إلتباس "العولمة"
المصطلح، المفهوم، وطبيعة المواجهة
د. هشام البستاني *
في البداية لا بد من تحديد تعريف واضح ومحدد لمصطلح "العولمة" الذي أصبح "مصطلح الموسم" ويتحدث فيه الجميع مسبغين عليه تعريفاتهم ورؤاهم الخاصة دون العودة إلى تعريفه الاصطلاحي المحدد، وبالتالي تتوه بوصلة الحديث من "الواقعي" إلى "الذاتي"، ويصبح مصطلح محدد مثل "العولمة" حمال أوجه: فهو تارة يشير في ذهن الكاتب والقارئ إلى التكنولوجيا وانتشارها الكاسح "خاصة تكنولوجيا الاتصالات والإعلام الحديثة مثل الانترنت والفضائيات"، وتارة يشير إلى عالمية الفكر أو الفكرة، وتارة يشير إلى تحول الكوكب إلى "قرية صغيرة" يسهل على قاطنيها التواصل والتعارف والحوار. والحقيقة أن إسباغ المعاني المذكورة فيما سبق على "العولمة" يأتي في سياق إثبات عبثية مناهضتها أو مقاومتها، وإظهار المنادين بذلك على أنهم متخلفين ومناوئين للتقدم والتطور، إلى آخر هذه السلسلة.
والحقيقة أن كل ما ذكر أعلاه ليس له علاقة بـ"العولمة" بمعناها الاصطلاحي، فـ"العولمة" تحديدا هي إحدى مراحل التطور الرأسمالي حيث يسعى رأس المال إلى إزالة جميع الضوابط والقوانين والمعوقات التي تمنعه من الحركة من مكان إلى آخر من أجل المضاربة في الأسواق المالية المختلفة، وتعظيم أرباحه من "الاستثمار" في بلدان توفر الأيدي العاملة الرخيصة ونقاباتها العمالية ضعيفة فتزيد أرباحها مقابل استغلال العمال، ويتاح لها توفير تكاليف مصاريف كثيرة مثل مصاريف المحافظة على البيئة في البلدان التي لا توجد بها حماية قانونية للبيئة والإنسان، ومصاريف البنى التحتية من ماء وكهرباء وارض والتي توفرها الدول الفقيرة بأسعار منخفضة جدا لـ"اجتذاب" رؤوس الأموال.
والحق أن "العولمة" لم تأت لوحدها نتيجة تطور طبيعي ما، بل فرضتها الدول الكبرى من خلال مؤسسات تدعى أنها دولية وهي في الحقيقة تمثل مصالح الدول الكبرى مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية وغيرها، هذا الإقحام جاء كشروط سياسية من قبل هذه المنظمات من أجل إقراض الدول الفقيرة من خلال السيناريو التالي:
- استعمرت الدول الكبرى دول الجنوب ونهبت ثرواتها وهيمنت على مواردها "وما تزال"، نتيجة لذلك أصبحت دول الجنوب المنهوبة دولا فقيرة، وعندما أرادت الدول الفقيرة القيام ببرامج التنمية احتاجت قروضا كبيرة قامت الدول الكبرى التي نهبتها بإقراضها إياها من حصيلة النهب "أي أقرضتها الأموال التي نهبتها منها في الأساس!"، ونتيجة لانتشار الفساد والارتباط بالخارج لدى الأنظمة التي أورثها الاستعمار الحكم في دول الجنوب، فأن أغلب هذه القروض استقرت في جيوب الأنظمة الحاكمة والطبقات المرتبطة بها، مما استدعى المزيد من القروض، وهكذا إلى أن غرقت دول الجنوب "المسماة دول العالم الثالث" في الدين وأصبحت عاجزة لا عن سداد الديون فقط، بل أصبحت عاجزة حتى عن سداد فوائد تلك الديون، وهنا دخلت الدول الكبرى من الباب المشرع بحجة مساعدة الدول الفقيرة على سداد ديونها المتراكمة، فقد فرضت هذه الدول على الدول الفقيرة المدينة أن تتبنى برامج "إعادة الهيكلة الاقتصادية"، وهو اسم جميل مدروس لمشروع استكمال هيمنة كبير، وتعنى "إعادة الهيكلة" أمورا أساسية ثلاث: انسحاب الدولة من مسؤولياتها التقليدية في المجال الاجتماعي مثل الصحة والتعليم وغيرها وتحويل كل ذلك إلى القطاع الخاص الذي لا يهمه أي شيء سوى الأرباح، خصخصة القطاعات الصناعية والخدمية التي تملكها الدولة والتي أنشأتها بأموال المواطنين "في الأردن على سبيل المثال تمت خصخصة الاتصالات والاسمنت والبوتاس والفوسفات وميناء الحاويات وغيرها الكثير" حتى يتوفر مقدار من الأموال لسداد فوائد الديون المتراكمة الناتجة عن الفساد وفشل خطط التنمية، وتعديل جميع القوانين الاقتصادية بحيث تلغي أي قيود أو ضوابط تكبح جماح رأس المال وتحد من استغلاله مثل قوانين "تشجيع الاستثمار" التي هي في الواقع تعطى رأس المال إعفاءات ضريبية وأسعار تشجيعية للبنية التحتية مثل إيجارات الأراضي والماء والكهرباء، وهى كلها تدفع من جيب المواطن بشكل ضرائب تذهب لصالح توفير بنى تحتية لمشاريع تعفى من الرسوم والضرائب!
