إلى "الديمقراطيين الليبراليين"
عدنان برجي - مدير المركز الوطني للدراسات (لبنان)
الخامس من حزيران من كل عام، هو الجرس الذي يدفع "بالديمقراطيين العرب" لأن يصيحوا بأصواتهم الإعلامية العالية، أن كل مآسي الأمة تعود إلى تلك الهزيمة التي أوقعها العدو الصهيوني بالعرب عام 1967، وليقولوا أن سبب تلك الهزيمة هو الاستبداد والدكتاتورية، وليخرجوا بخلاصات انه لا يمكن تحقيق الانتصار إلا بقهر الدكتاتورية ونشر الديمقراطية.
الشعار لا شك جميل، فما من مخلوق إلا ويعشق الحرية فكيف إذا كان عربياً مؤمناً، علّمته الأديان السماوية، أن لا يركع إلا لخالقه، وأن الساكت عن الظلم شيطان أخرس، وأن الأمر شورى بينكم، وأن من مات دون أرضه فهو شهيد، وأن في تاريخه ذاك الذي وقف مخاطباً خليفة الرسول صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق قائلاً لو رأينا فيك انحرافاً لقومناه بحد السيف..
لكن "الديمقراطيين العرب" ينادون بالديمقراطية ولا يحددون نموذجاً لها، ففي السبعينيات كان الليبراليون يدعون إلى الديمقراطية الغربية وكان اليساريون يدعون إلى الديمقراطية المركزية التي هي ديكتاتورية البروليتاريا وفق التفسير الماركسي، وبعضهم كان يذهب في يساريته إلى التطرف معتبراً، أن الديمقراطية هي التحرر من كل شيء، فإحدى المجلات اليسارية كتبت بعد هزيمة حزيران أن سبب الهزيمة هو غياب التحرر الجنسي عند العرب.
بعد سقوط الاتحاد السوفياتي في التسعينيات، ذهب كثيرون من "ديمقراطي اليسار" إلى جمعيات حقوق الإنسان، والتي يدعم كثير منها على ما يبدو دوائر غربية غير بعيدة عن مواقع القرار الغربي، فتناسوا الديمقراطية المركزية وأبقوا على شعار الديمقراطية الذي يستبطن الديمقراطية الليبرالية الغربية، وبالتالي انضموا إلى "الديمقراطيين الليبراليين" إن لم يكن بالقول فبالفعل.
وهنا لا بد من التساؤل هل الديمقراطية الليبرالية واحدة في كل دول الغرب، ولديها نماذج واحدة في التطبيق؟ ثم هل الديمقراطية الليبرالية هي ديمقراطية إنسانية بمعنى استهدافها خير مواطنيها ورفاهيتهم أولاً والوقوف إلى جانب حقوق الشعوب الأخرى ثانياً؟
وقد نستطرد لنسأل هل أن الديمقراطية الليبرالية هي تنفيذ لمقولة أن الديمقراطية هي حكم الشعب للشعب؟ وأن كل ما يجري في أنظمة الغرب بعيد عن الاستبداد والقمع والقهر؟
وقبل مناقشة أنواع تطبيقات الديمقراطية الليبرالية لا بد من الإشارة إلى التمييز بين الحرية والديمقراطية.
يقول الرئيس الدكتور سليم الحص أن في لبنان كثير من الحرية وقليل من الديمقراطية، وربما ينطبق هذا القول ليس على لبنان فحسب، إنما على كثير من الأنظمة "الديمقراطية في العالم".
في الولايات المتحدة، تنحصر المنافسة الديمقراطية بين حزبين "الجمهوري والديمقراطي" ويجري تهميش الأحزاب الأخرى، والحزبان في تنافسهما يعتمدان على مراكز التأثير المالي لكبرى الشركات المتعددة الجنسيات والتي تملك إضافة إلى الثروات المالية المنابر الإعلامية التي تلعب الدور الرئيس في تحديد خيارات الرأي العام، وإلى مراكز اللوبي الصهيوني الذي تمكن من تجييش ما يعرف "بالكنيسة الصهيونية" وهي بالمناسبة لا صلة ولا علاقة لها بالمسيحية السمحاء، لإيصال من يحقق مصالح الصهيونية "العالمية" سواء في "اسرائيل" أو في مجمل دول العالم.
