الأخوة في "حماس" أصارحكم وأنصحكم
بقلم : زياد أبوشاويش
في البدء كانت الكلمة.. ولا زلنا نفضلها بين الإخوة بدل الرصاصة، ولأنه حان الوقت لقول ما لابد من قوله، وبعد الواقعة المخيفة والمتجاوزة لكل الحدود بإلقاء مواطن فلسطيني يعمل في حرس الرئاسة من أعلى أحد الأبراج بغزة ووفاته على الفور، وبعد واقعة رفح بمنع الإسعاف من نقل المصابين، وإطلاق الرصاص من المسجد على الناس فقد وجب على كل صاحب كلمة أن يقول لمن فعل هذا توقف.
ولأن من فعل هذا ليس نكرة بل واضح الانتماء وبشهادة عشرات الشهود وليس اثنين عدول كما يقول الشرع الإسلامي الحنيف، وقد أجمع هؤلاء أن الفاعلين هم من حركة "حماس"، لذا وجدت نفسي ملزماً بكل المعاني في أمرين: مصارحة قيادة "حماس" وقواعدها وكادراتها بما أعتقده الحق والحقيقة، وتقديم النصح الواضح وبنقاط غير ملتبسة، وغير قابلة للتأويل، ويعلم الله أني لا أتوخى سوى مصلحة شعبنا الفلسطيني، وإبراء ذمتي أمام الله والناس، ولا يقلل من قيمة ذلك وأهميته بالنسبة لي أكنت أميناً عاماً أو قائداً كبيراً، أو كنت مجرد مناضل فلسطيني يحب بلده، وكلمة الحق تبقى كذلك أصدرت عن أمير أو غفير.
ونبدأ بالسؤال الذي يمثل فاتحة المصارحة: لماذا توليتم أيها الأخوة في "حماس" رئاسة الحكومة وقبلتم تشكيل الوزارة؟... وبصيغة أخرى لماذا قبلتم دخول عش الدبابير؟... وبثالثة لماذا نزلتم في مستنقع أوسلو وإفرازاته السياسية اللعينة؟ ألم يكن ذلك شؤماً عليكم وعلى كل الناس؟... ودعونا نرى أيها الأحبة نتائج قراركم ربطاً بواقع الحال واستطراداً بإصراركم على البقاء في المستنقع تحت حجة شرعية تقول "بأن السلطة أتتكم ولم تطلبوها وهي بذلك تكليف من الله شرعيَ ولا يجوز التخلي عنه" حسب حديث الأخ خالد مشعل أمامي نصاً.
وقبل الإجابة عن الأسئلة الصعبة والتي لا يستطيع المرء أن يزعم قدرته على إجابات كاملة ووافية لها مهما كانت ملكاته وطول باعه، نلقي نظرة متفحصة على مجريات أحداث الثماني والأربعين ساعة الماضية، ففي رفح كانت جريمة نوعية تتعلق باستخدام بيوت الله للقتل والقنص، وزادها هولاً منع سيارات الإسعاف من نقل المصابين لفترة طويلة أدت لوفاة احد المواطنين.
أما قمة السخرية والألم والغرابة فكانت هذا القتال الداخلي وطائرات العدو الصهيوني تقصف وتقتل وتهدم وتدمر، وكان مستعصياً فهم المسألة على أي وجه قلبها الإنسان، ولو فهمناها نحن الفلسطينيون، فما الذي سيعتقده الآخرون ممن يراقبون ويتعاطفون معنا؟ الم يسمع أولئك وقادتهم خطابات المسلمين الاندونيسيين في مسيراتهم ومظاهراتهم المؤيدة لنا ولحقنا في بلدنا وقدسنا؟
وفي غزة، عند ظهر اليوم الأحد، العاشر من يونيو (حزيران)، قام بعض المتحصنين في برج الغفري الكائن غرب مدينة غزة بإلقاء المواطن محمد السويركي بعد تقييده من يديه وساقيه من أعلى البرج، وكان القتيل يعمل في "حرس الرئاسة" وينقل وجبة الغداء لمقرات وأفراد الحرس عندما اختطفته وزميل له مجموعة من حماس (القسام أو التنفيذية لا فرق) بجوار مسجد الكتيبة عند محور أنصار واقتادتهما إلى البرج.