طبعا عند إلغاء القيود والضوابط القانونية للاستثمار وحركة رأس المال، لا يمكن للشركات المحلية أو رأس المال المحلي أن ينافس الشركات الكبرى التي تملك ميزانيات ضخمة وإمكانات وخبرات هائلة مدعومة بدول كبرى ذات جيوش جرارة وإرادات سياسية لا تنضبط إلا بما يحقق مصالحها دون رادع من أخلاق أو حق، فتسيطر الشركات الكبرى هذه المرة، وبدون استعمار مباشر في أغلب الحالات، على المشهد الاقتصادي كاملا في البلدان الفقيرة، فماذا يحصل؟ الجواب هو كما يلي:
- تدخل الشركات الكبرى لتهيمن على الصناعات الاستخراجية والتحويلية وغيرها من الصناعات، إضافة إلى القطاعات الخدمية عالية الربح مثل الاتصالات، وتحقق توفيرات هائلة كما أسلفنا من خلال اعتمادها على الأيدي العاملة العالمثالثية الرخيصة والغير محمية، ومن ثم تقوم ببيع منتجاتها بإعادة التصدير في نفس الدول وبأسعار كبيرة جدا بعد أن تخرج منافسيها المحليين من السوق بالإغراق أو تخفيض الأسعار لمدة محدودة أو بشراء المنافسين وغيرها من الآليات.
هكذا، تقوم شركة رياضية عالمية كبرى تصنع كرات القدم الخاصة بها في الباكستان بأيدي أطفال يتقاضون دولارا واحدا في اليوم، بإعادة تصدير هذه الكرات نفسها إلى الباكستان والعالم لتباع الواحدة منها بثمانين دولارا ليشتريها نفس العامل الذي تم استغلاله في صناعتها! واللافت أن الدول الكبرى التي تدعو إلى إزالة القيود الحمائية وإلغاء دعم الدولة للزراعة والصناعة وغيرها من الأنشطة الاقتصادية بحجة زيادة التنافسية والانفتاح وتعزيز حرية السوق، تمارس هي نفسها سياسات الحماية والدعم: فمثلا حصل خلاف كبير بين أوروبا والولايات المتحدة فيما يتعلق بصناعة الصلب لأن الولايات المتحدة تحمى صناعة الصلب الخاصة مما يمنع صناعة الصلب الأوروبية من منافستها، مثال آخر هو مطالبة دول الشمال لدول الجنوب برفع كل أشكال الدعم عن الزراعة "وهى النشاط الاقتصادي الأكبر لديها" وذلك طبعا لإغراقها بمنتجات الشمال المدعومة بالكامل من الحكومات "فمثلا تصرف الحكومات الأوروبية ما قيمته 2 يورو يوميا على كل بقرة من أبقارها!".
وهناك أمثلة أخرى كثيرة: ففي فرنسا، تدخلت الحكومة "بكل ثقلها" لتمنع شركة "انيل" الايطالية من الاستحواذ على شركة "سويز" الفرنسية التي تعمل في مجال الكهرباء والماء، حيث أصدرت تعليمات باندماج "سويز" في شركة "جاز دو فرانس" الحكومية الفرنسية، وصرح رئيس الوزراء الفرنسي "في ذلك الوقت" دومنيك دو فيلبان أن هذه الخطوة مهمة للغاية بسبب "الأهمية الاستراتيجية للطاقة بالنسبة لفرنسا"، وقد وصفت ايطاليا هذه الخطوة بأنها ترقى إلى "عمل من أعمال الحرب"، فيما وصف فالفيو كونتى الرئيس التنفيذي لشركة "انيل" الإيطالية الخطوة الفرنسية بأنها ترقى لحد تأميم شركة "سويز".
