=52366