وحتى تكتمل الصورة ولا يتم الخلط والتبرير والتجهيل الذي يمارس أحياناً، لابد أن نكمل الرواية المفجعة، حيث توجهت بعد ذلك قوة من "حرس الرئاسة" والقوات الشرطية إلى البرج لفك زملائهم، فدارت اشتباكات عنيفة تدخل على إثرها الوفد الأمني المصري للتوسط حيث انسحب الحرس والشرطة من محيط البرج بعد تطمينات بأن الأمور ستجرى على ما يرام وسيطلق الخاطفون سراح إخوتهم من الحرس، أو من حركة "فتح" إن أحببتم، لكن الجميع فوجىء بعد قليل بخبر إلقاء السويركي حياً من الطابق الثامن عشر، أو الخامس عشر في رواية أخرى، وليشتعل الشارع الفلسطيني بمظاهرات وصفها محايدون بالكبيرة، ولتطلق فيها شعارات أرى أنه من المهم ذكرها هنا والتعليق عليها، ولماذا من المفيد للأخوة في "حماس" التدقيق فيها، فماذا قال الناس في مسيراتهم للتنديد بالواقعة المذهلة: "يا مشعل ويا هنية ما بدنا حرب أهلية"، "كل الشعب يقول لهنية... حماس باعت القضية"، وهناك أخرى لا داعي لذكرها، وأنا هنا استحلفكم بالله إخوتنا في قيادة "حماس" هل هذه الهتافات يمكن أن تكون مجرد تحريض من "فتح"؟ ولو افترضنا أن 90% من الناس الذين ساروا في المظاهرات وهتفوا بهذا من "فتح"، أو محرضين من "فتح"، أو يقبضون من "فتح"، فهل يستحق الباقون اهتمامكم أم لا؟ ولماذا لا تتساءلون عما يدفع هؤلاء لقول ذلك وفيه إدانة واضحة لكم؟!.
وفي ذات السياق ما الذي يدفع الناس العاديين للتوجه للبرج في منطقة الميناء لطرد "عناصر القسام" والتنفيذية ممن يحتلون البرج؟، ولماذا تقوم سيدة عجوز وابنتها بسحب جثمان القتيل من المكان لصعوبة وصول الطواقم الطبية؟ ولماذا هذا التشابه بين ما جرى في رفح وفي غزة على هذا الصعيد؟.
إن مرورنا على وقائع اليومين يؤكد على أهمية الأسئلة الكبيرة التي طرحناها في البداية ويعزز ضرورة المصارحة والنصيحة لإخوتنا في قيادة "حماس" وهم من نعرف من الحرص على الدم الفلسطيني، ووعيهم بخطورة الانقسام والتنابذ على مستقبل القضية، وهم القائلين بحرمة هذا الدم، ولا زلت أذكر كلمات الأخ الدكتور أبو مرزوق نائب رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" وهو يوجه الأخ غازي حمد قائلاً: "نقتل ولا نقتل، نظلم ولا نظلم" وبرفع النون وتسكين القاف والظاء في نقتل ونظلم.
والآن دعني أصارحك أخي الدكتور موسى وكل قيادة "حماس"، أنتم أيها الأعزاء تقتلون وتظلمون ولا مناص من أن تعترفوا بأنكم تمارسون الانتقام الذي نهى عنه رب العباد، والذي يتناقض مع مصالح الشعب الفلسطيني.
أيها السادة في حركة "حماس" شعبنا اليوم يواجه الخوف الذي سكن في نفسه لأول مرة منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية المسلحة عام 1965، أتعرفون لماذا؟ أتعلمون مم الخوف وعلى ماذا وعلى من؟.
شعبنا يا شيوخنا الأفاضل لا يرهب الموت ولا طائرات العدو ولا دباباته، وهو قدم ويقدم كل شيء من أجل حقه وصون كرامته الوطنية، وهو يعطيكم خيرة أبنائه وفلذات أكباده، فهل انتبهتم لهذا الخوف الساكن فينا والطارىء علينا منذ توليتم الحكم وبدأتم ممارسته بفتح الصراع مع "فتح"، أو بالتساوق مع استفزازات "فتح" وخروقاتها ورفضها لتسليمكم السلطة أو قولوا ما شئتم في هذا، ونحن نوافقكم ونعرف ذلك.