وفى اسبانيا، عرقلت الحكومة هناك عرضا قدمته شركة "أي أو أن" الألمانية لشراء شركة مدريد للطاقة، ثم أعلنت أنها ستوسع السلطات التي تمنع الشركات الأجنبية من تملك أصول اسبانية للطاقة، ولا زالت قضية رفض حكومة الولايات المتحدة بيع إدارة موانئها إلى شركة إماراتية ساخنة في البال!
نخلص بالنتيجة إلى أن ما يسمى "العولمة" ما هو إلا آلية لتسهيل هيمنة الشركات الكبرى الرأسمالية وتعظيم أرباحها من خلال نهب العالم واستغلال الناس من خلال تحويلهم إلى عبيد مستهلكين، وهو ليس "العدو" الذي يجب مناهضته، لأن الآلية هي وسيلة ولا تكون المناهضة للوسيلة بل لمن يستعمل هذه الوسيلة: أي الرأسمالية الامبريالية.
وهذه خلاصة نقاشات تدور حاليا في أوساط ما يسمى "الحركة العالمية المناهضة للعولمة"، وأصبح عدد كبير من النشطاء والمجموعات مقتنعا بأن "مناهضة العولمة" هو شعار غير صحيح لأن "العولمة" هي إحدى آليات عمل الامبريالية، فالأجدر إذاً مناهضة الامبريالية نفسها لا أدواتها.
خلط آخر في المفاهيم يحدثه أولئك الذين يتعاملون شكليا مع مصطلح "العولمة"، فهم يقسمونها إلى "عولمات متعددة": عولمة اقتصادية وعولمة ثقافية وعولمة عسكرية ...الخ. وهذا أيضا فصل خاطئ. فما يطلق عليه "عولمة" هو ظاهرة اقتصادية في الأساس، ولكن تعزيز الظاهرة الاقتصادية يتطلب استدعاء أدوات أخرى مساندة مثل الثقافة والعسكر.. الخ.
فمثلا: حتى تستطيع صناعة التجميل التي تقدر مبيعاتها بآلاف المليارات أن تستمر على هذا النسق، لا بد أن تروج لشكل معين من اللبس ومعايير معينة من الجمال والشكل وما هو مقبول وغير مقبول، وتستنفر لذلك جيوش جرارة من عارضات الأزياء والمغنيات والمغنين والمجلات والقنوات الفضائية والفيديو كليبات وغيرها، وتصنع بذلك "ثقافتها" الخاصة التي هي ليست ثقافة في الواقع، بل نمطا استهلاكيا يدفع بجمهور الناس إلى إخلاء جيوبهم لصالح صانعي ومروجي هذا النمط بالذات، الذين يجنون أرباحهم من الفراغ! ونفس الشيء ينطبق على العادات الغذائية "مكدونالدز، برغر كنج، كوكا كولا"، "بيبسي".. الخ، وكلها تخلق وتروج أنماطا من العادات لتعزيز مبيعاتها، وبالتالي أرباحها" والموبايلات وغيرها من المستهلكات التي يحولها المنتج في ذهن المتلقي إلى أساسيات لا يمكن العيش بدونها وهى ابعد ما يكون عن ذلك.
كذلك يأتي التدخل العسكري ليحسم أمورا استعصت على الاختراق السياسي/الاقتصادي، ومثال العراق هو أسطع دليل على ذلك حيث لحقت شركات كبرى مثل "بكتل" و"هاليبرتون" الجنود إلى حقول النفط ومشاريع البنى التحتية.
"العولمة" والوطن العربي
غالبية الأنظمة الحاكمة في الوطن العربي هي كمثيلاتها في دول الجنوب العالمثالثية: امتداد للحقبة الاستعمارية وارتباط بمصالح الدول الكبرى، وهى بحكم تبعيتها السياسية والاقتصادية وارتباط مصالحها بتلك الدول، لا تمثل مصالح شعوبها بقدر ما تمثل مصالح الدول الكبرى وشركاتها، وهذه المصالح تتطور وتتغير باستمرار مما يعنى أنه حتى الأنظمة العالمثالثية المرتبطة بالدول الكبرى قابلة للنقاش والتغيير حين يتغير المناخ السياسي و/أو الاقتصادي ويصبح الحفاظ على الامتيازات المحلية يتطلب مقاربات مختلفة، وهو ما يجعل الأنظمة الحاكمة خاضعة دوما للابتزاز الخارجي والخوف الداخلي مما يترتب عليه خضوع كامل للخارج وقبضة أمنية مشددة للداخل، هذه أول "بركات" "العولمة" "أي الامبريالية" على الوطن العربي.
