من سيسقط غزة أم الضفة؟

سامي الأخرس

في أحد التعليقات على المقال الأخير حاورني أخ بكتابة تعليق كفى البكاء على الأطلال، وعلينا ضرورة البحث عن حلول بما أن ما حدث قد حدث، وضرورة محاسبة المخطئ، وإيجاد حلول ومخارج للحالة الانقسامية السياسية،والجغرافية التي أحدثها سيطرة العسكر على غزة..

وبما أن الطرح عقلاني، ويصب في جوهر الحقيقة والموضوع، وحتى لا نغوص في الحرب الإعلامية المشتعلة بين الأوس والخزرج، ونجد أنفسنا تائهين بين الوثائق والمؤتمرات الصحفية، وخطابات عاش الملك مات الملك، وهي لا تتعدى خطابات احتفالية، وكرنفالات استعراضية إعلامية يدرك الجميع أنها استكمالاً للفصول السابقة ولن تجدي شيئاً، سوى مزيداً من التأزم والغرق في الوحل الذي غرقنا فيه.

نعود للبدايات حيث تميزت ثورتنا منذ انطلاقتها بتعدد المشارب الفكرية والايديلوجية،وطرح العديد من البرامج السياسية التي كانت تشكل محور التجاذبات والاستقطاب السياسي والحزبي والجماهيري،حيث اعتمدت لغة الخطاب الإيديولوجي كسلاح في حسمها للعديد من القضايا، وكان قادة هذه المناظرات هم قادة يحملون فكراً وايديلوجية،وقدرات اقناعية،استطاعت حسم شرائح عريضة من مجتمعنا الفلسطيني خاصة،والعربي عامة، وهذا لا ينفي إشهار السلاح في بعض الحالات ولكن سرعان ما كان يتم الاحتواء والعودة للطاولة الفكرية والسياسية وحسمها سياسياً وايدولوجياً.

ومع التغيرات التي شهدها العالم اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً وسقوط القطب الثاني للمنظومة العالمية وسيطرت القطب الرأسمالي وتفرده وحيداً مع طرح العولمة كحل سحري للشعوب واقتحامها لكل الميادين اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وعسكرياً تغيرت ملامح المعركة وتحول الخطاب الفكري والسياسي إلى خطاب ساقط لا يجيده سوى المتحدثون من فوهة البنادق وعليه شهد الخطاب الحزبي تحولاً في عمليات حسم الصراع فلم تعد الفصائل تجيد الصراع السياسي في ظل غياب الوعي الجماهيري سياسياً وغياب منظروا السياسة والفكر، وأصبحت الوجبات الإعلامية السريعة على طريقة مطاعم "ماكدونالدز" هي اللغة التي تفهمها الجماهير.

إذن فالخطاب السياسي أصبح خطاب يعبر من فوهات البنادق والعاطفة الجماهيرية التي تبحث عن منقذها من الجوع والفقر، والخوف وحالة اليأس التي تعيشها في ظل التساقطات السريعة لكل الأحلام والطموحات والخروج من أزمة لأزمة أكثر قسوة وألماً..

وهذا ما حدث في فلسطين، حيث يعتبر النموذج الثالث لما حدث في العالم العربي والإسلامي، فمن النموذج الأفغاني الذي سيطرت عليه حركة طالبان وأقصت الجميع واستفردت بالسلطة وكان سقوطها أسرع من كل التوقعات رغم مشروعيته أمام الهجمة العسكرية، ولكن السقوط السياسي هو الأهم، حيث أنها لم تستطع إقناع شعبها للالتفاف حول مشروعها السياسي، واندحرت إلى معاقلها الأساسية، وكما النموذج الأفغاني تكرر النموذج الصومالي صعود سريع "للمحاكم الإسلامية" التي مارست نفس الدور، الإقصاء، والتفرد، وتسرب الغرور لها بالقوة العسكرية، وفشلت في حسم المعركة سياسياً كما فشلت طالبان، فكان السقوط سريعاً كما كان الصعود سريعاً.

أما في فلسطين فالصورة منعكسة حيث حققت "حماس" انتصاراً سياسياً وتمكنت من قلب الصورة لتقدم نموذج مختلف عن النموذج الأفغاني والصومالي وتوجهت للعملية الديمقراطية، عبر صناديق الاقتراع.. وكان الحسم،هذا الحسم الديمقراطي السريع والمفاجئ بهذا الشكل، شكل بدايات الانكسار للشعار الذي حقق هذه الإنجازات، حيث بدأت الحركة بالسقوط رويداً رويداً وتدفع ثمن الشرك الذي دخلته تحت مسمى الديمقراطية حتى اكتمل السقوط بالسيطرة على غزة وإقصاء الشركاء عسكرياً.

كثيراً من يتوقعوا أن الحالة الانقسامية لغزة والضفة ستطول زمنياً وذلك وفقاً لقراءة الواقع، وهنا ربما المؤشرات تدلل على ذلك، ولكن العملية ستأخذ اتجاهات معاكسة ومغايرة للواقع، لأن هذه الحالة لن تنتهي سوى بسقوط سياسي لأحد الطرفين في غزة والضفة وهي معركة سياسية لن تحتاج لقادة ميدانيين يحملون البنادق وصواريخ ولا جيوش تتحرك بتشكيلات للسيطرة على برج أو حي، لا لقد أصبحت المعركة سياسية المعالم، سينتصر بها من يمتلك مقومات الانتصار السياسي والتواصل وإدارة المعركة بعيداً عن التشنجات وردات الفعل حيث أنه لا يمكن للحسم العسكري أن يتدخل في ظل تعقيدات الساحة الفلسطينية ورفض أي فلسطيني العودة على ظهر دبابة أجنبية أو عربية.

إذن فعملية الحسم العسكري غير مطروحة وأصبح الملعب مفتوحاً للسياسة ورجالاتها والحالة الفلسطينية تخوض مرحلة المخاض العسير.

والضحية ستكون الجهة التي لم تمارس وتتوقع الخطوات التي قامت بها، وغيبت المنطق السياسي عن ممارساتها، فكانت البدايات التي خطت به البنادق كلمتها هي النهايات للمشروع السياسي الذي انطلق من صناديق الانتخابات.

إذن فحالة التشرذم لن تطول وحالة الانفصال السياسي والجغرافي نتيجة للانكسار والسقوط..

والبقية تأتي..