إذن الديمقراطية هي لقوى المال المتوحش والإعلام المأجور فهل هذا ما ينبغي أن نناضل من أجله كعرب وكقوى ديمقراطية؟
ثم ألم يرفض الرئيس جورج دبليو بوش القانون الصادر عن مجلسي الشيوخ والنواب الأميركيين حول الانسحاب من العراق، مستفيداً من صلاحيات وضع "الفيتو" على القرارات التي لا تعجبه؟
وأيضاً أليس له الحق في حسم الرأي في مجلس الأمن القومي حتى ولو خالفه في ذلك أغلب أعضائه؟ هذا مع الإشارة إلى أن كل أدارة أميركية تأتي يختار رئيسها أركان هذه الإدارة وأعضاء الحكومة ورؤساء الأجهزة الأمنية والعسكرية، حتى مندوب الولايات المتحدة الأميركية في مجلس الأمن الدولي يستطيع الرئيس تعيينه حتى ولو رفض مجلسي النواب والشيوخ ذلك وفي تجربة تعيين جون بولتون دليلاً على ذلك.. فهل ما يفعله الرئيس الأميركي ديمقراطي وما يفعل مثله رئيس آخر غير ديمقراطي؟؟
هذا في الجانب السياسي، أما في الجانب الإنساني، فتقول المعلومات أن 32 مليون أميركي يعيشون دون أية ضمانات اجتماعية، وأن ملايين من البشر ينامون في العراء، فأين الديمقراطية الاجتماعية التي هي الجناح الآخر للديمقراطية السياسية؟ وهل يستطيع أحد أن ينكر الديمقراطية الاجتماعية التي أرساها نظام عبد الناصر في مصر حيث التعليم ووفر الطبابة ووزع الأراضي على الفلاحين وأقام ديمقراطية تحالف قوى الشعب العامل الذي لا يستثني من قوى الشعب غير الرأسمالية المرتبطة بالاستعمار.
وما يقال عن الديمقراطية الأميركية، ينسحب أيضاً على الديمقراطية البريطانية والفرنسية والألمانية، مع فارق في الديمقراطية الاجتماعية أوروبياً حيث الضمانات الاجتماعية للمواطن أكثر تعزيزاً، مع العلم أن توجهات بدأت تنحو بزيادة ساعات العمل من جهة في فرنسا، وبتخفيض التأمينات الاجتماعية من جهة أخرى.
ولأن الديمقراطية ينبغي أن لا تتجزأ لا بد أن نسأل لماذا تهمش قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، فيما القرارات النافذ بعضها هي التي يتخذها مجلس الأمن الدولي، حيث للدول الخمس الكبرى حق فرض "الفيتو"، وحيث الوزن الأطلسي هو الطاغي والمهيمن والمسيطر لدرجة أن أكثر شعوب العالم ما عادت تثق بهذه المؤسسة الدولية؟!
من جهة أخرى، هل يعتبر "الديمقراطيون الليبراليون" أن الصين بلد ديمقراطي؟ وجوابهم المنطقي على ما نعتقد لا، فلماذا إذاً استطاع هذا البلد تحت الحكم الشيوعي إحراز هذا التقدم حيث يزيد معدل النمو السنوي على 8 في المئة؟ ألا تستحق تجربة الصين الدرس وأخذ العبر؟
لقد احتل الأميركي العراق مبشراً بالديمقراطية فإذا بمليون مواطن يسقطون قتلى وإذا بملايين أخرى جرحى معوقين ومهجرين، وإذا بسجن أبو غريب يفوق في وحشيته كل ما كتبت أقلام الديمقراطيين عن زنزانات أجهزة الاستخبارات العربية في مختلف عهودها، فهل يوافق "الديمقراطيون العرب" على هذه الديمقراطية الدموية المتوحشة؟
والصهاينة لم يتحملوا نقد نائب من أصل عربي فاتهموه بالخيانة وتسببوا بترحيله من فلسطين، ناهيك عن أبشع الممارسات بحق الشعب الفلسطيني بكامله.. فهل نصدق أن "دولة اسرائيل" ديمقراطية فنتسابق للصلح والاعتراف والتطبيع معها، بحجة أننا ديمقراطيين وأنهم ديمقراطيون؟؟!!