"البركة" الثانية هي التخلي الشامل والنهائي عن برامج التنمية المستقلة المحلية، وفتح الأسواق وإلغاء حماية الصناعة المحلية وبيع المؤسسات العامة، وهو ما أدى إلى فقدان تحكم الدولة بالاقتصاد وما نتج عنه من ارتفاع هائل في الأسعار وانخفاض في القيمة الشرائية للعملة صاحبه ثبات أو تدني في مستوى الرواتب، وتسريح لأعداد كبيرة من العمال، وانعدام فرص العمل الحقيقية، مما أدى إلى رواج دعاية "التغلب على ثقافة العيب" التي تنادي على حملة الشهادات الجامعية للتحول إلى عبيد بثمانين دينارا لدى مصانع المناطق الصناعية المؤهلة!
"البركة" الثالثة هي أن الدولة التي اكتشفت بعد الخصخصة وبيعها للقطاع العام "الذي هو المصدر الرئيسي لدخلها" وبعد إلغائها للضرائب والحواجز الجمركية بسبب التزامها باتفاقيات التجارة الحرة "وهو مصدر آخر لدخلها" وبعد تخليها عن الرسوم والضرائب المأخوذة من الشركات الأجنبية ورأسمال الخارجي بحجة "تشجيع الاستثمار" "وهو مصدر ثالث لدخل الدولة"... اكتشفت أنه لا مصدر دخل لها سوى الضرائب والرسوم التي تجبيها من المواطنين، والمخالفات "مخالفات السير وغيرها" التي تجبيها من المواطنين أصلا، فرفعت الدعم عن السلع الأساسية، وأقرت ضريبة مبيعات ورفعتها عدة مرات، وأصبحت تتشدد في ضريبة الدخل، وتحول القطاع الحكومي إلى قطاع يجبي الأموال ولا يقدم الخدمات "لأنها تؤمن بحرية السوق!".
إذاً تحولت الدولة في ظل "العولمة" إلى إطار يسهل دخول رأس المال واستغلاله للموارد والبشر والعمال من خلال تغيير الأطر القانونية وإزالة الحمايات والضوابط "ويأخذ عمولات مقابل ذلك بشكل امتيازات أو مساعدات وغيره"، ولا يقدم أي خدمات بحكم تخليه عنها لصالح القطاع الخاص، ويجبي من المواطنين الضرائب والرسوم ليتمكن من إدارة عملياته!
إذاً هي أذكى عملية خداع في التاريخ: يمول المواطن دماره الكامل وتحويله من إنسان إلى عبد مستهلك! طبعا لا مصلحة للعرب في كل ذلك، ليست للشعوب تحديدا، بل هي على العكس، نهب لها ولمقدراتها، والمطلوب هو ليس الانقياد وراء الامبريالية وعولمتها، بل اللجوء إلى التنمية الذاتية المستقلة والانفكاك عن التبعية، ومن يدعى أن ذلك مستحيل نحيله إلى تجارب هامة مثل فنزويلا وبوليفيا وكوبا الصامدة حتى الآن في وجه حصار أمريكي ربما هو الأطول في التاريخ.
الاستحالة هي أن تتحقق هذه التنمية المستقلة والتخلص من الهيمنة عربيا على المستوى القطري، ولهذا تجهد الأنظمة في ترويج المشروع القطري كأفق نهائي للعمل السياسي الداخلي، مما يعني تأبيد التبعية وبالتالي ضمان مصالح الطبقات الحاكمة.
المطلوب إذاً هو رمي الأفق القطري في أقرب سلة مهملات والعودة بقوة إلى المقاربات القومية.
وهنا أتوجه بالأساس إلى القوى الشعبية "المعارضة" التي ارتضت بدافع "البقاء السياسي" أن توافق على الأفق القطري الذي رسمته الأنظمة وأن تعمل من خلاله حاكمة بذلك بالإعدام على نفسها أولاً وعلى العمل الشعبي الحقيقي ثانيا وعلى أمل النهوض بمشروع عربي حقيقي ثالثا.
* طبيب، وكاتب وباحث وناشط في قضايا مناهضة الامبريالية ومقاومة التطبيع، والحريات العامة، نشرت أبحاثه ومقالاته في عدة دوريات وصحف عربية، ترجمت مساهماته إلى عدة لغات مثل الانجليزية والاسبانية والايطالية، وهو عضو مؤسس في (التحالف الشعبي العربي المقاوم)، وعضو (الهيئة الإدارية لمنتدى الفكر الاشتراكي الأردني)، وعضو (لجنة حماية الوطن ومقاومة التطبيع النقابية)، وعضو (اللجنة التنفيذية العليا لحماية الوطن ومناهضة التطبيع في الأردن).