شعبنا يخاف أيها السادة وهو الآن يرتعد خوفاً عليكم وعلى غيركم من الفصائل لان فيكم أبناءه وإخوته وأعز الناس وأقربهم، وهو يخاف يا شيوخنا المبجلين على مستقبل قضيته ولقمة عيشه.
أتعرفون يا إخوتي أكثر الأمور مدعاة للخوف؟ إنه الظلام وضياع الرؤية، ونحن الآن لا نعرف أين تقودونا ولا أين ومتى سيتوقف هذا النزف الدموي اللعين، هذا هو الخوف.
ثم ماذا بعد.......؟ لماذا توليتم السلطة وأنتم تعرفون أن هذا يرتب عليكم جملة من الواجبات والممارسات والتحديات تساعدناً على فهم بعضنا، وربما نصل جميعاً إلى قناعات مشتركة تؤدي إلى تصويب المسار / السلطة يا سادة تعني أن تدفعوا رواتب من تتسلطون عليهم وواجبهم طاعتكم، وتعني كذلك تعاملاً مباشراً مع العدو الصهيوني في الكثير من القضايا وهي بالآلاف وليس بالعشرات ولن ينفع تسبيع أيديكم للحصول على الطهارة، كما أنها تعني مظاهر وبروتوكولات و(اتيكيت) لا ينسجم مع الورع ولا مع الممارسات الثورية للمقاومين والذين يضعون الله بين أعينهم، فهذه لا تنسجم مع تلك ولا هذه تليق بتلك.
والسلطة أيضاً معكم ستفتح عليكم وعلينا عش الدبابير وقد حدث هذا واللسعات يستشعرها شعبنا الصابر في كل شؤون حياته بدءاً من الأمن الضائع وانتهاءً بلقمة العيش العزيزة والتي باتت مغمسة بالذل أو بالدم النازف من أبنائنا.
والسلطة كذلك تستدعي حالة حصار ما دامت بين أيديكم وها أنتم ترون بأنفسكم حجم الحصار ونوعيته، ولا يعفيكم القول بأنكم لم تتوقعوا هذا كما قال أخي الدكتور أبو مرزوق أثناء حوارنا معه قبل عام، وإن كان هذا صحيحاً وهو والحق كذلك، فلم بقيتم في السلطة حتى الآن؟
والسلطة تعني أيها السادة الحيادية بين طبقات الشعب وفئاته والالتزام بالقوانين وعدم التفريق بين الناس إلا بما كسبتم أيديهم، فهل كنتم قادرين في ظل الاستقطاب الحاد على ذلك؟ وهل يبرر عدم التزام "فتح" بما نقول عندما تولت السلطة لتمارسوا ذات الأمر؟.
والسلطة أخيراً تعني العمل بدأب على وحدة الشعب وقواه جميعها خصوصاً في ظل مرحلة صعبة وحرجة، وعدو لا يعرف الرحمة والحق، ولا يفهم سوى لغة القوة.
لن تقولوا أيها الإخوة أن هذا كله كان خافياً عليكم، فلديكم رجال من خيرة ما أنتج شعبنا ثقافة ووعياً وإدراكاً لعواقب ما تصنعون وما تقررون، ولن نعود لتكرار الاتهامات والذرائع التي تسوقوها لتبرير المعضلة التي أوقعتم شعبنا وأنفسكم بها، فنحن نعرف يقيناً حجم التحدي الذي واجهكم، ونعرف دور بعض القوى الفلسطينية والعربية في وضع العراقيل أمامكم بل ربما نعرف أكثر مما تعرفون في هذا، وحتى يكون الكلام على استقامته نؤكد لكم أيضاً أننا نعرف حجم خبرتكم المتواضع على صعيد العمل السياسي وألاعيبه اللعينة ونلتمس لكم العذر في بعض تسرعكم، لكن ما لا نستطيع تجاهله أو التمويه عليه هو هذا التعنت في الرد على ناصحيكم وهم غالبية الشعب الفلسطيني وأحرص من فيه على مستقبله وأكثرهم صدقاً معكم ورغبةً في نجاحكم على أساس برنامجكم المقاوم ورفضكم الاعتراف بالعدو أو التنازل عن حقنا في كامل أرضنا كما تنادون وكما يتمنى كل مواطن فلسطيني على سطح المعمورة.