إلى ماذا يقود هذا الكلام؟ هل لرفض الديمقراطية من حيث المبدأ؟ أم أن في الأمر دعوة لتحديد الديمقراطية التي تناسبنا كعرب، بل أكثر من ذلك إلى تحديد الديمقراطية التي تناسب كل مجتمع عربي.
بالطبع، فإن أحداً لا يرفض مبدأ الديمقراطية، لكن لا بد من تحديد مضمون هذه الديمقراطية.. فما يناسب لبنان من ديمقراطية توافقية مثلاً، لا ينسجم مع دولة ثانية حيث الديمقراطية الأكثرية هي الأفضل، وفي دولة ثالثة حيث الديمقراطية النسبية هي الأنسب أما في دولة رابعة فقد تناسبها الديمقراطية الشوروية..
وبالعودة إلى العزف على نغم نكسة حزيران، فإن الهدف الحقيقي هو تحميل جمال عبد الناصر مسؤولية النكسة للإيحاء بأنه كان ديكتاتوراً، متناسين أنه هو من انتصر في حرب السويس عام 1956، وهو من مهّد لحرب تشرين من خلال استراتيجية التضامن العربي من جهة وحرب الاستنزاف وتجديد طاقات الجيش المصري من جهة أخرى، وفضلاً عن ذلك فإن عبد الناصر تحلّى بشجاعة لم يمتلكها "أهم" نظام ديمقراطي في العالم، لقد أعلن تحمله المسؤولية كاملة وتنحى ولم يعد إلا بعد استفتاء تلقائي وعفوي قامت به جماهير 9 و10 حزيران في مصر وعموم البلاد العربية.
فهل يجرؤ، مثلاً، الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش على الاعتراف بهزيمته في العراق، أو على الأقل بفشل مشروعه "الشرق أوسطي"، أو مجرد الاعتراف بخطأ الحرب على العراق؟؟
ولا بد من الإشارة، إلى أن الذين يحملّون الهزيمة أسباب كل الواقع العربي الراهن، هم مخطئون، لأن التفريط بالاستراتيجية التي صاغها جمال عبد الناصر ووافق عليها مؤتمر القمة العربي في الخرطوم، هو الذي أوصل الأمة إلى ما هي عليه.
هل أن نكسة حزيران هي وراء التفريط بنتائج حرب تشرين عام 1973 وذهاب أنور السادات إلى القدس، وإخراج مصر من الصراع العربي – الصهيوني؟
هل نكسة حزيران هي وراء اندلاع الحرب الداخلية في لبنان كما خطط وزير خارجية أميركا هنري كيسنجر، حيث تورط اللبنانيون والفلسطينيون والسوريون في حرب قاتلة؟؟
هل أن نكسة حزيران هي التي فجرّت حرب الصحراء المغربية، وأشعلت الحرب العراقية الإيرانية؟
هل نكسة حزيران هي التي فجرت المشاكل الداخلية في كل قطر عربي واستثارت العصبيات المذهبية والاثنية والطائفية والعرقية؟.
لقد آن لنا، أن نخرج من رمي الاتهامات على الجيل الذي سبق، وأن نتبارى في تيئيس الأجيال الطالعة فنفرض تعتيماً على الانتصارات ونركز الضوء فقط على النكسات.
أن في تاريخ كل شعب هزائم وانتصارات، والشعوب الحية هي التي توظف هزائمها وانتصاراتها في مزيد من التقدم نحو الأمام.
وكلمة أخيرة، لا بد من قولها "للديمقراطيين الليبراليين" "هل تنّحوا هم من مسؤولياتهم؟ ألم يبق رئيس الحزب رئيساً مدى الحياة، ورئيس الجمعية رئيساً طيلة السنوات، ورئيس مركز الأبحاث مخلد حتى الممات؟!.
كفى أن نرى القشة في أعين الآخرين، ولا نرى المسمار في أعيننا..