أطياف الشهيد صدام حسين

القيادة والجماهير

بقلم: اسماعيل ابو البندورة

كان مؤسس البعث يستشرف مواصفات القيادة البعثية في شخصية الشهيد المجيد صدام حسين ويتبين فيها العلاقة المميزة بين الشهيد والجماهير سواء على صعيد القطر العراقي أو على صعيد الأمة العربية فيقول: (قد تنشأ علاقة حب بين قائد وشعب دون أن ينتج عنها بالضرورة بناء للإنسان، ولإنسان جديد، ولكن صدام حسين قائد بعثي وله شخصية متميزة فهو يحمل خصوصية البعث: الصدق، الصلة القوية بالأمة وتاريخها، وبالشعب وتطلعاته، الصلة الوجدانية، المحبة، الاعتزاز، الاستعداد لأعلى درجات التضحية في سبيل الأمة وقيمها وأهدافها الكبرى، المعاناة من تآمر الأعداء الكثر على الأمة وثورتها ونهضتها، وحقوقها المشروعة.

إن هذه العلاقة الصميمية بين القائد والشعب أتاحت الفرصة للعمل التاريخي، (وأن القائد العظيم من الشعب العظيم)، وهذه حقيقة علمية تؤكد أسبقية دور الفرد القائد دون أن يقلل ذلك من عظمة الشعب وكونه جديراً بهذا القائد الذي طبع مرحلة تاريخية بتجاوبه السريع والعميق معه، وبفهم خلاق لفكر الحزب وقدرة على إغنائه من خلال الخبرة المكتسبة أثناء ممارسته السلطة).

ولذلك عمل الشهيد المجيد صدام حسين على أن تكون علاقته بالجماهير وأبناء الشعب واضحة ومعبرة عن هذه المبادئ الكبرى ونقدية حتى يتاح له رؤية المعيقات الحقيقية لحركة الجماهير نحو حريتها ومشاركتها في بناء الوطن - وطن الأمة، وكان يقول (اُنقدونا حيثما وجد الخطأ، وثوروا علينا عندما ننحرف)، وقال في مناسبة أخرى وأثناء مراسيم أداء اليمين القانونية لمحافظي النجف وميسان وكربلاء في 7 حزيران 1987 بعد أن عرضوا أمامه أن الشعب يحاججهم بخطبه وأحاديثه قال (لقد قصدت ذلك في وقت مبكر منذ عام 1969، لأني قصدت أن يفهم الشعب باستمرار خط الحزب الحقيقي، ثم أردت أن أستعين بالشعب عليكم، بالكلام المسموع والتصرف المرئي الصادر عني لكي لا يأتي احد ويقول للشعب ما هو نقيضه أو يتصرف بنقيضه، ويدعي أن هذا هو خط الحزب، بل أن يقولوا له أن (صدام حسين) بعثي وأن تصرفك هذا غير بعثي، لأننا سمعنا صدام حسين بآذاننا وهو أمين سر حزبكم، فلماذا تتصرف أنت هذا التصرف المناقض؟ هنا تنشط الرقابة الشعبية ولن تكون فعالة ما لم يكن المنهج فيها وفي العلاقة مع الشعب واضحاً ومعلناً).

لقد سعى الشهيد المجيد صدام حسين لكي تكون هناك دائماً صلة حية بالجماهير تقوم على الصدق والمكاشفة والعلانية والشفافية، وحاول في كل المناسبات أن تكون هذه العلاقة ميدانية يتصل من خلالها بأبناء الشعب يحاورهم ويتلقى منهم الملاحظات والأفكار ويرى الأشياء بعينه بعيداً عن الوسائط الحكومية معتمداً في ذلك على مبادئ أساسية في الحزب مضمونها إبقاء القنوات مفتوحة مع الجماهير لكي يستمد منها الإرادة والتطلعات، والاعتماد على الجماهير في عملية النهضة والتنمية والدفاع عن الأمة، فالجماهير ليست هي الجماعات التي لا ماهية لها وإنما هي الأساس في بناء الوطن وهي الأرضية الخلاقة التي تتوالد فيها الرؤى ويتولد فيها الخيال الوطني والإرادة النهضوية والتحررية، والجماهير ليست قطعاناً تساق بالإكراه والرتابة والمنوالية السلطوية، وإنما هي المجموع الإنساني الباحث عن حريته وقيمه ومثله العليا والمحكوم بالمبادئ الكبرى وركيزة التطور الأساسية.

ولذلك تضمنت نظرة الشهيد للجماهير عملية بناء الإنسان وتنشيط فعاليته وتحريك قواه الكامنة ومحاورة عقله محاورة واعية وخلاقة واستنهاض همته وإشراكه في كل العمليات السياسية والاجتماعية الوطنية حتى ينتقل من دائرة الموضوع إلى الذات.

وكان الشهيد يلحظ في كل المناسبات مقدار الاستجابة الشعبية لهذه النظرات ويستنهض من خلالها كل الإمكانات الجماهيرية الكامنة والمعطلة والمهدورة ويضعها في سياقات الانجاز والمشاركة والتفاعل الخلاق.

لقد أنشأت هذه العلاقة بين الشهيد وأبناء شعبه نمطاً من أنماط الكيمياء الوطنية الخاصة والضرورية للنهضة هي التي جعلت الجماهير تنخرط انخراطاً واعياً في كل المعارك التي خاضها القطر العراقي ابتداء من مواجهة التمرد الكردي فالعدوان الإيراني عام 1980 ثم المواجهات الكبرى التي استمرت منذ عام 1991 وحتى هذه اللحظة، حيث استطاعت هذه العلاقة المميزة بين الشهيد وأبناء الشعب أن تنتج مقاومة فريدة هي الآن في آخر أطوارها لانجاز هدفها الكبير في تحرير العراق والأمة العربية.

لقد عرف صدام حسين وبهدي من مبادئ الحزب الكبرى خط الجماهير وأمسك به في علاقة نضالية تقوم على الاحترام والمبدئية العالية ولم تكن القنوات مغلقة بينه وبين أبناء الشعب العراقي والعربي واخطأ كل من اعتقد بالترهات الاستعمارية والصهيونية الزاعمة بأن علاقة الشهيد بشعبه علاقة التباسية أو عدائية يمكن أن تدفع بهذا الشعب لملاقاة الأعداء والمحتلين بالورود، ذلك أن ما أبداه الشعب من بطولات في مواجهة الغزاة أكدت طبيعة العلاقة النضالية الحميمة بين الشهيد وأبناء شعبه باستجابتهم السريعة لنداء المقاومة ثم بانتصارهم على اكبر قوة همجية في التاريخ، ولذلك افتدى الشهيد هذا الشعب المناضل بدمه وغرس شجرة الحرية في أرض الرافدين إلى الأبد.