هذا الرفض لمطلب الأغلبية من العامة والخاصة تواجهونه بخداع أنفسكم أيها الإخوة حول "التكليف الشرعي"، ونحن وانتم نعرف أنه: ((لا يكلف الله نفساً إلا وسعها))... فهل كان بوسعكم أيها الأحبة الإحاطة بكل متطلبات السلطة كما أظهرناها لكم عبر الأسئلة السابقة؟ والجواب لا لم تكونوا قادرين ولستم اليوم قادرين على ذلك، وليس كل حق يمارس ويعمل به، فأنتم سلطتنا شرعاً وقانوناً والكل يقر لكم بحق الحكم فهل تبصرتم جيداً إن كان هذا الحق لمصلحة شعبنا وقضيتنا ممارسته والتمسك به؟ وهل لو كان ممارسة الحق فيه إلحاق الأذى بالآخرين نأخذه... ولو كره الكافرون! كم من مطارد وجريح تحاشى دخول بيته والتداوي عند البعض حرصاً على عدم إلحاق الأذى بأهله وأصدقائه رغم حقه الواضح في ذلك؟ هل يحتاج الأمر لمزيد من الأمثلة لتوضيح الفكرة؟ فهل خطر ببالكم أيها السادة في قيادة حماس إلى أين تأخذونا حين تنطحتم لركوب السلطة؟ وهل شاهدتم يا إخوتنا في "حماس" لعبة "الروديو"؟ الله يحميكم.
نحن هنا نكلمكم وفي أذهاننا كل ما يمكن أن تردوا به علينا ونحن نضع أنفسنا مكانكم ومكان قادتكم في هذا الموضوع، ولا يعني طلبنا منكم ترك السلطة والعودة لمكانكم الطبيعي والذي اخترتموه انتقاصاً من قدراتكم ولا تجاهلاً لحقكم ولا تساوقاً مع أحد غير شعبنا ومصالحه العليا.
ولا بأس بنصف الحق الآن والاكتفاء بالمجلس التشريعي والمواقع الأخرى بخلاف الوزارات الدمى والتي يستطيع جندي صهيوني وقف عملها في أي وقت، وعلى أي حاجز.
كما لا يعني موقفنا القبول بفساد من سبقوكم أو من سيلحق بكم، ولا بكل السلوك الخاطىء لأجهزة سخرت لخدمة مصالح مشبوهة وغير نزيهة، كما لا يعني موقفنا عدم تعاطفنا مع كل مناضل من "القسام" أو غيره ممن تم التنكيل بهم واعتقالهم خدمة لأمن "إسرائيل" وبالتنسيق معها والتساوق مع طلباتها على حساب أمن مناضلينا وأسرهم، ونطالب بتقديم الاعتذار الأخوي لكل أخ مناضل تمت إهانته في سجون السلطة ومعتقلاتها.
إذن أيها الإخوة في "حماس" عليكم أن تتأكدوا أن دعوانا لكم تنطلق من أماكن وطنية مدركة لكل زوايا وأبعاد اللعبة التي تناور بها قوى الاستبداد العالمية وقوى الظلام المحلية العميلة، ومن واجبكم أن تقبلوا من السلطة نصفها التشريعي، ومن الغنيمة بالإياب الآمن إكراماً لشعبكم وحرصاً على مصالحه العليا، وفي النتيجة أنتم من يحدد مستوى الصراع وأدواته، فمم تخشون وممن إن غادرتم مستنقع أوسلو غير مأسوف عليه، ولماذا تتركون أحداً يقول أنكم تلعبون لمصالح إقليمية ترتبط بأهداف غير فلسطينية الأمر الذي نرفضه ونعتبره حديثاً للتمويه على مواقف تتساوق مع الترتيبات الأمريكية للمنطقة.
واجبكم أن تطردوا الخوف من قلب شعبكم وعقله، واجبكم أن توقفوا الحصار عليه، وواجبكم أن توقفوا نزيف الدم....... فهل أنتم فاعلون؟