السيىء والأكثر سوءاً والأسوأ

عوني صادق

هكذا نجح السيناريو الأمريكي- "الإسرائيلي" في فلسطين مرة أخرى، كانت المرة الأولى عندما تم توقيع "اتفاق أوسلو" في حديقة البيت الأبيض، هكذا نجح السيناريو الأمريكي – "الإسرائيلي" فوصل الصراع الفتحاوي - الحمساوي على السلطة إلى نهايته ونتيجته الحتمية التي وضعها له، هكذا سقطت الشعارات النبيلة، وديست الخطوط الحمر، واتضح أن من كان واجبهم الدفاع عن الشعب وحقوقه وقضيته الوطنية قد استهانوا بذلك كله وباعوه من أجل قليل من سلطة وهمية، أو بعض من مكاسب مادية بخسة، فلم يجد المواطن الفلسطيني في وقت شدته إلا السيئ والأكثر سوءاً، وبحيث لم يعد ينتظر، بعد ما وصلت إليه الأمور، إلا الأسوأ.

ليس مهماً الآن الدفاع عن حركة (فتح) ورغبتها في العودة إلى مواقعها في السلطة التي فقدتها مع الانتخابات الأخيرة، وبالقدر نفسه ليس مهماً إيجاد تبريرات لحركة (حماس) وتمسكها بهذه السلطة، بل المطلوب الآن هو التفكير في سبل الخروج من المأزق الذي وضعت الحركتان  فيه الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية.

لقد قالت (فتح) إن (حماس)  نفذت انقلاباً على الشرعية الفلسطينية، ومثلها قالت (حماس) إن (فتح) كانت تنفذ انقلاباً على الشرعية نفسها منذ اللحظة الأولى لظهور الانتخابات التشريعية الأخيرة، في هذا الاتهام المتبادل لا تستطيع (فتح) أن تقنع أحداً، فهي التي بدأت الخطوات الانقلابية وأوصلت الأمور إلى ما وصلت إليه، لكن (حماس) أيضاً، وفي نهاية المطاف، كانت مسؤولة بالقدر نفسه عن هذا الوصول، ذلك لأنها تمسكت ببقائها في السلطة وهي ترى أن كل المؤشرات المحيطة بها وبحكومتها تتجه إلى محطة الصدام الأخيرة التي وصلوا إليها في الأسبوع الماضي، ولا يستطيع أي مراقب أن يتجاهل حقيقة الدور الذي لعبته الولايات المتحدة الأمريكية، ومشاركة بعض الدول العربية، في الوصول إلى هذه النتيجة المحزنة من خلال التحريض على (حماس) والحصار الذي واجهته، ومن خلال عملية التجويع التي فرضت على الشعب الفلسطيني كله، وخصوصاً على جزئه في غزة، وكذلك من خلال تقوية أجهزة الأمن الفلسطينية التي استتبعت عملياً للرئاسة واحتلت مواقع المسؤولية فيها رموز فتحاوية معروفة بولاءاتها لأجندات "إسرائيلية" وأمريكية.

ولم تخف واشنطن موقفها ولم تغلف تحريضها ضد (حماس) في أي وقت من الأوقات حتى بعد توقيع "اتفاق مكة" وتشكيل (حكومة الوحدة الوطنية)، وجاء التأييد السريع الذي أعلنه الرئيس الأمريكي جورج بوش ووزيرة خارجيته كوندوليزا رايس لقرارات عباس، حل الحكومة وإعلان حالة الطوارئ، دليلاً جديداً يعطي مصداقية للاتهام الذي وجهته (حماس) لهذه القرارات من حيث إنها كانت قرارات أمريكية.

ودائماً كانت تصريحات المسؤولين الأمريكيين و"الإسرائيليين" واضحة مباشرة تعلن أن المساعدات المقدمة للرئاسة وللأجهزة الأمنية التابعة لحركة (فتح) هدفها تمكين هذه الأجهزة من مواجهة (حماس)، بل والقضاء عليها.

وفي تقريره الأخير وقبل أن يغادر منصبه في الأمم المتحدة، كان مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة الفارو دي سوتو واضحاً جداً عندما تحدث عن تحريض الإدارة الأمريكية فريقاً فلسطينياً ضد فريق فلسطيني، وانحيازها لفريق فلسطيني ضد فريق فلسطيني.

إن كل ما حدث حتى الآن في غزة كان سيئاً، لكن الأكثر سوءاً يتمثل في استدعاء الرئيس الفلسطيني قوات دولية إليها لإحلال الأمن فيها، إذ يعني هذا أن الغزاويين الآن أمام قرار يمكن أن يصدر عن مجلس الأمن تحت "الفصل السابع" يعتبر غزة "إمارة طالبان فلسطينية" تستوجب إعلان حرب عسكرية فعلية عليها في إطار ما يسمى "الحرب على الإرهاب"!

إنه وإن كان لا يعني القيادة "الإسرائيلية" ما يمكن أن يحدث في غزة إلا بقدر ما يمس الكيان الصهيوني، إلا أن استتباب الأمر لحركة (حماس) فيها يمكن أن يتيح لها فرصة توسيع نطاق عمليات المقاومة وتوجيه المزيد من صواريخ القسام إلى المستوطنات الصهيونية ولو طلباً لكسب الرأي العام الفلسطيني وتأكيداً لما رددته (حماس) من أنها أقدمت على ما أقدمت عليه من أجل (حماية ظهر المقاومة).

إن تطوراً من هذا النوع سيدفع ولا شك القيادة "الإسرائيلية" إلى إعلان غزة أرضاً محروقة بموافقة العرب والعجم وجزء من الفلسطينيين!

وأما الأسوأ الذي قد تحمله الحالة الفلسطينية الراهنة، فهو أن يؤدي إعلان "حكومة الطوارئ" في رام الله، مع تأكيد إسماعيل هنية على بقاء حكومته في غزة، إلى قيام حكومتين فلسطينيتين  تدعي كل منهما الشرعية وتمثيل الشعب الفلسطيني، وهو ما سيأخذ القضية الوطنية  الفلسطينية حتماً إلى ما هو أبعد من الحضيض الذي أوصلها إليه "اتفاق أوسلو"، وإذا كان في الإمكان اتهام قيادة حركة (فتح) التي تفاوضت ووقعت على "اتفاق أوسلو" بأنها قبلت التفريط في القضية الوطنية منذ اللحظة التي وقعت فيها ذلك الاتفاق، فإنه أصبح في الإمكان اتهام قيادة (حماس) الآن بأنها أصبحت تشارك في هذا التفريط منذ قررت الصعود إلى سلطة هي إفراز لهذا الاتفاق ثم البقاء في هذه السلطة بعد ما ظهر لها إلى أين تتجه الأمور.

إن المناشدات والدعوة إلى حوار وطني شامل يعيد الفلسطينيين إلى ما قبل المعركة الأخيرة، ويبدو أن هذا الأمر الآن على الأقل، مسألة غير مجدية، فالأمور وصلت إلى كسر العظم وحسم المواقف وليس متوقعاً أن تلقى دعوة كهذه قبولاً من أي من الطرفين اللذين خاضا هذه المعركة، فأللهم  إنا لا نسألك رد القضاء لكننا نسألك اللطف فيه.